قَدْ علمنا مِمَّا سبق أن ضبط الكتاب (٧) هُوَ أحد قسمي الضبط، والعمدة في هَذَا القسم عَلَى كتاب الرَّاوِي، وتطرق الخلل إلى كتابه أمر مضر بالثقة في مرويات ذَلِكَ الرَّاوِي، وَقَدْ يصل الأمر إلى أن يدع الرَّاوِي روايته جملة بسبب فقد كتابه.
إلاّ أن بعض الرُّوَاة قَدْ يعلق في أذهانهم شيء من تِلْكَ المرويات الَّتِيْ دونوها في كتبهم المفقودة، فيحدّثون بِهَا، ولما كَانَ معتمدهم أصلًا في الرِّوَايَة عَلَى كتبهم لا عَلَى حفظهم فإن وجود الخطأ والوهم في تِلْكَ الروايات وارد.
ومن رواة الأحاديث الَّذِيْنَ ذهبت كتبهم مع اعتمادهم عَلَى تِلْكَ الكتب في
_________________
(١) هُوَ عَبْد الرزاق بن همام بن نافع الصنعاني أبو بكر الحميري، مولاهم صاحب المصنف: ثقة، حافظ، عمي في آخر عمره فتغير، توفي سنة (٢١١ هـ). طبقات ابن سعد ٥/ ٥٤٨، والتاريخ الكبير ٦/ ١٣٠، والتقريب (٤٠٦٤).
(٢) التقريب (٤٠٦٤).
(٣) هُوَ أبو الحسن علي بن مسهر القرشي الكوفي، قاضي الموصل: ثقة لَهُ غرائب بَعْدَ أن أضر، مات سنة (١٨٩ هـ). طبقات ابن سعد ٦/ ٣٨٨، وتهذيب الكمال ٥/ ٣٠١ و٣٠٢ (٤٧٢٦)، والتقريب (٤٨٠٠).
(٤) هُوَ أحمد بن عَبْد الله بن صالح بن مُسْلِم، العجلي الكوفي، ولد بالكوفة سنة (١٨٢ هـ)، ونزل مدينة طرابلس المغرب، قَالَ يحيى: ثقة ابن ثقة. من تصانيفه: " مَعْرِفَة الثقات " وغيرها، توفي سنة (٢٦١ هـ). سير أعلام النبلاء ١٢/ ٥٠٥، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٦٠، والبداية والنهاية ١١/ ٢٨ ..
(٥) تهذيب التهذيب ٧/ ٣٨٤.
(٦) المصدر السابق.
(٧) هُوَ اعتماد الرَّاوِي عَلَى كتابه حال تأدية الْحَدِيْث.
[ ٢٦ ]
حفظهم: عَبْد الله بن لهيعة، أبو عَبْد الرحمان الحضرمي، الفقيه قاضي مصر، كَانَ متقنًا لكتابه، قَالَ الإمام أحمد: «ابن لهيعة أجود قِرَاءة لكتبه من ابن وهب (١») (٢).
وَقَدْ كَانَ جل اعتماده في روايته عَلَى كتبه، فلما احترقت ضُعِّف في الرِّوَايَة لكثرة ما وجد من الوهم والخطأ في روايته بَعْدَ ذهاب كتبه. قَالَ إسحاق بن عيسى الطباع (٣): «احترقت كتب ابن لهيعة سنة تسع وستين» (٤). وَقَالَ البخاري (٥) عَنْ يحيى بن بكير (٦): «احترق منْزل ابن لهيعة وكتبه في سنة سبعين ومئة» (٧).
وربما يَكُوْن لغياب الكتب نَفْسُ أثرِ فَقْدِ الكتب ويكون مدعاة للوهم والخلاف، فإذا حدّث الرَّاوِي - الَّذِيْ يعتمد في الأداء عَلَى كتابه - في حالة غياب كتبه عَنْهُ، وقع الوهم والخطأ في حديثه، وتحديثه في غَيْر بلده - أَيْضًا - مظنة (٨) لوقوع ذَلِكَ كَمَا حصل
_________________
(١) عَبْد الله بن وهب بن مُسْلِم القرشي، الفهري أبو مُحَمَّد المصري، الإمام الحَافِظ ولد سنة (١٢٥ هـ) ومات سنة (١٩٦ هـ) أو (١٩٧ هـ)، لَهُ مصنفات كثيرة مِنْهَا: " الجامع " و" المغازي ". انظر: طبقات خليفة: ٢٩٧، وتهذيب الكمال ٤/ ٣١٧، وسير أعلام النبلاء ٩/ ٢٢٣.
(٢) تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٤.
(٣) إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، أبو يعقوب المعروف بابن الطباع، ولد سنة (١٤٠ هـ)، وتوفي سنة (٢١٤ هـ) وَقِيْلَ: (٢١٥ هـ)، لَهُ " التاريخ " وغيره. انظر: تاريخ بغداد ٦/ ٣٣٢، وتهذيب الكمال ١/ ١٩٥ - ١٩٦ (٣٦٨)، وتاريخ الإسلام وفيات (٢١٥ هـ): ٦٥ - ٦٦.
(٤) تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٣.
(٥) الإِمَام حبر الإسلام إمام الْمُحَدِّثِيْنَ، أَبُو عَبْد الله مُحَمَّد بن إسماعيل بن إبراهيم البُخَارِيّ مولى الجحفيين، ولد سنة (١٩٤هـ)، صاحب"الجامع الصَّحِيْح" و"التاريخ" و"الأدب المفرد" و"الضعفاء"، توفي سنة (٢٥٦هـ) انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٤، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٩٠، وشذرات الذهب ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.
(٦) الإِمَام الحَافِظ الثقة أبو زكريا يَحْيَى بن عَبْد الله بن بكير القرشي المخزومي، مولاهم، المصري، ولد سنة (١٥٤ هـ) وَقِيْلَ بَعْدَ الثلاثين، وتوفي سُنَّةُ (٢٣١هـ). انظر: تهذيب الكمال ٨/ ٥٦ (٧٤٥٣)،وسير أعلام النبلاء ١٠/ ١٦٢ - ١٦٤، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٠.
(٧) تهذيب الكمال ٤/ ٢٥٤. ويرى بعض العلماء أن كتبه لَمْ تحترق، انظر تفصيل هَذَا في المصدر السابق.
(٨) مَظِنَّة - بكسر الظاء عَلَى وزن مَفْعِلَة - الشيء الموضع الَّذِيْ يظن كونه فِيْهِ وَهِيَ معدنه، من الظن بمعنى: العلم، قَالَ ابن الأثير: «وَكَانَ القياس فتح الظاء، وإنما كسرت لأجل الهاء». انظر: الصحاح ٦/ ٢١٦٠، والنهاية ٣/ ١٦٤، ولسان العرب ١٣/ ٢٧٣ (ظنن)، وتعليقنا عَلَى مَعْرِفَة أنواع علم الْحَدِيْث: ١٠٥.
[ ٢٧ ]
لمعمر بن راشد (١) قَالَ ابن رجب (٢): «حديثه بالبصرة فِيْهِ اضطراب كثير، وحديثه باليمن جيد» (٣)، وَقَالَ الإمام أحمد في رِوَايَة الأثرم (٤): «حَدِيْث عَبْد الرزاق عَنْ معمر أحب إليّ من حَدِيْث هؤلاء البصريين، كَانَ يتعاهد كتبه وينظر، يعني باليمن، وَكَانَ يحدّثهم بخطأٍ بالبصرة» (٥). وَقَالَ يعقوب بن شيبة (٦): «سَمَاع أهل البصرة من معمر، حين قدم عليهم فِيْهِ اضطراب؛ لأن كتبه لَمْ تَكُنْ مَعَهُ» (٧).
ومن هَؤُلاَءِ أَيْضًا: إسماعيل بن عياش (٨) قَالَ مُحَمَّد بن عثمان بن أبي شيبة (٩):
«سَمِعْتُ يَحْيَى بن مَعِيْنٍ يَقُوْل: إسماعيل بن عياش ثقة فِيْمَا رَوَى عَنْ الشاميين، وأما روايته عَنْ أهل الحجاز فإن كتابه ضاع فخلط في حفظه عَنْهُمْ» (١٠).