إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ. أما بعد:
فإن القارئ والدارس لأقوال النقاد في كتب الجرح والتعديل - الرجال - يلاحظ ظاهرة واضحة تكاد تشمل معظم الأئمة المكثرين في نقد الرجال، ألا وهي تعدد أقوالهم المختلفة في الراوي الواحد. وقد حاول العلماء والحفاظ من المحدثين وغيرهم كالأصوليين، معالجتها ودراستها فيما اصطلحوا عليه بـ (تعارض الجرح والتعديل) وذلك لصلتها الوثيقة، بل هي الأساس المعتمد عليه في الحكم على الرواة الذين يُؤَثِّر اجتهاد الناقد فيهم في الحكم على الأحاديث. واختلافهم هذا كاختلاف الفقهاء في الحكم على القضايا الفقهية وتعددها. قال الإمام الترمذي (ت٢٩٧هـ): "وقد اختلف الأئمة من أهل العلم في تضعيف الرجال كما اختلفوا في سوى ذلك من العلم" (١) .
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨هـ) نحو هذا القول
فقال: "وللعلماء بالرجال وأحوالهم في ذلك من الإجماع والاختلاف مثل ما لغيرهم من سائر أهل العلم في علومهم" (٢) .
وقد صنف العلماء أئمة النقد؛ الرواة. إلى ثلاثة أقسام:
١- الرواة المتفق على تعديلهم وصحت أحاديثهم.
_________________
(١) العلل الصغير ٥/٧٥٦ الملحق مع الجامع.
(٢) رفع الملام عن الأئمة الأعلام ص٧.
[ ١ ]
٢- والضعفاء والمتروكين الذين سقط الاستدلال بمروياتهم.
٣- والرواة المختلف فيهم، الذين تعددت أقوال النقاد في بيان أحوالهم، وترددوا في البتِّ، فيهم سواء مَنْ تشدد من الأئمة في توثيقه وتجريحه، ومن تساهل أو اعتدل منهم.
وتأتي أقوالهم في التوثيق أو التجريح تارة واضحة المعنى محددة الدلالة، وقد تتعدد وتتكرر ولكنها تدل على تعديل الراوي وتوثيقه أو توهينه بل تجريحه مثل قولهم: (لا بأس به)، (صدوق)، (صالح الحديث)، و(ثقة متقن)، (ثبت حجة)، (ثقة ثقة)، و(ليس بحجة)، (ليس بذاك)،
(يعرف وينكر)، و(متروك)، (ليس بثقة)، أو ترد الألفاظ عن الناقد نفسه، ومجموعة في لفظ واحد، التعديل والتجريح، وهذا يدل على ورعهم وخوفهم من قدحهم في راو ليس كما يبدو له، فيتردد في أمره، فيذكر التعديل والتوهين، أو لبيان حاله، والتفصيل في شأنه من خلال تلك العبارة أو اللفظة التي تبدو للناظر متناقضة. ولو ترجح عندهم التجريح بقرينة أخرى لحكموا بجرحهم، وكذلك لو ترجَّح عندهم التوثيق على ضوء قرائن التعديل لعدَّلوهم، وورود مثل هذه الألفاظ على القلة والندرة وهذه بعض النماذج:
١- قال يعقوب بن شيبة (ت٢٦٢هـ) في عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (١): "ضعيف الحديث، وهو ثقة صدوق، رجل صالح"، وقال فيه ابن معين (ت٢٣٤هـ): "ليس به بأس وهو ضعيف ".
٢- وقال يعقوب أيضًا في الربيع بن صبيح (٢): "رجل صالح، صدوق ثقة، ضعيف جدًا".
_________________
(١) ضعيف في حفظه (بخ د ت ق)، (ت١٥٦؟) .
(٢) صدوق سيئ الحفظ وكان عابدًا مجاهدًا (خت ت ق) (ت ١٦٠؟)، التقريب رقم (١٨٩٥) .
[ ٢ ]
٣- وقال يعقوب بن سفيان (ت٢٧٧هـ) في محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري (١): "ثقة عدل، في حديثه بعض المقال، لَيِّن الحديث عندهم".
٤- وقال أبو حاتم الرازي (ت ٢٧٧هـ) في محمد بن الحسن بن زبالة (٢): "واهي الحديث، ضعيف الحديث، ذاهب الحديث، منكر الحديث، عنده مناكير، وليس بمتروك الحديث".
٥- وقال أبو زرعة الرازي (ت ٢٦٤هـ) في عمر بن عطاء بن وراز (٣): "ثقة لَيِّن ".
وقد تَرِد الأقوال متعددة ومختلفة لناقد واحد في الراوي نفسه، فينصُّ على توثيقه مرة، وتجريحه مرة أخرى، وقد سوَّغ العلماء ذلك الاختلاف بأن يكون ذلك الراوي عنده ثقة ثم يظهر منه ما يسوِّغ له تجريحه، كأن يحدِّث بحديث ضعيف ثبت عند الناقد ضعف طرقه، أو يعتمد على تجريح أحد أئمة النقد السابقين له، ويعول على تجريحه، أو يطرأ عليه طارئ من اختلاط أو عمى أو غير ذلك فيختل ضبطه ويضعف حفظه، فيجرِّحه، أو عكس ذلك يكون ضعيفًا في بداية أمره، ثم يقوى ويتنبه لمروياته وانتقاده للأحاديث الصحيحة منها، ويختار الرواة الثقات. وبناء على ذلك تتغير صورته عند الناقد الذي سبق تجريحه فيوثقه، وقد تناول الأئمة والحفاظ هذه القضية
- وهي "إذا اجتمع في شخص واحد جرح وتعديل" - في كتبهم، وما صنفه
_________________
(١) صدوق سيئ الحفظ جدًا (٤) (ت١٤٨؟)، التقريب رقم (٦٠٨١) .
(٢) كذبوه (د) التقريب، رقم (٥٨١٥) .
(٣) ضعيف (د ق) من السادسة، التقريب رقم (٤٩٤٩) .
[ ٣ ]
العديد منهم في كتب "مصطلح الحديث"، واختلفت أقوالهم وتعددت شروطهم؛ وخلاصة ذلك خمسة أقوال، يحتاج لعرضها مبحث خاص (١) .
وقد يزداد الأمر تعقيدًا فتكثر الأقوال، وتزيد على القولين المتضادين، وهذه الظاهرة واضحة جلية عند يحيى بن معين الذي شمل نقده بالجرح أو التعديل سائر الرواة تقريبًا، وتعددت مجالس نقده، وتكاثر رواة مادتها في الجرح والتعديل عنه.
ولأجل معالجة هذه الظاهرة عند ابن معين، خصصت هذا البحث؛ لدراستها ومحاولة الخروج بنتائج يستفيد منها الباحث عن الحكم في الرواة المختلف فيهم.
هذا وقد جعلت البحث في مقدمة وستة مباحث، تناولت في المبحث الأوّل: المصنفات المتعلقة بالموضوع.
وفي المبحث الثاني: نماذج من أقوال بعض النقاد المختلفة في الرّاوي الواحد.
وفي المبحث الثالث: نموذج لأحد الرّواة الّذين اختلفت أقوال النقاد فيهم.
وفي المبحث الرابع: التعريف بابن معين مع دراسة أقواله المختلفة في محمد بن إسحاق نموذجًا.
وفي المبحث الخامس: مواقف بعض الحفاظ من أقوال ابن معين المختلفة.
وفي المبحث السادس: بيان الخطوات المتبعة في الجمع والتوفيق بين أقوال ابن معين المختلفة في الرّواة.
وبالله التوفيق.
_________________
(١) وانظر مقدمة ابن الصلاح ص٢٢٤، والكفاية ١/٣٣٣، الاقتراح ص٣٣٧، الخلاصة ص٨٩، شرح ألفية العراقي ص١٥١، نكت الزركشي ٣/٣٥٥، النكت الوفية (ل/١٢٠٢)، فتح المغيث ١/٣٠٦، تدريب الراوي ١/٣٠٩، توضيح الأفكار ٢/١٥٨، المغيث ١/٣٠٦.
[ ٤ ]