اختلف الفقهاء في حكم الصَّلاَة عَلَى الجنازة في المسجد عَلَى أربعة مذاهب:
الأول: الصَّلاَة عَلَى الميت داخل المسجد الَّذِي تقام فِيْهِ الجماعة مكروهة كراهة
_________________
(١) الإحكام في أصول الأحكام ٢/ ٨٦.
(٢) نكت الزركشي ٣/ ٦١٠.
(٣) البحر المحيط ٤/ ٣٥٩.
(٤) توجيه النظر: ٢/ ٦٨٩.
(٥) نكت الزركشي ٣/ ٦١٠.
(٦) قواطع الأدلة ١/ ٣٢٩.
(٧) هُوَ الْقَاضِي شيخ المالكية، أبو مُحَمَّد عَبْد الوهاب بن عَلِيّ بن نصر التغلبي العراقي، لَهُ مصنفات في المذهب المالكي منها: " التلقين " و" الْمَعْرِفَة "، توفي سنة (٤٢٢ هـ). المنتظم ٨/ ٦١، وسير اعلام النبلاء ٧/ ٤٢٩ و٤٣٢، والعبر ٣/ ١٤٩.
(٨) البحر المحيط ٤/ ٣٦١.
(٩) انظرها في: البحر المحيط ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧، ومنهج النقد في علوم الْحَدِيْث: ٢٢٧ - ٢٢٨، ومناهج المحدّثين في رِوَايَة الْحَدِيْث بالمعنى: ٧٤ - ٧٦.
[ ١٢٩ ]
تحريم سواء كَانَ الميت والمصلين في المسجد، أو كَانَ الميت خارج المسجد والقوم داخله، أو كَانَ الميت داخل المسجد والقوم خارجه، وبه قَالَ الحنفية (١).
وَقَالَ بَعْض فقهائهم: الكراهة للتنزيه (٢).
واستثنى أبو يوسف - ﵀ - المسجد الَّذِي بني أصلًا للصلاة عَلَى الجنائز، فَلاَ تكره الصَّلاَة فِيْهِ (٣).
ولهم رِوَايَة: أن الميت إذا كَانَ خارج المسجد لَمْ تكره، وهذا راجع لاختلافهم في تعيين علة الكراهية، هل هِيَ خوف تلويث المسجد أم أن المساجد وجدت لصلاة المكتوبات (٤)؟
فمن قَالَ بالثانية -وهم جمهور فقهاء الحنفية- أبقى الكراهة في كُلّ الأحوال، ومن جعل العلة خوف تلوث المسجد نفى الكراهة، إذا كَانَ الميت خارج المسجد، وعلى هَذَا تُخَرَّج هَذِهِ الرِّوَايَة، وإليه مال في المبسوط (٥) والمحيط، قَالَ ابن عابدين (٦): «وَعَلَيْهِ العمل وَهُوَ المختار» (٧). وبه قَالَ أيضًا: مالك (٨) وابن أبي ذئب (٩) والهادوية من الزيدية (١٠).
الثاني: أن الكراهة للتنزيه، ولا بأس في أن يصلي عَلَى الجنازة من في المسجد إذا كَانَ الميت خارجه بصلاة الإمام، وكذا إذا ضاق خارج المسجد بأهله، وبه قَالَ مالك في المَشْهُوْر عَنْهُ (١١).
_________________
(١) شرح فتح القدير ١/ ٤٦٣، وتبيين الحقائق ١/ ٢٤٢، ورد المحتار ٢/ ٢٢٥، والفتاوى الهندية ١/ ١٦٢.
(٢) تبيين الحقائق ١/ ٢٤٢.
(٣) شرح معاني الآثار ٢/ ٤٩٣، وانظر: حاشية ابن عابدين ١/ ٦١٩.
(٤) تبيين الحقائق ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣، وانظر: شرح فتح القدير ١/ ٤٦٤.
(٥) المبسوط للسرخسي ٢/ ٦٨.
(٦) هُوَ الإِمَام مُحَمَّد أمين بن عمر بن عَبْد العزيز بن عابدين الدمشقي، ولد سنة (١١٩٨هـ)، من مصنفاته "رد المحتار عَلَى الدر المختار"و"حاشية عَلَى المطول"و"الرحيق المختوم"، توفي سنة (١٢٥٢هـ). الأعلام ٦/ ٤٢.
(٧) حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٤٤ - ٢٤٥.
(٨) بداية المجتهد ١/ ١٧٦.
(٩) هُوَ الإِمَام مُحَمَّد بن عَبْد الرحمان بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب: هشام ين شعبة، أبو الحارث القرشي العامري، توفي سنة (١٥٨ هـ)، وَقِيْلَ: (١٥٩ هـ). وفيات الأعيان ٤/ ١٨٣، وسير أعلام النبلاء ٧/ ١٣٩ و١٤٨، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٩١.
(١٠) نيل الأوطار ٤/ ٦٨ - ٦٩.
(١١) المدونة ١/ ١٧٧، وبداية المجتهد ١/ ٢٣٤، والقوانين الفقهية: ٩٥، والشرح الصغير ١/ ٥٦٨، =
[ ١٣٠ ]
الثالث: تسن الصَّلاَة عَلَى الميت داخل المسجد وَهُوَ الأفضل، إذا أمن تلويثه، فإن خيف حرمت. وبه قَالَ الشافعية (١)، والظاهرية (٢).
الرابع: إباحة الصَّلاَة عَلَى الميت في المسجد عِنْدَ أمن المحذور وَهُوَ تلوث المسجد، وبه قَالَ الحنابلة (٣)، والإمامية (٤)، وَهُوَ رِوَايَة المدنيين عن مالك، وبه قَالَ ابن حبيب (٥) المالكي (٦).
واستدل أصحاب المذهبين الأولين بِمَا روي من طريق ابن أبي ذئب، عن صالح بن نبهان (٧) مولى التوأمة، عن أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «من صلى عَلَى جنازة في المسجد فَلاَ شيء لَهُ».
واختلف عَلَى ابن أبي ذئب في لفظه، فرواه:
أبو داود الطيالسي (٨) ومعمر (٩) وسفيان الثوري (١٠) وحفص بن غياث (١١) وعلي
ابن الجعد (١٢)، ومعن (١٣) بن
_________________
(١) = وانظر: الاستذكار ٢/ ٥٧٠ - ٥٧٢، والقبس في شرح موطأ مالك بن أنس ٢/ ٤٤٧.
(٢) الحاوي الكبير ٣/ ٢١٨، والتهذيب ٢/ ٤٣٣، والمجموع ٥/ ٢١٣، وروضة الطالبين ٢/ ١٣١، وشرح الْقَاضِي زكريا عَلَى المنهج وحاشية الجمل ٢/ ١٨٤، ومغني المحتاج ١/ ٣٦١، ونهاية المحتاج ٣/ ٢٥.
(٣) المحلى ٥/ ١٦٢.
(٤) المقنع: ٤٨، والشرح الكبير ٢/ ٣٥٨، والمحرر ١/ ١٩٣.
(٥) من لا يحضره الفقيه ١/ ١٧٤.
(٦) هُوَ الإِمَام أبو مروان عَبْد الملك بن حبيب بن سليمان السلمي العباسي الأندلسي القرطبي المالكي، لَهُ تصانيف كثيرة مِنْهَا: " الواضحة " و" فضائل الصَّحَابَة " و" تفسير الموطأ "، ولد في حياة الإِمَام مالك بَعْدَ السبعين ومئة، وتوفي سنة (٢٣٨ هـ). تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٣٧ و٥٣٨، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ١٠٢ و١٠٣ و١٠٧، ومرآة الجنان ٢/ ٩١.
(٧) الاستذكار ٢/ ٥٧١.
(٨) هُوَ صالح بن نبهان المدني، مولى التوأمة: صدوق اختلط بأخرة، توفي سنة (١٢٥ هـ). تهذيب الكمال٣/ ٤٣٨و٤٣٩ (٢٨٢٨)، وميزان الاعتدال٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤ (٣٨٣٣)، والتقريب (٢٨٩٢).
(٩) في مسنده (٢٣١٠).
(١٠) عِنْدَ عَبْد الرزاق (٦٥٧٩).
(١١) أخرجها عَبْد الرزاق (٦٥٧٩)، وأبو نُعَيْم في الحلية ٧/ ٩٣.
(١٢) وروايته أخرجها ابن أبي شيبة (١١٩٧١).
(١٣) في الجعديات (٢٨٤٦)، ومن طريقه ابن حبان في المجروحين ١/ ٤٦٥ (ط السلفي)، والبغوي في شرح السنة (١٤٩٣)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (٦٩٦).
(١٤) هُوَ أَبُو يَحْيَى المدني القزاز، معن بن عيسى بن يَحْيَى الأشجعي مولاهم: ثقة ثبت، توفي سنة (١٩٨هـ). =
[ ١٣١ ]
عيسى (١) عَنْهُ بهذا اللفظ.
ورواه وكيع (٢) عَنْهُ، بلفظ: «فليس لَهُ شيء».
ورواه يَحْيَى بن سعيد (٣) عَنْهُ، بلفظ: «فَلاَ شيء عَلَيْهِ».
ورواه ابن الجعد، عن الثوري (٤)، عن ابن أبي ذئب، بلفظ: «فليس لَهُ أجر».
وهذا كله من تصرف الرُّوَاة بألفاظ الْحَدِيْث وروايتهم بالمعنى (٥).
وأعل الْحَدِيْث كَذَلِكَ باختلاط صالح مولى التوأمة (٦)، وأجيب: بأن رِوَايَة ابن أبي ذئب عَنْهُ قَبْلَ الاختلاط (٧).