يمكن تعريف خيار المجلس بأنه: حق العاقدين في إمضاء العقد أو رده، منذ التعاقد إِلَى التفرق أو التخاير (٤).
_________________
(١) مسائل من الفقه المقارن ١/ ٢٥.
(٢) هَذَا تأسيس من ابن حزم عَلَى رأيه القائل بعدم إمكان الإجماع بَعْدَ عصر الصَّحَابَة - ﵃ -. وهذا رِوَايَة عن الإمام أحمد، وَقَالَ الشوكاني: «إنه ظاهر كلام ابن حبان». انظر: الإحكام ٤/ ٥٠٦، والتبصرة: ٣٥٩، وإحكام الآمدي ١/ ٣٢٨، وإرشاد الفحول: ٨٢.
(٣) الإحكام في أصول الأحكام ١/ ٢٢٩ - ٢٣٧. وانظر: إعلام الموقعين ٢/ ٣٧٥ فما بعدها، والبحر المحيط ٣/ ٣٤٤ - ٣٤٥، وأسباب اختلاف الفقهاء: ٣١١.
(٤) الموسوعة الفقهية ٢٠/ ١٦٩.
[ ١٨٤ ]
والأكثرون عَلَى تسميته «خيار المجلس» ومنهم من يسميه «خيار الْمُتَبَايِعَيْنِ» (١).
فإذا أتم العاقدان عقد البيع من غَيْر أن يتفرقا وَلَمْ يختر أحدٌ مِنْهُمَا اللزوم، فهل يعتبر العقد لازمًا بمجرد هَذَا التمام، أَمْ أن لكلا العاقدين الحق في فسخ العقد ما داما في مجلس البيع؟
اختلف الفقهاء في ثبوت هَذَا الحق عَلَى قولين:
الأول: لا يثبت خيار المجلس، والعقد لازم بالإيجاب والقبول، إلا إذا تشارطا أو أحدهما إثبات الخيار.
وبهذا قَالَ: إبراهيم النخعي وأهل الكوفة، وربيعة الرأي وطائفة من أهل المدينة، وَهُوَ قَوْل الثوري في رِوَايَة عَبْد الرزاق عَنْهُ (٢).
وإليه ذهب الحنفية (٣)، والمالكية (٤)، وأكثر الزيدية (٥).
الثاني: خيار المجلس ثابت للمتعاقدين، ولكل مِنْهُمَا الحق في فسخه مادام المجلس قائمًا، ومالم يختر أحدهما اللزوم.
روي هَذَا عن: عمر، وعثمان، وابن عمر، وابن عَبَّاسٍ، وأبي هُرَيْرَةَ، وأبي برزة الأسلمي (٦)، وبه قَالَ: سعيد بن المسيب، والحسن البصري، وشريح، والشعبي، وعطاء، وطاووس، والزهري، والأوزاعي، وابن أبي ذئب في طائفة من أهل المدينة، والثوري في "جامعه"، والليث بن سعد، وعبيد الله بن الحسن، وداود الظاهري، وسوّار (٧) قاضي البصرة، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك، وابن جريج، ومعمر، ومسلم بن خالد
_________________
(١) المغني ٤/ ٦، والتهذيب ٣/ ٢٩٠.
(٢) المصنف عقب (١٤٢٧٣)، وانظر: الاستذكار ٥/ ٤٨٥.
(٣) المبسوط ١٣/ ١٥٦ - ١٥٧، والهداية مَعَ شرح فتح القدير ٥/ ٨١، وبدائع الصنائع ٥/ ٢٢٨، والاختيار ٢/ ٥، وشرح العناية عَلَى الهداية (بهامش فتح القدير) ٥/ ٨١، وتبيين الحقائق ٤/ ٣، وحاشية ابن عابدين ٥/ ١١٢.
(٤) التمهيد ١٤/ ٨، والمنتقى ٥/ ٥٥، والقوانين الفقهية: ٢٧٠، وشرح الحطاب ٤/ ٣١٠، وشرح منح الجليل ٢/ ٦٠٩ - ٦١٠، وحاشية الرهوني ٥/ ١٥٦، وأوجز المسالك ١١/ ٣١٧ فما بعدها.
(٥) مسند الإمام زيد بن عَلِيّ: ٢٦٣، والبحر الزخار ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦.
(٦) الصَّحَابِيّ الجليل أبو برزة الأسلمي اختلف في اسمه والأصح نضلة بن عبيد، كَانَ إسلامه قديمًا، وشهد فتح مكة، توفي سنة (٦٠ هـ)، وَقِيْلَ: (٦٤ هـ). تاريخ الصَّحَابَة لابن حبان:٢٥٢، وأسد الغابة ٢/ ٩٣ و٣/ ٢٦٨ و٥/ ١٩،وسير أعلام النبلاء ٣/ ٤٠و٤٣.
(٧) هُوَ أَبُو عَبْد الله سوّار بن عَبْد الله بن قدامة التميمي العنبري قاضي البصرة. الثقات ٦/ ٤٢٢، وتهذيب الكمال ٣/ ٣٣٥ (٢٦٢٣)، والتقريب (٢٦٨٥).
[ ١٨٥ ]
الزنجي (١)، والدراوردي (٢)، ويحيى القطان، وعبد الرَّحْمَان بن مهدي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور (٣).
وإليه ذهب الشافعية (٤)، والحنابلة (٥)، والظاهرية (٦)، والإمامية (٧)، وبعض الزيدية (٨).
واستدل الجُمْهُوْر بأدلة متظافرة كثيرة مِنْهَا:
ما صَحَّ عن رَسُوْل الله - ﷺ - أنَّهُ قَالَ: «الْمُتَبَايِعَانِ كُلّ واحد مِنْهُمَا بالخيار عَلَى صاحبه، ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار» (٩).
وجه الدلالة من هَذَا الْحَدِيْث:
أن الْحَدِيْث مصرح بأن العقد بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ غَيْر لازم ما لم يحصل التفرق عن مجلس العقد، أو يختار واحد مِنْهُمَا اللزوم.
وأجاب المالكية عن هَذَا الْحَدِيْث: بأنه مخالف لعمل أهل المدينة، لذا قَالَ الإمام مالك عقب روايته لهذا الْحَدِيْث: «وَلَيْسَ لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول فِيْهِ» (١٠).
وَهُوَ خبر آحاد فَلاَ يقوى عَلَى مخالفة عملهم (١١).
ونستطيع أن نرد قَوْل المالكية هَذَا، من ثلاثة وجوه هِيَ:
_________________
(١) الإمام، فقيه مكة، أبو خالد مُسْلِم بن خالد المخزومي، الزنجي المكي، مولى بني مخزوم: فقيه صدوق كَثِيْر الأوهام، ولد سنة (١٠٠ هـ)، وَقِيْلَ قبلها، وتوفي سنة (١٨٠ هـ). الضعفاء الكبير، للعقيلي ٤/ ١٥٠، وسر أعلام النبلاء ٨/ ١٧٦ و١٧٨، والتقريب (٦٦٢٥).
(٢) هُوَ الإمام عَبْد العزيز بن مُحَمَّد بن عبيد الدراوردي أبو مُحَمَّد الجهني مولاهم المدني: صدوق كَانَ يحدث من كتب غيره فيخطئ، توفي (١٨٧ هـ). طبقات خليفة بن خياط: ٢٧٦، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٣٦٦ و٣٦٩، والتقريب (٤١١٩).
(٣) الحاوي الكبير ٦/ ٣٤، والاستذكار ٥/ ٤٨٧، والمغني ٤/ ٦.
(٤) الحاوي الكبير ٦/ ٣٤، والتهذيب ٣/ ٢٩٠، والمهذب ١/ ٢٦٤، وروضة الطالبين ٣/ ٤٣٣، والمجموع ٩/ ١٩٦، وكفاية الأخيار ١/ ٤٧٥، ونهاية المحتاج ٤/ ٣ فما بعدها، وحاشية الجمل عَلَى شرح المنهج ٣/ ١٠٢.
(٥) المغني ٤/ ٦، والمقنع: ١٠٣، والمحرر ١/ ٢٦١، والإنصاف ٤/ ٣٦٣، وكشاف القناع ٣/ ١٨٧.
(٦) المحلى ٨/ ٣٥١.
(٧) شرائع الإسلام ٢/ ٢١.
(٨) البحر الزخار ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦، وسبل السلام ٣/ ٣٤، ونيل الأوطار ٥/ ٢١٠.
(٩) سيأتي تخريجه من حَدِيْث سبعة من الصَّحَابَة.
(١٠) الموطأ (رِوَايَة الليثي) ٢/ ٢٠١ (١٩٥٩).
(١١) طرح التثريب ٦/ ١٤٨.
[ ١٨٦ ]
١ - أن اشتراط المالكية للعمل بخبر الآحاد: أن لا يَكُوْن مخالفًا لعمل أهل المدينة، شرط تفردوا بِهِ، فيكون لازمًا لَهُمْ ولا يلزم غيرهم.
٢ - عَلَى فرض التسليم - جدلًا - بكون هَذَا الَّذِي اشترطوه شرطًا للعمل بخبر الآحاد، فما اشترطوه غَيْر متحقق في هَذِهِ المسألة، فإنهم نصوا عَلَى أن إجماع أهل المدينة إذا عارضه خبر آحاد، قدم الإجماع.
ودعوى إجماع أهل المدينة هنا منقوضة، فَقَدْ سبق أن نقلنا القول بثبوت خيار المجلس عن: عمر وعثمان وابن عمر وأبي هُرَيْرَةَ وسعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب والدراوردي، وهؤلاء جميعًا من أهل المدينة، فكيف تصح دعوى إجماعهم؟
حَتَّى إن ابن أبي ذئب لما قِيْلَ لَهُ أن مالكًا لا يعمل بهذا الْحَدِيْث قَالَ: «هَذَا خبرٌ موطأٌ في المدينة» (١)، يريد أنَّهُ منتشر.
٣ - وإذا أمعنا في التنزل معهم، والتسليم بأن هَذَا الشرط الَّذِي اشترطوه صَحِيْح، وأن إجماع أهل المدينة متحقق، فإنه يخدش استدلالهم عدم كون الْحَدِيْث آحاديًا، وكيف يَكُوْن خبر آحاد وَقَدْ رَوَاهُ من الصَّحَابَة عدد غفير، وقفنا عَلَى رِوَايَة سبعة مِنْهُمْ، هم:
أ. سمرة بن جندب: وحديثه أخرجه: ابن أبي شيبة (٢)، وأحمد (٣)، وابن ماجه (٤)، والنسائي (٥)، والطحاوي (٦)، والبيهقي (٧).
ب. عَبْد الله بن عَمْرو بن العاص: وحديثه عِنْدَ: أحمد (٨)، وأبي داود (٩)، والترمذي (١٠)، والنسائي (١١)، والدارقطني (١٢)، والبيهقي (١٣)، وابن عَبْد البر (١٤).
_________________
(١) العلل ومعرفة الرجال ١/ ١٩٣.
(٢) في مصنفه (٣٦١٥٠).
(٣) في مسنده ٥/ ١٢ و١٧ و٢١ و٢٢ و٢٣.
(٤) في سننه (٢١٨٣).
(٥) في المجتبى ٧/ ٢٥١، وفي الكبرى (٦٠٧٣) و(٦٠٧٤).
(٦) في شرح المشكل (٥٢٦٦).
(٧) في سننه ٥/ ٢٧١.
(٨) في مسنده ٢/ ١٨٣.
(٩) في سننه (٣٤٥٦).
(١٠) في جامعه (١٢٤٧)
(١١) في المجتبى ٧/ ٢٥١، وفي الكبرى (٦٠٧٥).
(١٢) في سننه ٣/ ٥٠.
(١٣) في سننه ٥/ ٢٧١.
(١٤) في التمهيد ١٤/ ١٧.
[ ١٨٧ ]
ج. ابن عَبَّاسٍ: وأخرج حديثه ابن حبان (١)، والبزار (٢)، وأبو بكر (٣) الإسماعيلي (٤)، والبيهقي (٥).
د. أبو هُرَيْرَةَ: حديثه عِنْدَ الطيالسي (٦)، وابن أبي شيبة (٧)، وأحمد (٨)، والطحاوي (٩)، والطبراني (١٠)، وابن عدي (١١).
هـ. عَبْد الله بن عمر: وَهُوَ أشهر طرق هَذَا الْحَدِيْث، أخرجه: مالك (١٢)، والشافعي (١٣)، وأحمد (١٤)، والبخاري (١٥)، ومسلم (١٦)، وأبو داود (١٧)، والترمذي (١٨)، وابن ماجه (١٩)، والنسائي (٢٠)، وغيرهم (٢١).
و. حكيم بن حزام (٢٢): عِنْدَ الشَّافِعِيّ (٢٣)، والطيالسي (٢٤)، وأحمد (٢٥)،
_________________
(١) في صحيحه (٤٩١٤).
(٢) (١٢٨٣) كشف الأستار.
(٣) هُوَ الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الجرجاني الإسماعيلي الشَّافِعِيّ، من مصنفاته " الصَّحِيْح" و"المعجم"، توفي سنة (٣٧١ هـ). الأنساب ١/ ١٥٨، وسير أعلام النبلاء ١٦/ ٢٩٢ و٢٩٦، والبداية والنهاية ١١/ ٢٥٤.
(٤) في معجم شيوخه (٢٤١).
(٥) في سننه ٥/ ٢٧٠.
(٦) في مسنده (٢٥٦٨).
(٧) في مصنفه (٢٢٥٦٠) و(٣٦١٤٨).
(٨) في مسنده ٢/ ٣١١.
(٩) في شرح معاني الآثار ٤/ ١٣، وفي شرح المشكل (٥٢٦٥).
(١٠) في الأوسط (٩٠٨) وطبعة الطحان (٩١٢).
(١١) في الكامل ١/ ٥١٥ و٣/ ٤٦٣.
(١٢) في الموطأ (١٩٥٨) رِوَايَة الليثي.
(١٣) في مسنده (١٣٧٠) و(١٣٧٤) بتحقيقنا.
(١٤) في مسنده ١/ ٥٦، و٢/ ٤ و٩ و٥٢ و٥٤ و٧٣ و١١٩ و١٣٥.
(١٥) في صحيحه ٣/ ٨٣ (٢١٠٧) و(٢١٠٩) و(٢١١١) و(٢١١٢) و(٢١١٣).
(١٦) في صحيحه ٥/ ٩ (١٥٣١) (٤٣) و(٤٤) و(٤٦).
(١٧) في سننه (٣٤٥٤) و(٣٤٥٥).
(١٨) في جامعه (١٢٤٥).
(١٩) في سننه (٢١٨١).
(٢٠) في المجتبى ٧/ ٢٤٨ و٢٤٩ و٢٥٠ و٢٥١، وفي الكبرى (٦٠٥٨) و(٦٠٥٩) و(٦٠٦١ - ٦٠٧٢).
(٢١) انظر تخريجه موسعًا في تحقيقنا لمسند الشَّافِعِيّ رقم (١٣٧٠) و(١٣٧٤).
(٢٢) الصَّحَابِيّ الجليل حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد، أبو خالد القرشي الأسدي، أسلم يوم الفتح ذَكَرَ البُخَارِيّ أنَّهُ عاش ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الإسلام، توفي سنة (٥٤ هـ). طبقات خليفة: ١٣ - ١٤، والتاريخ الكبير ٣/ ١١، وسير أعلام النبلاء ٣/ ٤٤ و٤٥.
(٢٣) في مسنده (١٣٧٤) بتحقيقنا.
(٢٤) في مسنده (١٣١٦).
(٢٥) في مسنده ٣/ ٤٠٢ و٤٠٣ و٤٣٤.
[ ١٨٨ ]
والبخاري (١)، ومسلم (٢)، وأبي داود (٣)، والترمذي (٤)، والنسائي (٥)، وابن حبان (٦)، والطبراني (٧)، وغيرهم.
ز. أبو برزة الأسلمي: أخرجه الشَّافِعِيّ (٨)، والطيالسي (٩)، وابن أَبِي شيبة (١٠)، وأحمد (١١)، وأبو داود (١٢)، وابن ماجه (١٣)، وبحشل (١٤)، والبزار (١٥)، وابن الجارود (١٦)، والروياني (١٧)، والطحاوي (١٨)، والدارقطني (١٩)، والبيهقي (٢٠)، والخطيب البغدادي (٢١)، وابن عَبْد البر (٢٢).
وبهذا فإن الْحَدِيْث في أقل أحواله: مشهور (٢٣)، والمشهور تختلف أحكامه عن الآحاد من حَيْثُ تخصيص الكِتَاب والزيادة عَلَيْهِ.
_________________
(١) في صحيحه ٣/ ٧٦ (٢٠٧٩) و(٢٠٨٢) و٣/ ٨٣ (٢١٠٨) و٣/ ٨٤ (٢١١٠) و(٢١١٤).
(٢) في صحيحه ٥/ ١٠ (١٥٣٢) (٤٧).
(٣) في سننه (٣٤٥٩).
(٤) في جامعه (١٢٤٦).
(٥) في المجتبى ٧/ ٢٤٤ - ٢٤٥ و٢٤٧، وفي الكبرى (٦٠٤٩) و(٦٠٥٦).
(٦) في صحيحه (٤٩١١) وفي ط الرسالة (٤٩٠٤).
(٧) في الكبير (٣١١٥) و(٣١١٦) و(٣١١٧) و(٣١١٨) و(٣١١٩).
(٨) في مسنده (١٣٧٥) بتحقيقنا.
(٩) في مسنده (٩٢٢).
(١٠) في مصنفه (٢٢٥٥٩).
(١١) في مسنده ٤/ ٤٢٥.
(١٢) في سننه (٣٤٥٧)
(١٣) في سننه (٢١٨٢).
(١٤) الحَافِظ المحدث المؤرخ أبو الحسن، أسلم بن سهل بن مُسْلِم الواسطي الرزاز المعروف ببحشل، مصنف تاريخ واسط، توفي سنة (٢٩٢هـ). سير أعلام النبلاء ١٣/ ٥٥٣، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٦٤، ومرآة الجنان ٢/ ١٦٥.والْحَدِيْث أخرجه في تاريخ واسط: ٥٩ - ٦٠.
(١٥) في البحر الزخار (٣٨٦٠) و(٣٨٦١).
(١٦) في المنتقى (٦١٩).
(١٧) في مسند الصَّحَابَة (٧٧١) و(١٣١٩).
(١٨) في شرح المعاني ٤/ ١٣، وفي شرح المشكل (٥٢٦٣) و(٥٢٦٤).
(١٩) في سننه ٣/ ٦
(٢٠) في سننه ٥/ ٢٧٠.
(٢١) في تاريخ بغداد ١٣/ ٨٧.
(٢٢) في التمهيد ١٤/ ٢٤.
(٢٣) نَصَّ عَلَيْهِ الحَافِظ ابن حجر في فتح الباري ٤/ ٣٣٠.
[ ١٨٩ ]
أما الحنفية فَقَدْ استدلوا بعمومات نصوص الكِتَاب العزيز مِنْهَا:
١ - قوله تَعَالَى:؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا؟ (١).
وجه الدلالة: أن الله تَعَالَى أباح أكل المبيع إذا كَانَ عن رضى الطرفين، والنص مطلق عن قيد التفرق عن مكان العقد.
٢ - قوله تَعَالَى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (٢).
وجه الدلالة: أن الشارع - ﵎ - أوجب الوفاء بالعقود، وعقد البيع بَعْدَ الإيجاب والقبول وقبل مفارقة المجلس أو التخيير يسمى عقدًا أيضًا، فيكون داخلًا في عموم هَذَا النص، والقول بخلافه إبطال للنص.
وأجابوا عن الْحَدِيْث بأنه:
خبر آحاد مخالف لظاهر الكِتَاب فيجب تأويله، فيحمل التفرق الوارد في الْحَدِيْث عَلَى التفرق بالأقوال لا بالأبدان، جمعًا بَيْنَ النصوص الواردة في هَذَا (٣).
ونجيب عَنْهُ بِمَا يأتي:
أما كون الْحَدِيْث آحاديًا: فَقَدْ أبطلنا ذَلِكَ في ما مضى، وبينا أن الْحَدِيْث في أقل أحواله مشهور، وللمشهور عِنْدَ الحنفية حكم المتواتر في جواز تخصيص عمومات الكِتَاب بِهِ (٤).
وأما كون المراد التفرق بالأقوال: فَهُوَ خلاف المتبادر إِلَى الذهن من أن المراد التفرق بالأبدان، ونضيف بأن من الْمُسلّمَات - إذا سرنا عَلَى أصول الحنفية - أن راوي الْحَدِيْث أعلم بتفسيره لذا ردوا - كَمَا سبق - حَدِيْث ولوغ الكلب، وإذا حكّمنا هَذِهِ القاعدة هنا بانت الحجة عَلَيْهِمْ، فهذا الْحَدِيْث من رِوَايَة ابن عمر -﵄-، وَقَدْ أخرج البُخَارِيّ (٥) من طريق يَحْيَى بن سعيد، عن نافع قَالَ: «وَكَانَ ابن عمر إذا اشترى شيئًا يعجبه فارق صاحبه». ورواه مُسْلِم (٦) من طريق ابن جريج، عن نافع بلفظ:
_________________
(١) النساء: ٢٩.
(٢) المائدة: ١.
(٣) بدائع الصنائع ٥/ ٢٢٨، وشرح فتح القدير ٥/ ٨١.
(٤) ميزان الأصول: ٤٢٩ - ٤٣٠.
(٥) في صحيحه ٣/ ٨٣ عقب (٢١٠٧).
(٦) في صحيحه ٥/ ١٠ (١٥٣١) عقب (٤٥).
[ ١٩٠ ]
«فكان إذا بايع رجلًا فأراد أن لا يقبله، قام فمشى هنية، ثُمَّ رجع إِلَيْهِ».
كَمَا أن في بَعْض ألفاظ الْحَدِيْث من رِوَايَة ابن عمر وغيره من الصَّحَابَة - ﵃ - التصريح بِمَا يخالف تأويل الحنفية لهذا الْحَدِيْث.
لهذا ولغيره، يبدو لنا رجاحة ما ذهب إِلَيْهِ الجُمْهُوْر.