قَدْ يطرأ عَلَى الرَّاوِي حين تحمله (٧) الْحَدِيْث أَوْ أدائه (٨) ظروف تدخل الوهم في حديثه أو أحاديثه. وهذه الظروف ليست عامة بَلْ هِيَ خاصة تطرأ عَلَى بعض الرُّوَاة في بعض الأحيان دون بعضٍ، تبعًا لاختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ؛ إِذْ قَدْ يطرأ الخلل في كَيْفِيَّة تلقّي الأحاديث كَمَا حصل لهشيم بن بشير (٩)؛ إِذْ إنَّهُ دخل عَلَى الزهري
_________________
(١) هُوَ مُحَمَّد بن بهادر بن عَبْد الله الزركشي، أبو عَبْد الله الشَّافِعِيّ، بدر الدين: عالم بالفقه والأصول، مشارك في الْحَدِيْث والعربية، من مصنفاته " البحر المحيط " و" البرهان في علوم القرآن "، ولد سنة (٧٤٥ هـ)، وتوفي سنة (٧٩٤ هـ). الدرر الكامنة ٣/ ٣٩٧، وشذرات الذهب ٦/ ٣٣٥، والأعلام ٦/ ٦٠.
(٢) أسماه: الإجابة لما استدركته عائشة عَلَى الصَّحَابَة، طبع مرارًا بتحقيق سعيد الأفغاني.
(٣) هُوَ عَبْد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم، أبو عَبْد الرحمان المروزي، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، ولد سنة (١١٨ هـ)، وتوفي سنة (١٨١ هـ). تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٨ (٣٥٠٨)، ومرآة الجنان ١/ ٢٩٤، والتقريب (٣٥٧٠).
(٤) شرح علل الترمذي ١/ ٤٣٦.
(٥) قائله: أبو الفتح البُستي. انظر: الغيث المسجم في شرح لامية العجم، للصفدي ٢/ ٢٠٨، وانظر: نكت الزركشي ٣/ ٥٦٥، وفتح المغيث ٢/ ١٤٨،وتعليقنا عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث، لابن الصَّلاَحِ: ٢٩٤.
(٦) أعني بالظروف الطارئة ما يحصل عَنْ غَيْر اعتياد وتماثل، ولا يَكُوْن سنة خلقية تقع لعدد كبير من الناس.
(٧) التحمل: هُوَ أخذ الْحَدِيْث عَنْ الشيخ بطريق من طرق التحمل. الاقتراح: ٢٣٨.
(٨) الأداء: هُوَ تبليغ الْحَدِيْث وأدائه لِمَنْ يسمعه. أصول الْحَدِيْث: ٢٢٧.
(٩) هُوَ هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، ولد سنة (١٠٤ هـ)، وتوفي سنة (١٨٣ هـ). =
[ ١٧ ]
فأخذ عَنْهُ عشرين حديثًا، فلقيه صاحبٌ لَهُ وَهُوَ راجع، فسأله رؤيتها، وَكَانَ ثمة ريح شديدة، فذهبت بالأوراق من يد الرجل، فصار هشيم يحدّث بِمَا علق مِنْهَا بذهنه، وَلَمْ يَكُنْ أتقن حفظها، فوهم في أشياء مِنْهَا، ضعف حديثه بسببها (١) خاصة في الزهري (٢). فهذا أمر طارئ عَلَى هشيم وَهُوَ ثقةٌ من الثقات الكبار النبلاء أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة (٣) لكنه ضُعِّفَ خاصةً في الزهري لهذا الطارئ الَّذِيْ طرأ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ الحافظ ابن حجر (٤): «أما روايته عَنْ الزهري فليس في الصحيحين مِنْهَا شيءٌ» (٥).
وكذلك يختلف حال ضبط الرَّاوِي باختلاف الأحوال والأماكن والشيوخ لعدم توفر الوسائل الَّتِيْ تمكنه من ضبط ما سمعه من بعض شيوخه، أو بسبب حدوث ضياعٍ في بعضِ ما كتبه عَنْ بعض شيوخه حَتَّى وَلَوْ كَانَ من أثبت الناس في هَذَا الشيخ خاصة.
ومما يذكر في الظروف الطارئة ما حصل لمؤمل بن إسماعيل (٦) إِذْ كَانَ قَدْ دفن كتبه، ثُمَّ حدث من حفظه فدخل الوهم والاختلاف في حديثه (٧).