اختلف الفقهاء في جواز رد الشاة المصراة إذا اطلع الْمُشْتَرِي عَلَى هَذَا العيب بَعْدَ الشراء عَلَى قولين:
الأول: لا يجوز رد الشاة المصراة، وإليه ذهب أبو حَنِيْفَةَ ومحمد، وأبو يوسف في رِوَايَة عَنْهُ (٥).
الثاني: يجوز ردها بعيب التصرية، وبه قَالَ جمهور الفقهاء، ومنهم: الشافعية (٦)،
_________________
(١) التمهيد ١٤/ ٢١٥ - ٢١٦، وانظر شرح السنة ٨/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٢) شرح معاني الآثار ٤/ ٩٩.
(٣) مسائل من الفقه المقارن ٢/ ٤٨.
(٤) إعلام الموقعين ٢/ ٢٢ و٣٩٢.
(٥) شرح معاني الآثار ٤/ ١٩، والمبسوط ١٣/ ١٣٩، وحاشية رد المحتار ٥/ ٤٤.
(٦) الحاوي الكبير ٦/ ٢٨٦، والمهذب ١/ ٢٨٩، والتهذيب ٣/ ٤٢٠، ونهاية المحتاج ٤/ ٧٠ - ٧١.
[ ١٨١ ]
والمالكية (١)، والحنابلة (٢)، وجمهور أهل الْحَدِيْث (٣).
واختلفوا في تعيين وجوب رد الصاع، أو ما ينوب عَنْهُ (٤).
واستدل القائلون بالجواز بحديث أبي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، أن النَّبِيّ - ﷺ - قَالَ: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بَعْد فإنه بخير النظرين بَعْدَ أن يحتلبها: إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعًا من تمر» (٥).
وأجاب من قَالَ بعدم الجواز: بأن هَذَا الْحَدِيْث مخالف للقياس من وجوه:
١ - إن رد المبيع بلا عيب ولا خلاف في صفة لا تقره أصول الشريعة؛ وذلك لأن التصرية ليست من العيوب فإن البيع يقتضي سلامة المبيع، وقلة اللبن لاتعدُّ من العيوب الَّتِي تعدم السلامة؛ لأن اللبن ثمرة وبعدمه لا تنعدم صفة السلامة، فبقلته من باب أولى.
٢ - القاعدة أن الخراج بالضمان، فاللبن الحادث عِنْدَ الْمُشْتَرِي غَيْر مضمون، وَقَدْ نُصَّ عَلَى ضمانه.
٣ - إن الشيء المضمون (اللبن) مثلي، والقاعدة أن المثليات تضمن بمثلها، وَقَدْ ضمنه بغير المثل.
٤ - في الضمان إذا انتقل من المثل فإنه ينتقل إِلَى القيمة، والتمر المذكور في الْحَدِيْث لَيْسَ قيمة ولا مثْلًا.
٥ - أن المال المضمون يقدر بقدره قلة وكثرة، والقدر منصوص عَلَيْهِ هنا وَهُوَ الصاع (٦).
وأجيب عن الأول بأنه لَيْسَ في أصول الشريعة ما يدل عَلَى انحصار أسباب الرد بهذين الأمرين، بَلْ إن الخيار يثبت للمشتري بالتدليس، وذلك لأن الْمُشْتَرِي رأى الضرع مملوءًا باللبن، فظن أن ذَلِكَ عادتها، فكأن البائع قَدْ شرط لَهُ ذَلِكَ، فإذا تبين لَهُ خلاف ذَلِكَ ثبت لَهُ الرد، لفقد الشرط المعنوي الَّذِي نوهنا بهُ.
_________________
(١) المدونة ٤/ ٢٨٦، والكافي في فقه أهل المدينة ٢/ ٦٠، والمنتقى ٥/ ١٠٥، وأوجز المسالك ١١/ ٣٧٦.
(٢) المغني ٤/ ٢٣٣.
(٣) التمهيد ١٨/ ٢٠٢، والإستذكار ٥/ ٥٤٦.
(٤) التمهيد ١٨/ ٢٠٢، والمغني ٤/ ٢٣٤، وفتح الباري ٤/ ٣٦٤.
(٥) متفق عَلَيْهِ من حَدِيْث أبي هُرَيْرَةَ، رَوَاهُ البُخَارِيّ ٣/ ٩٢ (٢١٤٩) و(٢١٥٠)، ومسلم ٥/ ٤ (١٥١٥).
(٦) المبسوط ١٣/ ١٣٩، وإعلام الموقعين ٢/ ١٩، وفتح الباري ٤/ ٣٦٦.
[ ١٨٢ ]
وعن الثاني: فإن الخراج اسم للغلة، مِثْل: كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذَلِكَ. أما الولد واللبن فَلاَ يسمى خراجًا، والعامل المشترك بَيْنَهُمَا كونهما من الفوائد، وإلا فإن الكسب الحادث والغلة لَمْ يكونا موجودين حال البيع، بَلْ حدثا بَعْدَ القبض. وأما اللبن هنا فإنه كَانَ موجودًا حال العقد، فكان جزءًا من المعقود عَلَيْهِ، والصاع لَمْ يقدره الشارع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هُوَ عوض عن اللبن الَّذِي كَانَ موجودًا وقت العقد في الضرع، فكان ضمانه من تمام العدل.
وعن الثالث: فإنه لا يمكن تضمينه بالمثل البتة، فإن اللبن في الضرع محفوظ وغير عرضة للفساد، فإذا حلب صار معرضًا للحموضة والفساد.
وعن الرابع: بأنا لَوْ وكلنا تقديره إليهما أو إِلَى أحدهما لكثر النزاع، فحسم الشارع النزاع وحده بقدر لا يتعد أنَّهُ قطعٌ للخصومة.
وعن الخامس فإن اللبن الحادث بَعْدَ العقد قَدْ اختلط بالموجود وقته، ولا يعرف مقداره حَتَّى نوجب نظيره، وَقَدْ يَكُوْن أكثر أو أقل، فيفضي إِلَى الربا (١).