أن الخطأ هو الخطأ، مهما كان موضعه، لا فرق بين خطأ في الإسناد وخطأ في المتن، فإذا تُحُقق من وقوع خطأ في الرواية، في إسنادها أو متنها لا يعرج إلى هذا الخطأ، ولا يُعتبر به، بل هو منكر، له ما للمنكر، وعليه ما على المنكر.
فإذا كان ما ثبت خطؤه من المتن أو بعض المتن غير صالح للاعتبار؛ فكذلك ما ثبت خطؤه من الإسناد أو بعض الإسناد غير صالح للاعتبار.
فالخطأ والنكارة؛ كما يعتريان المتون، فكذلك يعتريان الأسانيد، لا فرق بينهما في ذلك، بل وقوعهما في الأسانيد أكثر، كما سيأتي، إن شاء الله تعالى.
لأن الأسانيد، هي مادة الاعتبار، فالمعتَبِر إنما يعتبر الأسانيد المتعددة لهذا المتن، ويجمعها من بطون الكتب، ثم يضم بعضها إلى
[ ٥٠ ]
بعض، فيحكم بثبوت المتن، بناءً على أن هذا المتن قد جاء بعدة أسانيد،مختلفة المخارج، وإنْ كان في بعضها ضعف من قِبَل الإرسال أو سوء حفظ بعض الرواة، إلا أن الاجتماع يجبر ذلك الضعف.
فصارت هذه الأسانيد - مجتمعة - هي الحجة التي يقوم عليها ثبوت هذا المتن عن رسول الله - ﷺ -.
وأن هذه الأسانيد لو لم توجد، لما كان هناك من حجة لإثبات هذا المتن عن رسول الله - ﷺ -.
فإذا تحققنا من أن كل أسانيد هذا المتن وجودها كعدمها؛ لأن كل إسناد من هذه الأسانيد، غنما هو خطأ في ذاته، ومنكر على حدته، وأن وجوده كعدمه؛ سقطت - حينئذٍ - الحجة التي يقوم عليها ثبوت هذا المتن عن رسول الله - ﷺ -.
لأننا إذا ذهبنا نقوِّي ثبوت هذا المتن بانضمام هذه الأسانيد، التي ثبت لدينا أن كل إسناد منها منكر وخطأ، فقد ذهبنا إلى تقوية المنكر بالمنكر، والخطأ بالخطأ، وانضمام المنكر إلى المنكر لا يدفع النكارة عنه، بل يؤكدها ويثبتها، وما بُني على منكر فهو منكر، وما بُني على باطل فهو باطل.
نعم؛ إن كان بعض هذه الأسانيد، من قسم "الخطأ المحتمل"، كان هذا هو الذي يصلح للاعتبار، وينتفع المتن به عند انضمامه إلى ما هو مثله.
أما إذا كانت كل الأسانيد هذا المتن من قسم "الخطأ الراجح"، لم
[ ٥١ ]
ينتفع المتن بها، ولا بانضمامها؛ لأن المنكر أبدًا منكر.
وأيضًا؛ ما كان من هذه الأسانيد من القسم الأول، فهو لا ينتفع بأسانيد القسم الثاني، بل إذا وُجد من أسانيد القسم الأول ما يكفي لجَبْرِ المتن وتَقْويته؛ فبها، أما إذا لم تكن بحيث تكفي لذلك، فلا تنفعها أسانيد القسم الثاني بحال؛ لأن " ما ثبت خطؤه لا يُعقل أن يقوى به رواية أخرى في معناها " (١)
ولو كانت الرواية المقواة صالحة للتقوية، وذلك؛ " أن الشاذ والمنكر مما لا يُعتد به، ولا يُستشهد به، بل إن وجوده وعدمه سواء" (١) .
بل؛ لو كان هذا المتن صحيحًا مفروغًا من صحته، لمجيئه من وجه صحيح لذاته، أو أكثر، فإنه لا ينتفع أيضًا بما يجيء له من أسانيد القسم الثاني، بل هو صحيح بإسناده الصحيح، أو بأسانيد الخطأ والمنكرة التي جاءت له.
ولهذا؛ لم يصحح الأئمة حديث: " الأعمال بالنيات " إلا من طريق واحدة، وحكموا على سائر طرقه بالخطأ والنكارة، ولم يُقووا الحديث بها، مع أن بعض هذه الأسانيد أخطأ فيها من هو صدوق في الحفظ، وليس ضعيفًا، فضلًا عن أن يكون متوغلًا في الضعف (٢)؛
وما ذلك إلا لأنه " ترجَّح " لديهم أن هؤلاء الموصوفين بالصدق قد أخطئوا في هذه
_________________
(١) هذا؛ تضمين من كلام للشيخ الألباني - حفظه الله تعالى ـ، وسيأتي بنصه في "فصل: المنكر.. أبدًا منكر"، وهو من درر كلامه، فلله دره.
(٢) راجع: المثال الأول في "فصل: المتابعة.. والقلب"، وكذلك المثال الأول أيضًا في "فصل: الشواهد.. وإسناد في إسناد"..
[ ٥٢ ]