إذا أردت تخريج حديث من هذا الكتاب، فلا بد من معرفتك اسم الراوي الأعلى لهذا الحديث، فإن كان هذا الراوي من المكثرين، فالأفضل لك أن تعرف الراوي عنه، وإلا استغرقت وقتًا طويلًا في البحث، وبالمثال يتضح المقال.
أمثلة توضيحية لما سبق
المثال الأول:
حديث يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَني أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ الْيَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ».
إذا أردنا أن نخرج هذا الحديث ننظر إلى الراوي الأعلى للحديث من هو؟ هو أنس بن مالك ﵁، إذًا علينا أن نبحث عن مسند أنس في كتاب «التحفة»، كيف ذلك؟
إن محقق الكتاب وضع على كعب كل جزء إشارة لما يتضمنه هذا الجزء من الأسماء، وهذه الإشارة هي أنه كتب أول اسم في الجزء وآخر اسم في الجزء من أسماء الصحابة، وعلى ذلك يمكنك أن تتعرف على الجزء الذي شمل مسند
[ ٤٣ ]
أنس، من خلال النظر إلى كعوب الاجزاء، وستجد بإذن الله مسند أنس يقع في الجزء الأول، وهذه هي الخطوة الأولى.
ثم ماذا؟ ثم إنك إذا نظرت إلى مسند أنس تجده يشمل احاديث كثيرة، إذًا يجب عليك أن تتبع الخطوة الثانية، وهي البحث عن الراوي عن أنس في هذا الحديث وهو ابن شهاب الزهري، ولكنك ستجد أن الزهري روى عن أنس أيضًا أحاديث كثيرة؛ لأنه من المكثرين، وهنا ينبغي لك أن تبحث عن الراوي عن الزهري، وهو يونس بن يزيد الأيلي، وستجد أحاديث يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري عن أنس قليلة جدًّا، فهي أقل من عشرين حديثًا، وحينئذٍ تستطيع أن تصل إلى حديثك بكل سهولة، وها هو أنت قد وصلت إليه، وإليك نَقْل ما هو موجود في الكتاب:
* ١٥٥٨ (خ م) حديث: «إنّ قدر حوضي كما بين أيلة وصنعاء، فيه من الأباريق …» الحديث. (خ) في ذر الحوض (الرقاق ٥٣: ٥) عن سعيد بن عُفير (م) في فضائل النبيِّ (الفضائل ٩: ٢٦) عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عنه بهز
• توضيح ما سبق:
معنى هذا: أن البخاري أخرج الحديث في كتاب الرقاق باب الحوض، الباب رقم (٥٣)، الحديث رقم (٥)، وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل، الباب رقم (٩)، الحديث رقم (٢٦).
وبهذا تكون قد خَرَّجت الحديث من «التحفة»، ويتبقى أن ترجع إلى المصادر الأصلية التي عزاك إليها.
[ ٤٤ ]
المثال الثاني:
حديث عَبْدِ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ، أَنَّ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: سَيْفُ اللَّهِ أَخْبَرَهُ «أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ علىَ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَهِيَ خَالَتُهُ، وَخَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ، فَوَجَدَ عِنْدَهَا ضَبًّا مَحْنُوذًا، قَدِمَتْ بِهِ أُخْتُهَا حُفَيْدَةُ بنتُ الْحَارِثِ مِنْ نَجْدٍ، فَقَدَّمَتِ الضَّبَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ إِلَى الضَّبِّ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنَ النِّسْوَةِ الْحُضُورِ: أَخْبِرْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا قَدَّمْتُنَّ إِلَيْهِ. قُلْنَ: هُوَ الضَّبُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ، فَقَالَ خَالِدُ بن الْوَلِيدِ: أَتُحَرِّمُ الضَّبَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لا، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ». قَالَ خَالِدٌ: فَاجْتَرَرْتُهُ فَأَكَلْتُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ فَلَمْ يَنْهَنيِ».
إذا أردنا أن نُخرج هذا الحديث ننظر إلى الراوي الأعلى للحديث، من هو؟ هو خالد بن الوليد، إذًا علينا أن نبحث في مسند خالد في كتاب «التحفة»، كيف يكون ذلك؟ يكون ذلك بالطريقة التي أوضحناها في المثال السابق، وستجد بإذن الله تعالى مسند خالد بن الوليد يقع في الجزء الثالث، وهذه هي الخطوة الأولى.
ثم ماذا؟ ثم إنك إذا نظرت إلى مسند خالد تجده يشمل أحاديث قليلة، وذلك لأن خالدًا من المقلين، وهذا مما ييسر عليك عملية البحث، ويعينك على وجود حديثك بكل سهولة، وها هو أنت قد وصلت إليه، وإليك نقل ما هو موجود في الكتاب:
* ٣٥٠٤ (خ م د س ق) حديث: «أنَّه دخل مع النبي على ميمونة فوجد عندها ضبًّا محنوذًا » الحديث (خ) في الأطعمة (١٠) عن محمد بن
[ ٤٥ ]
مقاتل، عن ابن مبارك، عن يونس و(١٤) عن علي بن عبد الله، عن هشام بن يوسف، عن معمر، وفي الذبائح (٣٣: ٢) عن القعنبيِّ، عن مالك، ثلاثتهم عن الزهريِّ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن ابن عباس، عنه به. (م) في الذبائح (٧: ٩) عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى …
• توضيح ما سبق:
«خ م د س ق» إشارة إلى أن الحديث أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، ثم ذكر طرف الحديث الدال عليه، ثم بعد ذلك شرع في تخريج الحديث تفصيلًا، فيقول: «(خ) في الأطعمة (١٠) عن محمد بن مقاتل، عن ابن المبارك، عن يونس» أي أن البخاري أخرجه في كتاب الأطعمة باب رقم (١٠) ثم ذكر السند الذي أورده له البخاري في هذا الباب، ولم يكتف بذكر هذا الطريق عند البخاري، فأخذ يشير إلى كل المواطن التي أخرج فيها البخاري هذا الحديث، وأجدك الآن تستطيع أن تكمل باقي التوضيح.
ثم إني أَلفت النظر إلى أن زبدة هذا الكتاب تتمثل في هذا الذي رأيت من جمع أسانيد الحديث الواحد من الكتب الستة وما يجرى مجراها في موضع واحد، وبأسلوب فريد، مع الإشارة لما فيها من أوجه الخلاف إن وُجد.