الفقه الإسلامي يمثل الشريعة الإسلامية الغراء وذلك لما احتواه من الأصول
_________________
(١) البقرة: ١٧٩.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٢٢٩٧٧)، وأحمد ٢/ ٢٣٠ و٣٦٥، وأبو داود (٣٥٧١)، وابن ماجه (٢٣٠٨)، والترمذي (١٣٢٥)، والنسائي في الكبرى (٥٩٢٥)، والطبراني في الأوسط (٢٦٩٩) و(٣٦٦٩)، وفي الصغير (٤٩١)، وابن عدي في الكامل ١/ ٣٦١، والدارقطني ٤/ ٢٠٤، والحاكم ٤/ ٩١، والبيهقي ١٠/ ٩٦ من حَدِيْث أبي هُرَيْرَة. قَالَ الترمذي: «حسن غريب».
(٣) ثقات ابن حبان ٦/ ٤٤٤، وانظر التعليق عَلَى الكاشف ١/ ٤٨٥.
(٤) هُوَ أبو عَبْد الرحمان مُحَمَّد بن عَبْد الرَّحْمَان بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي الْقَاضِي، ولد سُنَّة نيف وسبعين، وتوفي سنة (١٤٨ هـ): صدوق سيء الحفظ جدًا. وفيات الأعيان ٤/ ١٧٩ - ١٨١، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣١٠ و٣١٥، والتقريب (٦٠٨١).
(٥) الجرح والتعديل ٧/ ٣٢٣ الترجمة (١٧٣٩).
[ ٣٨ ]
العظيمة الَّتِيْ تصلح لكل زمان ومكان، والفقه الإسلامي واسع في أصوله وفروعه. ومن يشتغل بهذا العلم العظيم يحتاج إلى خلفيات بعدة علوم. وهذا يستدعي وقتًا واسعًا وتفرغًا كبيرًا، ومن كَانَ الفقه أكبر همه ربما قصَّر في ضبط بعض أحاديثه؛ لأن ذَلِكَ ربما شغله عَنْ مراجعة حديثه. وكثير من الَّذِيْنَ يشتغلون بعلم من العلوم ويستفرغون العمر في تخصصهم يَكُوْن ذَلِكَ مدعاة للتقصير بالعلوم الأخرى.
وَقَدْ وجدنا بعض جهابذة الْحَدِيْث تَكَلَّمَ في بعض الرُّوَاة لِقَصْرِ تهممهم (١) عَلَى الفقه، ومن أولئك حماد بن أبي سليمان (٢) من كبار الفقهاء وشيخ أبي حَنِيْفَة النعمان (٣) قَالَ عَنْهُ أبو إسحاق الشيباني (٤): «ما رأيت أحدًا أفقه من حماد» (٥). ومع هَذَا فَقَدْ نقل عَبْد الرحمان بن أبي حاتم (٦) عَنْ أمير المؤمنين في الْحَدِيْث شعبة بن الحجاج قوله: «كَانَ حماد - يعني: ابن أبي سليمان - لا يحفظ». ثُمَّ عقّب ابن أَبِي حاتم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ:
«يعني: إن الغالب عَلَيْهِ الفقه وإنه لَمْ يرزق حفظ الآثار» (٧). وَقَالَ أبو حاتم: «هُوَ صدوق ولا يحتج بحديثه، هُوَ مستقيم في الفقه، وإذا جاء الآثار شوّش» (٨).
ومن هنا وضع علماء الجرح والتعديل قواعد في أنّ الفقهاء غَيْر الْمُحَدِّثِيْنَ يغلب
_________________
(١) التهمم: الطلب، يقال: ذهبت اتهممه، أي: أطلبه، وتهمّم الشيء: طلبه، أَوْ الاهتمام والعناية، يقال: اهتم الرجل بالأمر: عني بالقيام بِهِ. انظر: لسان العرب ١٢/ ٦٢٢، والمعجم الوسيط: ٩٩٥، وحاشية محاسن الاصطلاح: ٥٧٨.
(٢) هُوَ الإمام حماد بن أبي سليمان، فقيه العراق، أبو إسماعيل بن مُسْلِم الكوفي مولى الأشعريين: صدوق لَهُ أوهام، توفي سنة (١٢٠ هـ). انظر: طبقات ابن سعد ٦/ ٣٣٢، والتاريخ الكبير ٣/ ١٨، وسير أعلام النبلاء ٥/ ٢٣١.
(٣) هُوَ الإمام فقيه الملة، عالم العراق، النعمان بن ثابت التيمي الكوفي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، قَالَ يحيى ابن معين: كَانَ أبو حَنِيْفَة ثقة في الْحَدِيْث، ولد سنة (٨٠ هـ)، وتوفي سنة (١٥٠ هـ). تاريخ بغداد ١٣/ ٣٢٣، وتهذيب الكمال ٧/ ٣٣٩ (٧٠٣٤)، وسير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠.
(٤) هُوَ سليمان بن أبي سليمان، فيروز، ويقال خاقان، أبو إسحاق، مولى بني شيبان، قَالَ أبو حاتم: هُوَ شيخ ضعيف، واختلف في سنة وفاته فقيل: (١٢٩ هـ) وَقِيْلَ: (١٣٨ هـ) وَقِيْلَ: (١٣٩ هـ). الجرح والتعديل ٤/ ١٢٢، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٥٣، وشذرات الذهب ١/ ٢٠٧.
(٥) الجرح والتعديل ٣/ ١٤٩ الترجمة (٦٤٢).
(٦) هُوَ العلامة الحافظ عَبْد الرحمان بن أبي حاتم، أبو مُحَمَّد، لَهُ مصنفات مِنْهَا: " المسند " و" العلل "، ولد سنة (٢٤٠ هـ)، وتوفي سنة (٣٢٧ هـ). تذكرة الحفاظ ٣/ ٨٢٩، وميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٧، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ٢٦٣،وشذرات الذهب ٢/ ٣٠٨.
(٧) الجرح والتعديل ٣/ ١٤٧.
(٨) الجرح والتعديل ٣/ ١٤٧ - ١٤٨.
[ ٣٩ ]
عليهم الفقه دون حفظ المتون، قَالَ ابن رجب الحنبلي: «الفقهاء المعتنون بالرأي حَتَّى يغلب عليهم الاشتغال بِهِ، لا يكادون يحفظون الْحَدِيْث كَمَا ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرًا، ويروون المتون بالمعنى، ويخالفون الحفاظ في ألفاظه» (١). وابن رجب مسبوق بهذا التنظير فَقَدْ قَالَ ابن حِبّان: «الفقهاء الغالب عليهم حفظ المتون وأحكامها وأداؤها بالمعنى دون حفظ الأسانيد وأسماء الْمُحَدِّثِيْنَ، فإذا رفع محدث خبرًا، وَكَانَ الغالب عَلَيْهِ الفقه، لَمْ أقبل رفعه إلا من كتابه؛ لأنه لا يعلم المسند من المرسل، ولا الموقوف من المنقطع، وإنما همته إحكام الْمَتْن فَقَطْ» (٢).