أن ثمة فرقًا بين: "الخطأ المحتمل"، و"الخطأ الراجح".
فالحديث؛ الذي يُحتمل أن يكون خطأً، ويُحتمل أن يكون صوابًا، هو الذي يصلح في باب الاعتبار، أما الذي ترجَّح فيه الخطأ، وكان جانبه أقوى من جانب الإصابة؛ فهو الذي لا يصلح في هذا الباب؛ فلا يُعتبر به، ولا يعرج إليه.
فأما "الخطأ المحتمل"؛ فهو أن يوجد في الرواية ما يكون مظنَّة للخطأ، أو سببًا لوقوع الخطأ، أو ما يُخشى وقوع الخطأ من قبله، ولمَّا يُتحقق منه، ولا عُرف بعد.
فمثلًا؛ إرسال الحديث، أو سوء حفظ أحد رواته، أو وقوع
[ ٤٣ ]
الخلاف - ولمَّا يظهر بعد رجحان وجه من الوجوه ـ؛ كل هذه الأسباب يُخشى وقوع الخلل في الرواية من قِبَلِها، ولكن الخلل ليس ملازمًا لها؛ فقد يكون مخرج المرسل صحيحًا، وقد يكون سيء الحفظ لم يؤثر عليه سوء حفظه في هذا الحديث خاصة، وقد يكون هذا الخلاف الواقع في الرواية من الخلاف الذي لا يقدح، أو يكون الراجح منه ما ينفع الحديث ولا يضره؛ وذلك كله حيث لا يكون في الحديث علة أخرى (١) .
فإذا كان حال الحديث هكذا، يُحتمل أن يكون صوابًا، ويُحتمل أن يكون خطأً، من غير رجحان لجانب من الجانبين، كان - حينئذٍ - صالحًا للاعتبار.
والهدف من اعتبار مثل هذا؛ ترجيح أحد الجانبين، فإذا وُجد متابع يدفع عن الراوي ريبة التفرد، أو شاهد يؤكد حفظه للمتن أو لمعناه، رجح جانب إصابته فيما توبع عليه، أو فيما وُجد له شاهد، من الرواية؛ كلها، أو بعضها.
وإذا وُجد مخالف له، ممن تؤثِّر مخالفته، أو شاهد كذلك بخلاف ما روى، ترجح جانب خطئه في روايته، وقوي جانب الرد لها، فتُلحق - حينئذٍ - بالمناكير والشواذ.
وإذا لم يوجد؛ لا هذه، ولا تلك: ما يشهد له، ولا ما يخالفه، كان الحديث فردًا، ورجح جانب الخطأ فيه، فيكون منكرًا؛ لتفرد من لا
_________________
(١) راجع: "الموقظة" للذهبي (ص٣٩) و"النكت على ابن الصلاح" لابن حجر (٢/٥٦٩) و"حجاب المرأة المسلمة" للشيخ الألباني (ص١٩ـ٢٠) و"جلبابها" له أيضًا (ص٤٤) .
[ ٤٤ ]
يحتمل تفرده به (١) .
لاسيَّما؛ إذا انضاف إلى ذلك بعض القرائن التي تؤكد عدم حفظ الراوي لما تفرد به؛ كأن يكون المتفرد مُقلاَّ من الحديث، لا يُعرف بكثرة الطلب، ولا بالرحلة، أو يكون إنما تفرد بالحديث عن بعض الحفاظ المكثرين، المعروفين بكثرة الحديث والأصحاب، فإن من عُرف بسوء الحفظ، إذا تفرد وانضاف إلى تفرده مثل
هذه القرائن، لا يتردد فاهم في نكارة ما تفرد به (٢) .
وأما "الخطأ الراجح"؛ فالرجحان يكون بأحد أمرين:
الأول: متعلق بالراوي.
وذلك؛ بأن يكون الراوي المتفرد بالرواية ضعفه شديد؛ لكذب، أو تهمة، أو شدة غفلة.
فمثل هذه الرواية، لا تصلح للاعتبار؛ لرجحان جانب الخطأ فيها، من حيث أن مثل هؤلاء الرواة إنما يتفردون في الأعم الأغلب بالكذب
_________________
(١) وقد سبق صنيع شعبة في حديث الشفعة الذي تفرد به عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي؛ لما لم يجد ما يقويه به، أنكره، وكذلك ما سبق معه من صنيع يحيى القطان وأحمد بن حنبل، يفيد هذا المعنى. وقد ذكر الحافظ ابن الصلاح هذا المعنى في "مقدمته" (ص٤٦-٤٧) في مبحث"الحسن"، عندما قسم الحسن إلى قسمين، فذكر ما يدل على أن المستور الذي لا يكون متهمًا بكذب أو فسق أو غفلة شديدة، إذا لم يوجد له متابع، أو لحديثه شاهد، تكون روايته شاذة أو منكرة. وكذلك؛ صرح بمثل ذلك في مبحثي "الشاذ" و"المنكر" (ص١٠٤-١٠٧) .
(٢) راجع: كتابي "لغة المحدث" (ص٨٨-١٠٠)، وسيمر بك - إن شاء الله - هذا المعنى في كلام كثير من أهل العلم في أثناء هذا الكتاب.
[ ٤٥ ]
الموضوع، أو الباطل المنكر.
والقليل جدًا؛ الذي أصابوا فيه، إنما يُعرف من رواية غيرهم من أهل الثقة والصدق، فلم تعد روايتهم ذات فائدة؛ إذا وُجد ما يغني عنها ممن يوثق بدينه وحفظه.
يقول الإمام مسلم - عليه رحمة الله - (١) عن روايات هذا النوع من الرواة:
"لعلها - أو أكثرها - أكاذيب، لا أصل لها؛ مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات وأهل القناعة أكثر من أن يضطر إلى نقل من ليس بثقة، ولا مقنع".
هذا؛ والقدر القليل الذي يوجد له أصل عند ثقات المحدثين، مما يرويه هؤلاء الكذابون أو المتهمون أو ما شابههم؛ لا يُؤمن أن يكونوا إنما سرقوه من الثقات، وليس مما سمعوه؛ لأن من يُعرف بالكذب، أو يُتهم به، لا يستبعد عليه أن يُجهز أو يسطو على حديث
غيره، فيسرقه؛ فكانت رواية هؤلاء وجودها كالعدم؛ لأنها إما مختلفة، وإما مسروقة.
الثاني: متعلق بالرواية نفسها.
وذلك؛ بأن يكون راوي الرواية، ممن لم يبلغ في الضعف تلك المنزلة، وإنما نشأ ضعفه من سوء حفظه، أو اختلاطه، أو نحو ذلك مما لا يقدح في دين أو عدالة، بل قد يكون ثقة صدوقًا، من جملة ما يحتج بحديثه في الأصل؛ إلا إنه "ترجَّح" أنه أخطأ في هذا الحديث بعينه، في
_________________
(١) " مقدمة الصحيح" (١/٢٢) .
[ ٤٦ ]
إسناده أو متنه، عن غير قصد أو تعمد، فتكون روايته هذه التي أخطأ فيها من قَبيل "المنكر" أو "الشاذ".
والخطأ؛ كنحو: زيادة أو نقصان، أو تقديم أو تأخير، أو إبدال راوٍ براوٍ، أو كلمة بكلمة، أو إسنادٍ في إسناد، أو تصحيف أو تحريف، أو رواية بالمعنى أفسدت معنى الحديث وغيرت نظامه.
فإذا ترجح وقوع شيء من هذا في الرواية، كانت الرواية - حينئذٍ - خطأ، منكرة أو شاذة، لا اعتبار لها، وإنما الاعتبار بأصلها الذي خلا من هذه الآفات؛ إن كان لها أصل.
فإن كان أصل الرواية خطأ، فلا تصلح الرواية - حينئذٍ - للاعتبار بها، بأي جزء منها، وبأي قطعة منها.
وإن كانت الرواية من أصلها محفوظة، أو لها من المتابعات والشواهد ما يؤكد كونها محفوظة، إلا جزء منها في الإسناد أو في المتن، ثبت خطؤه، ونكارته، لم يُعتبر بهذا الجزء منها خاصة، وإن اعتُبر بأصل الرواية.
فمثلًا؛ إذا اختُلف في وصل رواية وإرسالها، وترجح لدينا أن من وصلها أخطأ، وأن الصواب أنها مرسلة، فالرواية الموصولة غير صالحة للاعتبار بها؟ لأنها خطأ متحقق، فوجودها وعدمها سواء، وإنما يُعتبر بالرواية المرسلة فحسب.
وإذا اختُلف في ذكر زيادة معينة في متن حديث، أثبتها بعض الرواة،
[ ٤٧ ]
ولم يثبتها البعض الآخر، وترجح لدينا أن من أثبتها أخطأ في ذلك، وأن الصواب عدم إثباتها في هذا المتن.
فإن وجدت هذه الزيادة في متن آخر، لم يكن ورودها في المتن الأول شاهدًا لها في المتن الثاني، لأنه قد تُحقق من أن إدخالها في المتن الأول خطأ من قِبَل بعض الرواة، وأنها مقحمة في هذا المتن، وليست منه، بل قد يكون من زادها في المتن الأول إنما أخذها من المتن الثاني، ثم أقحمها بالأول، من غير تحقيق (١) .
وهذان الأمران؛ اللذان يترجح بوجودهما في الرواية كونها خطأ، وأنها لا تصلح للاعتبار، هما ما أشار إليه الإمام الترمذي - عليه رحمة الله تعالى - عند تعريفه للحديث "الحسن" وبيان شرائطه؛ فإنه ذكر: أن كل ما "يُروى من غير وجه" لا يكون "حسنًا" حتى يجتمع فيه شرطان.
الأول: "لا يكون في إسناده من يُتَّهم بالكذب".
فهذا؛ ما يتعلق بحال الراوي.
الثاني: "لا يكون الحديث شاذًا".
_________________
(١) انظر: "فصل: الشواهد.. وحديث في حديث". وانظر أيضًا: "السلسلة الصحيحة" للشيخ الألباني (١/١٦٠) (٣/٢٨٦٩) (٥/٢٥) (٦/١٠٧) و"الإرواء" (٤/٣٣) (٧/١٢٠) . وفي "مجموع الفتاوى" (٣٠/٣٧٢-٣٧٣) ذكر شيخ الإسلام ﵀ حديثًا في "المسند" عن بشير بن الخصاصية، وذكر فيه زيادة، ليست هي فيه في "المسند"،ولا غيره، وإنما هي في حديث آخر في بابه. وإنما يقع ذلك، بسبب الاعتماد على الحفظ، وقد كان شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى - آية في حفظه، وعجبًا من العجب.
[ ٤٨ ]
وهذا؛ ما يتعلق بحال الرواية نفسها.
وكل من تعرض لشرائط اعتضاد الروايات، إنما يدور كلامه في هذا الفلك، وأنه لا بد من تحقق هذين الشرطين فيها جميعًا، فإذا لم يتحقق أحدهما في الرواية، سقطت عن حد الاعتبار، وإن تحقق الآخر (١) .
فهذا هو الأساس الأول في هذا الباب، وهو ما حرره الحافظ ابن حجر ـعليه رحمة الله ـ، ولخَّصه في قوله (٢):
"لم يذكر - يعني ابن الصلاح - للجابر ضابطًا، يُعلم منه ما يصلح أن يكون جابرًا، أو لا.
والتحرير فيه: أن يقال: إنه يرجع إلى الاحتمال في طرفي القبول والرد:
فحيث يستوي الاحتمال فيهما؛ فهو الذي يصلح لأن ينجبر.
وحيث يقوى جانب الرد؛ فهو الذي لا ينجبر.
وأما إذا رجح جانب القبول؛ فليس من هذا؛ بل ذاك في الحسن الذاتي. والله أعلم ".
وهذا التفصيل؛ هو الذي أراده الإمام أحمد - عليه رحمة الله ـ، من قول الجامع، والذي هو بمنزلة قاعدة عريضة، ومَثَل سائر؛ حيث يقول (٣):
"الحديث عن الضعفاء؛ قد يُحتاج إليه في وقت،
_________________
(١) ستأتي - إن شاء الله - أكثر هذه الأقوال في "فصل: المنكر.. أبدًا منكر".
(٢) "النكت" (١/٤٠٩)، وسيأتي أيضًا في "فصل: المنكر.. أبدًا منكر".
(٣) "العلل" للمروذي (ص٢٨٧)، و"مسائل أحمد " لابن هانيء (١٩٢٥) (١٩٢٦)، وسيأتي أيضًا في الفصل المشار إليه.
[ ٤٩ ]
والمنكَر أبدًا منكر".
ففَّرق الإمام؛ بين أن يوجد في الرواية ما يكون مظنة لوقوع الخطأ فيها، وهو أن تكون من رواية مَن هو ضعيف الحفظ، وذكر أن هذا النوع "قد يُحتاج إليه في وقت"؛ أي: في باب الاعتبار.
وبين أن تكون الرواية في نفسها منكرة، وذلك حيث يترجح وقوع الخطأ فيها، فمثل هذه لا تنفع في الاعتبار، بل هي منكرة أبدًا، وجودها كعدمها؛ ولو كانت من رواية من يصلح حديثه للاحتجاج أو للاعتبار في الأصل.