اختلف الْعُلَمَاء في العين المرهونة، هَلْ يجوز الانتفاع بِهَا؟ عَلَى قولين:
الأول: يجوز للمرتهن الانتفاع بالعين المرهونة إذا كَانَت مركوبًا أو محلوبًا، أذِن الراهن أم لَمْ يأذن.
وبه قَالَ إسحاق (٣)، والحنابلة (٤)، والظاهرية (٥).
الثاني: لا يجوز الانتفاع بالعين المرهونة وبه قَالَ جمهور الفقهاء، عَلَى تفصيل مختلف بَيْنَهُمْ عَلَى النحو الآتي:
١ - قَالَ الحنفية: لَيْسَ للراهن ولا المرتهن الانتفاع بالمرهون مطلقًا، لا بالسكنى ولا بالركوب ولا بغيرهما، إلا بإذن كُلّ مِنْهُمَا للآخر.
وفي قَوْل لَهُمْ: لا يجوز الانتفاع للمرتهن ولو أذن الراهن؛ لأنَّهُ ربا.
وَلَهمْ قَوْل آخر: إنْ شَرَطَهُ في العقد كَانَ ربًا، وإلا جاز للمرتهن الانتفاع بإذن الراهن (٦).
٢ - قَالَ المالكية: ما ينتج عن المرهون ملك للراهن، والمرتهن نائب عَنْهُ في
_________________
(١) ، والتقريب (٣٣٣١)، وحديثه عِنْدَ الطبراني في الأوسط ١/ ٢٣٦ (٣٦٤) بتحقيق الطحان.
(٢) . انظر: نظم المتناثر: ٧٩ (٣٥).
(٣) المنهل الروي: ٣٢، وانظر: أسباب اختلاف الفقهاء: ٢٩٢.
(٤) الجامع الكبير للترمذي عقب (١٢٥٤).
(٥) المغني ٤/ ٤٣٢، والمقنع: ١١٨، والمحرر ١/ ٣٣٦، وكشاف القناع ٣/ ٣٤٢.
(٦) المحلى ٨/ ٨٩.
(٧) بدائع الصنائع ٦/ ١٤٦، وشرح فتح القدير ٨/ ٢٠١، وتبيين الحقائق ٦/ ٦٧، وحاشية الطحطاوي عَلَى مراقي الفلاح ٤/ ٢٣٦، وحاشية ابن عابدين ٥/ ٣١٠.
[ ١٧٧ ]
تحصيلها، ويحق للمرتهن الانتفاع بِهَا بشروط هِيَ:
أ. أن يشترط ذَلِكَ في صلب العقد.
ب. أن تَكُوْن المدة معينة.
ج. ألا يَكُوْن المرهون بِهِ دين قرض.
فإذا فاتهم الاشتراط في العقد، ثُمَّ أذن الراهن للمرتهن بالانتفاع لَمْ يَجُزْ (١).
٣ - قَالَ الشافعية: لَيْسَ للمرتهن من المرهون إلا حقه في التوثق من دينه، ويمنع من كُلّ تصرف أو انتفاع بالعين المرهونة، وللراهن مِنْهَا كُلّ نفع لاينقص القيمة كالركوب والحلب والسكنى ونحوها، وأما ما ينقص القيمة كالبناء في الأرض والغرس فِيْهَا فَلاَ يجوز إلا بإذن المرتهن (٢).
٤ - قَالَ الزيدية: لَيْسَ للمرتهن إلا حق الحبس، وإن استعمله فعليه الأجرة للراهن (٣).
٥ - قَالَ الإمامية: لا يجوز تصرف كُلّ من الراهن والمرتهن بالعين المرهونة إلا بإذن من أحدهما للآخر (٤).
٦ - وَقَالَ أحمد في رِوَايَة: أن المرهون وإن كَانَ محلوبًا أو مركوبًا فَهُوَ متبرع بنفقته عَلَيْهِ، ولا يحل لَهُ الانتفاع مِنْهُ بشيء (٥).
واستدل القائلون بالجواز بِمَا رَوَى أبو هُرَيْرَةَ - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «الظهر يركب بنفقته إذا كَانَ مرهونًا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كَانَ مرهونًا، وعلى الَّذِي يركب ويشرب النفقة».
أخرجه ابن أبي شيبة (٦)، وإسحاق بن راهويه (٧)، وأحمد (٨)، والبخاري (٩)، وأبو
_________________
(١) بداية المجتهد ٢/ ٢٧٣، والقوانين الفقهية: ٣٥٤، والشرح الكبير ٣/ ٢٤٦، وبلغة السالك ٢/ ١١٢، وحاشية الدسوقي ٣/ ٢٤٦.
(٢) الإفصاح لابن هبيرة ١/ ٢٣٨، وروضة الطالبين ٤/ ٧٩، وأسنى المطالب ٢/ ١٦١، ومغني المحتاج ٢/ ١٢١، ونهاية المحتاج ٤/ ٢٥٩، وحاشية البجيرمي ٣/ ٦٦.
(٣) البحر الزخار ٥/ ١٢٢، والسيل الجرار ٣/ ٢٧٢.
(٤) شرائع الإسلام ٢/ ٨١، وانظر: تهذيب الأحكام ٧/ ١٥٤، ومن لا يحضره الفقيه ٣/ ١٩٠.
(٥) المغني ٤/ ٤٣٢.
(٦) في مصنفه (٢٣٢٦٧) و(٣٦١٤٣).
(٧) في مسنده (١٦٠) و(٢٨١).
(٨) في مسنده ٢/ ٢٢٨ و٤٧٢.
(٩) في صحيحه ٣/ ١٨٧ (٢٥١١) و(٢٥١٢).
[ ١٧٨ ]
داود (١)، وابن ماجه (٢)، والترمذي (٣)، وأبو يعلى (٤)، وابن الجارود (٥)، والطحاوي (٦)، وابن حبان (٧)، والدارقطني (٨)، والبيهقي (٩)، والبغوي (١٠).
وأجاب الجُمْهُوْر عن هَذَا الْحَدِيْث: بأن الْحَدِيْث لَمْ ينص عَلَى تعيين المنتفع هَلْ هُوَ الراهن أَمْ المرتهن، فإن الْحَدِيْث محتمل لكون المنفق هُوَ الراهن، ويستخدم المرهون بحق ملكه لَهُ. ويحتمل أن يَكُوْن المرتهن ويكون انتفاعه عوضًا عن نفقته (١١).
واستدلوا أيضًا بِمَا رَوَاهُ سعيد بن المسيب عن أبي هُرَيْرَةَ، أن رَسُوْل الله - ﷺ - قَالَ: «لايغلق الرهن - (ثلاثًا) - لصاحبه غنمه وَعَلَيْهِ غرمه» (١٢)، ووجه الدلالة من
_________________
(١) في سننه (٣٥٢٦).
(٢) في سننه (٢٤٤٠).
(٣) في جامعه (١٢٥٤).
(٤) في مسنده (٦٦٣٩).
(٥) في المنتقى (٦٦٥).
(٦) في شرح المعاني ٤/ ٩٨ و٩٩
(٧) (٥٩٤٤) وفي طبعة الرسالة (٥٩٣٥).
(٨) في سننه ٣/ ٣٤.
(٩) في الكبرى ٦/ ٣٨، وفي الْمَعْرِفَة (٣٦١٦).
(١٠) في شرح السنة (٢١٣١).
(١١) شرح معاني الآثار ٤/ ٩٩
(١٢) روى هَذَا الْحَدِيْث إسماعيل بن عياش عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ ٣/ ٣٣، ومحمد بن الوليد الزبيدي عِنْدَ الحَاكِم ٢/ ٥١، وسليمان بن داود عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ ٣/ ٣٣، والحاكم ٢/ ٥١، وإسماعيل بن عياش عن ابن أبي ذئب عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ ٣/ ٣٣، والحاكم ٢/ ٥١، وكدير أَبُو يَحْيَى عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيّ ٣/ ٣٣، والحاكم ٢/ ٥١ - ٥٢، وأبو جزي عِنْدَ ابن عدي في الكامل ٨/ ٢٧٨ - ٢٧٩ كلاهما عن معمر، وإسحاق بن راشد عِنْدَ ابن ماجه (٢٤٤١)، ويحيى بن أنيسة عِنْدَ الشَّافِعِيّ (١٤٧٨) (١٤٨٠) بتحقيقنا. جميعهم (إِسْمَاعِيْل بن عياش، وسليمان بن داود، وابن أَبِي ذئب، ومعمر، وإسحاق بن راشد، ويحيى بن انيسة) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيْرَةَ، بِهِ. وأخرجه ابن حبان (٥٩٤٣) وفي طبعة الرسالة (٥٩٣٤)، والدارقطني ٣/ ٣٢ - ٣٣، والحاكم ٢/ ٥١، والبيهقي ٦/ ٣٩، من طريق سُفْيَان بن عيينة، عن زياد بن سعد، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هُرَيْرَةَ، بِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: (زياد بن سعد من الحفاظ الثقات وهذا إسناد حسن متصل)، وَقَالَ الحَاكِم: (هَذَا حَدِيْث صَحِيْح عَلَى شرط الشيخين وَلَمْ يخرجاه لخلاف فِيْهِ عَلَى أصحاب الزهري)، وَقَالَ البَيْهَقِيّ: (قَدْ رَوَاهُ غيره عن سُفْيَان عن زياد مرسلًا وَهُوَ المحفوظ). ورواه مالك في الموطأ (٢١٣٢) رِوَايَة الليثي ومن طريقه أبو عبيد في غريب الْحَدِيْث ١/ ٢٦٩، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ١٠٠، والخطيب في تاريخه ١٢/ ٢٤٢، وابن أبي ذئب عِنْدَ الشَّافِعِيّ (١٤٧٧) و(١٤٧٩) بتحقيقنا، وعبد الرزاق (١٥٠٣٤)، وأبو داود في المراسيل (١٨٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ١٠٠، والبيهقي ٦/ ٣٩، والبغوي (٢١٣٢)، ومعمر عِنْدَ عَبْد الرزاق (١٥٠٣٣)، وأبو داود في المراسيل (١٨٦)، والدارقطني ٣/ ٣٣، والبيهقي ٦/ ٤٠، وشعيب بن أبي حمزة عِنْدَ الطحاوي ٤/ ١٠٢، والبيهقي ٦/ ٤٤، ويونس عِنْدَ الطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ١٠٠ وجعل (لَكَ غنمه، وعليك غرمه) من كلام سعيد بن المسيب. خمستهم (مالك، وابن أبي ذئب، ومعمر، وشعيب، ويونس) عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، =
[ ١٧٩ ]
الْحَدِيْث: أن المغنم والمغرم عَلَى الراهن، فدل هَذَا عَلَى أن النفقة عَلَى الرهن وكذا النتاج يَكُوْن لَهُ، ووجب عَلَيْنا ان نؤول الْحَدِيْث الماضي.
وقالوا أيضًا إن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وَجْهَيْنِ:
الأول: أن فِيْهِ جواز الركب والشرب لغير مالك رقبة العين المرهونة من غَيْر إذن المالك.
الثاني: تضمين المرتهن المنتفع بالعين المرهونة عوض انتفاعه نفقة لا قيمة (١).
وَقَالَ ابن عَبْد البر: «هَذَا الْحَدِيْث عِنْدَ جمهور الفقهاء ترده أصول يجتمع عَلَيْهَا وآثار ثابتة لايختلف في صحتها، وَقَدْ أجمعوا أن لَيْسَ الرهن وظهره للراهن، ولا يخلو من أن يَكُوْن احتلاب المرتهن لَهُ بإذن الراهن، أو بغير إذنه، فإن كَانَ بغير إذنه ففي حَدِيْث ابن عمر عن النَّبِيّ - ﷺ -: «لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه» (٢) ما يرده ويقضي
_________________
(١) = بِهِ مرسلًا. ورواه شبابة عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، عن أبي هُرَيْرَةَ، بِهِ، عِنْدَ ابن عدي في الكامل ٥/ ٣٨٣، والدارقطني ٣/ ٣٢، والحاكم ٢/ ٥١ وفيه عبدالله بن نصر الأصم قَالَ فِيْهِ ابن عدي (لَهُ غَيْر ما ذكرت مِمَّا أنكرت عَلَيْهِ) الكامل ٥/ ٣٨٤. ورواه أيضًا مُحَمَّد بن زياد الأسدي، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر بِهِ عِنْدَ ابن عدي ٧/ ٤٦٩، قَالَ ابن عدي (وهذا منكر بهذا الإسناد وإنما يروي مالك هَذَا الْحَدِيْث في الموطأ عن الزهري، عن سعيد مرسلًا) كَمَا مَرَّ. وَقَدْ جمع الشَّيْخ الألباني هَذِهِ الطرق ورجح الْحَدِيْث المرسل. انظر ارواء الغليل٥/ ٢٣٩ - ٢٤٣ (١٤٠٦). أما عن قوله (لا يغلق الرهن) فَقَدْ قَالَ ابن الأثير: «يقال: غَلِق الرهن يَغْلَقُ غلوقًا: إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه عَلَى تخليصه. والمعنى: أنَّهُ لا يستحقه المرتهن إذا لَمْ يستفكه صاحبه، وَكَانَ هَذَا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لَمْ يؤد ما عَلَيْهِ في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن فأبطله الإسلام». النهاية ٣/ ٣٧٩.
(٢) فتح الباري ٤/ ١٤٤، وتحفة الأحوذي ٤/ ٤٦١.
(٣) رَوَاهُ مالك (٢٧٨٢)، وعبد الرزاق (٦٩٥٨) و(٦٩٥٩)، والحميدي (٦٨٣)، وأحمد ٢/ ٤ و٦ و٥٧، والبخاري ٣/ ١٦٥ (٢٤٣٥)، ومسلم ٥/ ١٣٧ (١٧٢٦)، والطرسوسي في مسند عَبْد الله بن عمر (٤٩)، وأبو داود (٢٦٢٣)، وابن ماجه (٢٣٠٢)، وأبو عوانة ٤/ ٣٥ و٣٦ و٣٧، والطحاوي في شرح المعاني ٤/ ٢٤١، وفي شرح المشكل (٢٨١٨) و(٢٨١٩) و(٢٨٢) و(٢٨٢١)، وابن حبان (٥١٧٩) و(٥٢٨٩)، وفي طبعة الرسالة (٥١٧١) و(٥٢٨٢)، والطبراني في الأوسط (٣١٠) و(١٩٠٩)، وفي طبعة الطحان (٣١٢) و(١٩٣٠)، والبيهقي ٩/ ٣٥٨، والبغوي (٢١٦٨).
[ ١٨٠ ]
بنسخه الخ كلامه» (١).
وادَّعى الطحاوي أن هَذِهِ الإباحة كَانَتْ قَبْلَ تحريم الربا، ونسخت بتحريم الربا، فَقَالَ: «فلما حرم الربا، حرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إِلَى أبدالها المساوية لها، وحرم بيع اللبن في الضروع، فدخل في ذَلِكَ النهي عن النفقة الَّتِي يملك بِهَا المنفق لبنًا في الضروع، وتلك النفقة فغير موقوف مقدارها، واللبن كَذَلِكَ أيضًا. فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة عَلَى المرتهن بالمنافع الَّتِي يجب لَهُ عوضًا مِنْهَا، وباللبن الَّذِي يحتلبه فيشربه» (٢).
وأجاب القائلون بالمذهب الأول عن دعوى النسخ هَذِهِ، بأن شرط النسخ مَعْرِفَة التاريخ، حَتَّى يعلم المتقدم من المتأخر والناسخ من المنسوخ، وهذا متعذرٌ هنا، فكان القول بالنسخ قَوْلًا بالاحتمال، والاحتمال لا تؤسس عَلَيْهِ الأحكام (٣).
ثُمَّ إن الجمع بَيْنَ هَذِهِ الأحاديث ممكن، وذلك بالقول أن نفقة الرهن تجب عَلَى الراهن مقابل الملك، فإذا امتنع عن النفقة كَانَ من حق المرتهن أن ينفق عَلَى الرهن حفظًا لَهُ من التلف، الَّذِي هُوَ إضاعة للمال، وَقَدْ نهى الشرع عَنْهُ، وبما أن نفقة المرتهن مال لَهُ، فيستحق العوض عَنْهُ، ومادام الراهن يمتنع عن النفقة، فإن للمرتهن أخذ العوض من مال الراهن وَلَوْ بغير إذنه، والركوب وشرب اللبن والمنافع الَّتِي لا تلحق نقصًا أو ضررًا بالعين المرهونة عوض، يستحقه المرتهن بدلًا عن نفقته (٤).