سبق لنا أن ذكرنا مرارًا أن الْحَدِيْث النبوي يحتاج إلى متابعة ومذاكرةٍ وتكرارٍ من أجل حفظ الروايات وصونها من الخطأ والزيادة والنقص، وأن ترك ذَلِكَ يؤول في نهاية المطاف إلى عدم ضبط الأحاديث ودخول الوهم والاختلاف فِيْهَا فِيْمَا بعد. ومن الأمور الَّتِيْ حَدَتْ ببعض الْمُحَدِّثِيْنَ للتقصير في ضبط مروياتهم انشغال بعضهم بالعبادة وصرف غالب أوقاتهم بِذَلِكَ دون متابعة ضبط رواياتهم. وَقَدْ أصل ابن رجب في ذَلِكَ قاعدة فَقَالَ: «الصالحون غَيْر العلماء يغلب عَلَى حديثهم الوهم والغلط» (٣).
والحافظ ابن رجب إنما أخذ ذَلِكَ من أقوال أئمة هَذَا الشأن العارفين بعلله الغواصين في معانيه وأسراره قَالَ نجم العلماء (٤) مالك بن أنس: «أدركت بهذا البلد - يعني الْمَدِيْنَة - مشيخة لَهُمْ فضلٌ وصلاحٌ وعبادة يحدِّثون، ما سَمِعْتُ من واحد مِنْهُمْ حديثًا قطُّ، فقيل لَهُ: وَلِمَ يا أبا عَبْد الله؟ قَالَ: لَمْ يكونوا يعرفون ما يحدِّثون» (٥). وَقَالَ أَيْضًا: «لا يؤخذ العلم من أربعة، ويؤخذ ممن سوى ذَلِكَ، لا يؤخذ من سفيه مُعلن بالسَفه وإن كَانَ أروى الناس، ولا يؤخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس، إذا جرب ذَلِكَ عَلَيْهِ، وإن كَانَ لا يُتَّهَمُ أن يكذب عَلَى رَسُوْل الله - ﷺ -، ولا من صاحب هوىً يدعو الناس إلى هواه، ولا من شيخٍ لَهُ فضلٌ وعبادة إذا كَانَ لا يعرف ما يحدّث بِهِ» (٦)
_________________
(١) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٣ - ٨٣٤.
(٢) الإحسان ١/ ٦٤.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٣.
(٤) أطلق عَلَيْهِ ذَلِكَ الإمام الشَّافِعِيّ قَالَ المزي في تهذيب الكمال ٧/ ١٣: «وَقَالَ يونس بن عَبْد الأعلى: سَمِعْتُ الشَّافِعِيّ يقول: إذا جاء الأثر فمالك النجم».
(٥) العلل للإمام أحمد رِوَايَة المروذي: ١٨٦ (٣٢٨).
(٦) المحدث الفاصل: ٤٠٣ (٤١٨).
[ ٤٠ ]
وَقَالَ ابن منده (١): «إذا رأيت في حَدِيْث (فُلاَن الزاهد) فاغسل يدك مِنْهُ» (٢).
وممن كانت حاله عَلَى ما قدمنا: أبان بن أبي عياش: فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي، قَالَ فِيْهِ الإمام المبجل أحمد بن حَنْبَل: «متروك» (٣).
قَالَ ابن رجب الحنبلي: «ذكر الترمذي من أهل العبادة المتروكين رجلين: أحدهما أبان بن أبي عياش» (٤).
وقَالَ الإمام الترمذي: «رَوَى عَنْ أبان بن أبي عياش غَيْر واحد من الأئمة (٥)، وإن كَانَ فِيْهِ من الضعف والغفلة ما وصفه أبو عوانة (٦) وغيره (٧) فلا يغتر برواية الثقات عَنْ الناس؛ لأنه يروي عَنْ ابن سيرين أنه قَالَ: إن الرجل ليحدِّثني، فما أتهمه، ولكن أتهم من فوقه.
وَقَدْ رَوَى غَيْر واحد (٨) عَنْ إبراهيم النخعي عَنْ علقمة عَنْ عَبْد الله بن مسعود: أن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يقنتُ في وتره قَبْلَ الركوع. وروى أبان بن أبي عياش، إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عَبْد الله بن مسعود: «إن النَّبِيّ - ﷺ - كَانَ يقنت في وتره قَبْلَ الركوع». هكذا رَوَى سفيان الثوري عَنْ أبان بن أبي عياش (٩)، وروى بعضهم (١٠) عَنْ أبان بن أبي عياش بهذا الإسناد نحو هَذَا، وزاد فِيْهِ: قَالَ عَبْد الله بن مسعود:
«أخبرتني أمي أنها باتت
_________________
(١) هُوَ الحافظ الجوال أبو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسحاق بن مُحَمَّد بن يحيى بن منده، واسم منده: إبراهيم بن الوليد، قَالَ الباطرقاني: حَدَّثَنَا ابن منده إمام الأئمة في الْحَدِيْث، ولد سنة (٣١١ هـ)، وَقِيْلَ سنة:
(٢) ، وتوفي سنة (٣٩٥ هـ). سير أعلام النبلاء ١٧/ ٢٨، وميزان الاعتدال ٣/ ٤٧٩، وتذكرة الحفاظ ٣/ ١٠٣١.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٨٣٣.
(٤) الكاشف ١/ ٢٠٧ (١١٠)، وانظر: التقريب (١٤٢).
(٥) شرح علل الترمذي ١/ ٣٩٠.
(٦) ساق المزي في تهذيب الكمال ١/ ٩٥ من رَوَى عَنْهُ فبلغ بِهِمْ ثلاثة وثلاثين راويًا.
(٧) هُوَ الوضاح بن عَبْد الله اليشكري، أبو عوانة، الواسطي البزار مولى يزيد بن عطاء محدّث البصرة: ثقة ثبت، صاحب " المسند "، توفي سنة (١٧٦ هـ). التاريخ الكبير ٨/ ١٨١، وسير أعلام النبلاء ٨/ ٢١٧ و٢٢١، والتقريب (٧٤٠٧). وحكايته نقلها المزي في تهذيب الكمال ١/ ٩٦ ونصها: «لما مات الحسن، اشتهيت كلامه فجمعته من أصحاب الحسن، فأتيت أبان بن أبي عياش، فقرأه عليّ عَنْ الحسن، فما أستحِلُّ أن أرويَ عَنْهُ شَيْئًا».
(٨) انظر: تهذيب الكمال ١/ ٩٥ - ٩٦.
(٩) مِنْهُمْ: حماد بن زيد عِنْدَ ابن أبي شيبة (٦٩١١).
(١٠) عِنْدَ ابن أبي شيبة في المصنف (٦٩١٣)، والدارقطني ٢/ ٣٢.
(١١) مِنْهُمْ: يزيد بن هارون عِنْدَ ابن أبي شيبة (٦٩١٢)، والدارقطني ٢/ ٣٢.
[ ٤١ ]
عِنْدَ النَّبِيّ - ﷺ - فرأت النَّبِيّ - ﷺ - قنت في وتره قَبْلَ الركوع».
وأبان بن أبي عياش وإن كَانَ قَدْ وصف بالعبادة والاجتهاد، فهذا حاله في الْحَدِيْث والقوم كانوا أصحاب حفظ، فرب رجل وإن كَانَ صالحًا لا يقيم الشهادة ولا يحفظها » (١).