قال: فأتيت واسطًا، فلقيت الشيخ، فقلت: إني كنت بالمدائن، فدلني عليك الشيخ، وإني أريد أن آتي البصرة. قال إن هذا الذي سمعت منه هو بالكَلاء (١) !
فأتيت البصرة، فلقيت الشيخ بالكلاء، فقلت له: حدِّثني؛ فإني أريد أن آتي عَبَّادان. فقال إن الشيخ الذي سمعناه منه هو بعَبَّادان! فأتيت عَبَّادان، فلقيت الشخ، فقلت له: اتق الله؛ ما حال هذا الحديث؟ ! ! أتيت المدائن، فقصصت عليه، ثم واسطًا، ثم البصرة، فدُلِلْت عليك، وما ظننت إلا أن هؤلاء كلَّهم قد ماتوا! فأخبرني بقصة هذا الحديث؟ !
فقال: إنا اجتمعنا هنا، فرأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، وزهدوا فيه، وأخذوا في هذه الأحاديث، فقعدنا، فوضعنا لهم هذه الفضائل حتى يرغبوا فيه! !
يقول المعلمي ﵀ معلقًا على هذه القصة (٢):
"لعل هذا الرجل قطع نحو ثلاثة أشهر مسافرًا لتحقيق رواية هذا الحديث الواحد".
****
بل؛ قد يكون الواحد منهم قد اعتبر الرواية بالفعل، وعرف ما وقع فيها من الخطأ، وتحقق من كونها غير محفوظة، فيريد أن يتبين: مَن
_________________
(١) "الكلاء": اسم محِّلة مشهورة وسوق بالبصرة.
(٢) في "علم الرجال وأهميته" (ص ٢٣) بتعليقي.
[ ١٤ ]
ْ الراوي المخطئ فيها: هل هو فلان، أم فلان؟ فيقطع من أجل تحقيق ذلك مفاوز، ويطوف بلدانًا، ويدخل أمصارًا، ليسمع الحديث من غير وجه، ليقابل الأوجه بعضها ببعض، ويَزِنها بميزان الاعتبار،
حتى يتحقق من أن المخطئ في الرواية فلان، وليس غيره.
يقول محمد بن إبراهيم بن أبي شيخٍ المَلْطي (١):
جاء يحيى بن معين إلى عفان بن مسلم؛ ليسمع منه كتب حماد بن سلمة.
فقال له: ما سمعتَها من أحد؟
قال: نعم؛ حدثني سبعة عشر نفسًا عن حماد بن سلمة.
فقال: والله؛ لا حدثتك !
فقال: إنما هو درهم، والحدر إلى البصرة، وأسمع من التبوذَكِّي.
فقال: شأنك!
فانحدر إلى البصرة، وجاء إلى موسى بن إسماعيل.
فقال له موسى: لم تسمع هذه الكتب عن أحد؟
قال: سمعتُها على الوجه من سبعة عشر نفسًا، وأنت الثامن عشر.
فقال: وماذا تصنع بهذا؟ !
فقال: إن حماد بن سلمة كان يخطئ، فأردت أن أميز خطئه من خطأ
_________________
(١) "المجروحين" لابن حبان (١/٣٢) .
[ ١٥ ]