سبق الكلام أن الضبط من شروط صحة الْحَدِيْث الأساسية؛ ولكن بعض الرُّوَاة
-وإن كانوا ضابطين - إلا أنهم في بعض الأحايين يخف ضبطهم لبعض الأحاديث
_________________
(١) هُوَ معمر بن راشد، أبو عروة بن أبي عمرو الأزدي، مولاهم البصري: ثقة ثبت فاضل أحد الأعلام الثقات، توفي سنة (١٥٣هـ). طبقات ابن سعد ٥/ ٥٤٦، تاريخ البخاري ٧/ ٣٧٨، والتقريب (٦٨٠٩).
(٢) هُوَ عَبْد الرحمان بن أحمد بن رجب السلامي البغدادي، ثُمَّ الدمشقي، ولد سنة (٧٣٦ هـ)، من حفاظ الْحَدِيْث، من مصنفاته " فضائل الشام" و" شرح جامع الترمذي "، توفي سنة (٧٩٥ هـ). الدرر الكامنة ٢/ ٣٢١، والمنهج الأحمد ٣/ ٢٦٣، والأعلام ٣/ ٢٩٥.
(٣) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.
(٤) هُوَ الإمام أبو بكر، أحمد بن مُحَمَّد بن هانئ الإسكافي الأثرم، أحد الأعلام، ومصنف " السنن "، توفي بَعْدَ سنة (٢٧١ هـ). الجرح والتعديل ٢/ ٧٢،، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٦٢٣، والمنهج الأحمد ١/ ١٣١.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.
(٦) هُوَ يعقوب بن شيبة بن الصلت، أبو يوسف السدودسي: ثقة حافظ، صنف " المسند الكبير "، ولد في حدود سنة (١٨٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٦٢ هـ). تاريخ بغداد ١٤/ ٢٨١، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٥٧٧، والنجوم الزاهرة ٣/ ٤٧.
(٧) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٦٧.
(٨) هُوَ إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي، أبو عتبة الحمصي: صدوق في روايته عن أهل بلده مخلط في غيرهم، مات سنة (١٨١ هـ). تهذيب الكمال ١/ ٢٤٧ (٤٦٥)، والكاشف ١/ ٢٤٨ - ٢٤٩ (٤٠٠)، والتقريب (٤٧٣).
(٩) هُوَ مُحَمَّد بن عثمان بن أبي شيبة، أبو جعفر العبسي الكوفي، كَانَ كثير الْحَدِيْث واسع الرِّوَايَة، توفي سنة (٢٩٧ هـ). تاريخ بغداد ٣/ ٤٢، والأنساب ٤/ ١١٦، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٦٦١.
(١٠) تهذيب الكمال ١/ ٢٥٠، وانظر: الكواكب النيرات: ٩٨.
[ ٢٨ ]
خاصة، وَهُوَ أمرٌ اعتيادي يحصل لبني الإنسان؛ لأن الضبط كَمَا سبق أمرٌ نسبيٌّ. وهذا الباب الَّذِيْ يمكن من خلاله دخول الوهم في بَعْض أحاديث الثقات يعدُّ سببًا من أسباب اختلاف الروايات متنًا وإسنادًا مِمَّا يؤدي بالمحصلة النهائية إِلَى حصول بَعْض الاختلافات في بَعْض الأحاديث. وهذا الأمر نراه جليًا في أحاديث الثقات الَّتِيْ أخطؤوا فِيْهَا. وما يأتي في كَثِيْر من الأمثلة اللاحقة دليل لما أصّلناه في أن الضبط أمرٌ نسبيٌّ ينفك عَنْ بعض الثقات أحيانًا في بعض الأحاديث.
وَكَانَ هناك رواة، لَهُمْ كتب صحيحة متقنة وفي حفظهم شيء وهؤلاء كانوا أحيانًا إِذا حدثوا من حفظهم غلطوا وإذا حدثوا من كتابهم أصابوا، وهذا أمر أولاه العلماء عناية؛ لأن فِيْهِ مزيد ضبط في رِوَايَة هَذَا الرَّاوِي خاصة، ومن الأمثلة عَلَى ذَلِكَ شريك القاضي وَهُوَ شريك بن عَبْد الله النخعي، الكوفي، القاضي بواسط، ثُمَّ الكوفة، أبو عَبْد الله: صدوق يخطئ كثيرًا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة (١).
قَالَ فِيْهِ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار الموصلي (٢): «شريك كتبه صحاح فمن سَمِعَ مِنْهُ من كتبه فهو صَحِيْح، قَالَ: وَلَمْ يَسْمَع من شريك من كتابه إلا إسحاق الأزرق (٣») (٤). وَقَالَ فِيْهِ يعقوب بن شيبة: «كتبه صحاح» (٥). وفي رِوَايَة الْخَطِيْب البغدادي (٦) عَنْ يعقوب في شريك: «ثقة صدوق، صَحِيْح الكتاب، رديء الحفظ مضطربه» (٧).
ومن الأمور الَّتِيْ يدخل الاختلاف بسببها لعدم الضبط، هُوَ عدم الضبط في بلد معين، وَهُوَ أن يَكُوْن الرَّاوِي ضابطًا إلا أنه في سماعه لحديث أهل بلدٍ معين لا يَكُوْن
_________________
(١) التقريب (٢٧٨٧).
(٢) هُوَ مُحَمَّد بن عَبْد الله بن عمار، أبو جعفر الموصلي، محدث الموصل، ولد بَعْدَ الستين ومئة: ثقة صاحب حَدِيْث، توفي سنة اثنتين وأربعين ومئتين. سير أعلام النبلاء ١١/ ٤٦٩ - ٤٧٠.
(٣) هُوَ أبو مُحَمَّد إسحاق بن يوسف بن مرداس القرشي الواسطي المخزومي المعروف بالأزرق: ثقة، ولد سنة (١١٧ هـ)، وتوفي سنة (١٩٥ هـ). تهذيب الكمال ١/ ٢٠٣ (٣٨٩)، وسير أعلام النبلاء ٩/ ١٧١، والتقريب (٣٩٦).
(٤) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٩.
(٥) شرح علل الترمذي ٢/ ٧٥٩.
(٦) أبو بكر أحمد بن عَلِيّ بن ثابت البغدادي، (الحَافِظ الناقد)، ولد سنة (٣٩٢ هـ)، رحل إِلَى البصرة ونيسابور وأصبهان ومكة ودمشق والكوفة والري وصنف قريبًا من مئة مصنف مِنْهَا: " تاريخ بغداد " و" الجامع لأخلاق الرَّاوِي "، توفي سنة (٤٦٣ هـ). انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ٢٧٠، ومرآة الجنان ٣/ ٦٧، والبداية والنهاية ١٢/ ٩١.
(٧) تاريخ بغداد ٩/ ٢٨٤.
[ ٢٩ ]
ضابطًا لحديثهم لعدم تأهبه لِذَلِكَ؛ لأن الضبط كَمَا يَكُوْن في الأداء يَكُوْن في التحمل فإن لَمْ يتحمل جيدًا -لاختلال في السَّمَاع، أو عدم جودةٍ في تقييد الكتاب- لَمْ يؤد جيدًا، ومثل هَذَا قَدْ حصل لعدد من الرُّوَاة، فتجد أحاديثهم جيادًا في روايتهم عَنْ أهل بلد معين، وتجدها دون ذَلِكَ عِنْدَ أهل بلد آخر لخلل طرأ في السَّمَاع والتحمل.
ومن أولئك الرُّوَاة الَّذِيْنَ تضعّف روايتهم في بلد دون آخر إسماعيل بن عياش، وَهُوَ إسماعيل بن عياش بن سليم العَنْسيُّ - بالنون - أبو عتبة الحمصي: صدوق في روايته عَنْ أهل بلده مُخَلِّط في غيرهم (١). قَالَ يعقوب بن سفيان (٢): «تكلَّم قومٌ في إسماعيل، وإسماعيل ثقة عدلٌ، أعلم الناس بحديث الشام، ولا يدفعه دافع، وأكثر ما تكلموا قالوا: يُغرِبُ عَنْ ثقات المدنيين والمكيين» (٣). وَقَالَ أبو بكر بن أبي خيثمة: سُئِلَ يحيى بن معين عَنْ إسماعيل بن عياش، فَقَالَ: «ليس بِهِ بأس في أهل الشام. والعراقيون يكرهون حديثه» (٤). وَقَالَ مضر بن مُحَمَّد الأسدي (٥)، عَنْ يَحْيَى: «إذا حدَّث عَنْ الشاميين وذكر الخبر، فحديثه مستقيم، وإذا حدّث عَنْ الحجازيين والعراقيين، خلّط ما شئت» (٦). وَقَالَ أبو داود: سألت أحمدَ عَنْ إسماعيلَ بنِ عياش فَقَالَ: «ما حدّث عَنْ مشايخهم. قلت: الشاميين؟ قَالَ: نعم. فأما ما حدث عَنْ غيرهم، فعنده مناكير» (٧). وَقَالَ أبو طَالِب أحمد بن حميد (٨): سَمِعْتُ أحمد بن حَنْبَل يَقُوْل: «إسماعيل بن عيّاش ما رَوَى عَن الشاميين صَحِيْح، وما رَوَى عَنْ أهل الحجاز فليس بصحيح» (٩)
_________________
(١) التقريب (٤٧٣).
(٢) هُوَ أبو يوسف، يعقوب بن سُفْيَان بن جوان الفارسي، الفسوي، من أهل مدينة فسا، ويقال لَهُ: يعقوب بن أبي معاوية: ثقة حافظ، ولد في حدود سنة (١٩٠ هـ)، وتوفي سنة (٢٧٧ هـ). الثقات ٩/ ٢٨٧، وسير أعلام النبلاء ١٣/ ١٨٠، والتقريب (٧٨١٧).
(٣) الْمَعْرِفَة والتاريخ ٢/ ٤٢٣، ونقله المزي في تهذيب الكمال ١/ ٢٤٩.
(٤) تهذيب الكمال ١/ ٢٥٠.
(٥) هُوَ مضر بن مُحَمَّد بن خالد بن الوليد بن مضر، أبو مُحَمَّد الأسدي، القاضي ولي قضاء واسط، توفي سنة (٢٧٧ هـ). طبقات الحنابلة ١/ ٣٣٩.
(٦) تهذيب الكمال ١/ ٢٥٠.
(٧) سؤالات أبي داود للإمام أحمد: ٢٦٤ (٣٠٠)، وتهذيب الكمال ١/ ٢٥٠.
(٨) هُوَ أحمد بن حميد أبو طالب المشكاني، المتخصص بصحبة الإمام أحمد، توفي سنة (٢٤٤ هـ). تاريخ بغداد ٤/ ١٢٢، وطبقات الحنابلة ١/ ٤٠، والمنهج الأحمد ١/ ١٠٠.
(٩) الكامل، لابن عدي ١/ ٤٧٢.
[ ٣٠ ]