الأسانيد، ولم يحفظوها كما ينبغي؛ فكانت أسانيدهم " شاذة ".
ولهذا؛ وجدنا الحافظ ابن حجر، بعد أن ذكر أن هذا الحديث مما تفرد به يحيى بن سعيد، ولك من فوقه، قال (١): " قد وردت لهم متابعات، لا يُعتَبر بها؛ لضعفها ".
وهكذا؛ الشأن في كثير من الأحاديث، مثل حديث " المغفرة " (٢)، وحديث: "نهى عن بيع الولاء وعن هبته " وحديث " المؤمن يأكل في معيٍ واحد "، وحديث " نهى عن الدُّباء والمُزفَّت "، وغير ذلك مما لا يخفى عن مشتغل بهذا العلم الشريف، عالم بأقوال أهل العلم فيه.
وهذا الأحاديث وغيرها؛ صحيحة ثابتة من وجه أو أكثر، وسيأتي في الكتاب - إن شاء الله تعالى - بيان وجه نكارة الأسانيد التي جاءت لها، وليست هي أسانيدها المحفوظة، بل هي من أخطاء بعض الثقات أو الضعفاء، وموقف أهل العلم منها، المتمثل في عدم الاعتداد بها، ولا الاعتبار بها.
***
ومما يؤسف له؛ أن كثيرًا من المشتغلين بتخريج الأحاديث، لا يعرفون النكارة إلا في المتن، بينما نكارة الإسناد يغفلون عنها غالبًا؛ فإذا بالمتن المنكر ساقط عن حد الاعتبار، وهذا صحيح لا غبار عليه؛ ولكن كذلك الإسناد المنكر
ساقط عن حد الاعتبار، لا يُشتغل به، ولا يُلتفت إليه.
_________________
(١) "نزهة النظر" (ص ٦٨) .
(٢) انظر: "النكت" لابن حجر (٢/٦٥٤ - ٦٧٠) .
[ ٥٣ ]
ومعرفة نكارة الإسناد؛ مما يختص به المحدثون، الحفاظ الناقدون، فلا يعرج على قول غيرهم؛ بخلاف نكارة المتن، فقد يتكلم فيه المحدثون وغيرهم من الفقهاء، أما هذا الباب؛ فهو من أخص علوم الحديث، وأدق مباحث الأسانيد.
فإن أئمة الحديث ونقاده، حيث يحكمون على الإسناد بالصحة والاستقامة، وعدم النكارة والسقامة؛ لا يكتفون بالظاهر من اتصاله وثقة رواته؛ بل لهم نظر ثاقب، وفهم راجح، ورأي صادق، مبني على اعتبار معان في الإسناد، حيث وُجدت فيه، أو
وجد بعضها؛ دعاهم ذلك إلى إنكاره، والحكم عليه بعدم الاستقامة؛ وإن كانت متصلًا برجال ثقات.
وحيث افتُقدت، أو وُجد فيه من المعاني ما يدل على عكس ما تدل عليه المعاني السابقة، من حفظ الحديث وصحته؛ دعاهم ذلك إلى تصحيحه، والحكم عليه بالاستقامة وحفظ الرأي له.
وهذه المعاني؛ هي التي يعبر عنها بعض أهل العلم، كالحافظ ابن حجر، والعلائي، وابن رجب، وغيرهم: بـ "القرائن".
ويقولون (١): للحفاظ طريق معروفة في الرجوع إلى القرائن في مثل هذا، وإنما يُعول في ذلك على النقاد المطلعين منهم.
ويقولون: والقرائن كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الروايات، بل كل رواية يقوم بها ترجيح خاص، لا يخفى على العالم المتخصص، الممارس الفَطِن، الذي أكثر من النظر في العلل والرجال.
_________________
(١) انظر: "شرح علل الترمذي" لابن رجب (٢/٥٨٢)، و"النكت على كتاب العلل" لابن حجر (٢/٧٧٨ـ٨٧٦) .
[ ٥٤ ]
وفي معرض ذلك يقول الحافظ ابن حجر (١): "وبهذا التقرير؛ يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم؛ بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك، والتسليم لهم فيه ".
ويقول الحافظ السخاوي (٢):
" وهو أمر يهجم على قلوبهم، لا يمكنهم رده، وهيئة نفسانية لا معدل لهم عنها؛ ولهذا ترى الجامع بين الفقه والحديث؛ كابن خزيمة، والإسماعيلي، والبيهقي، وابن عبد البر، لا ينكر عليهم، بل يشاركهم ويحذو حذوهم؛ وربما يُطالبهم الفقيه أو الأصولي - العاري عن الحديث - بالأدلة ".
هذا؛ مع اتفاق الفقهاء على الرجوع إليهم في التعديل والتجريح، كما اتفقوا في الرجوع في كل فن إلى أهله؛ ومن تعاطى تحرير فن غير فنه فهو مُتَعَنِّي.
فلله تعالى؛ بلطيف عنايته أقام لعلم الحديث رجالًا نقادًا، تفرغوا له، وأفنوا أعمارهم في تحصيله، والبحث عن غوامضه، وعلله، ورجاله، ومعرفة مراتبهم في القوة واللين.
فتقليدهم، والمشي وراءهم، وإمعان النظر في تواليفهم، وكثرة مجالسة حفاظ الوقت؛ مع الفهم، وجودة التصور، ومدوامة الاشتغال،
_________________
(١) "النكت" (٢/٧٢٦) .
(٢) "فتح المغيث" (١/٢٧٤) .
[ ٥٥ ]
وملازمة التقوى والتواضع، يوجب لك - إن شاء الله - معرفة السنن النبوية، ولا قوة إلا بالله " اهـ.
هذا؛ ولسنا في حاجة هاهنا إلى التوسع في بيان هذه القرائن؛ فقد حوى كتابي هذا بين دفتيه الكثير منها، وإن كانت النية منعقدة على التفرغ لبيانها وشرحها والتمثيل لها في كتاب مستقل، أسأل الله تعالى أن يعينني عليه، وقد كنت بينت طرفًا منها في كتابي "لغة المحدث" (١)، فليرجع إليه من شاء.
***
فعلى الباحث أن يعامل الإسناد معاملة المتن، وأن كل معنى لا يُقبل في المتن لا ينبغي أن ألا يُقبل مثله في الإسناد، فالإسناد مثل المتن هو من جملة ما رواه الراوي، فالراوي لا يروي متنًا فحسب، بل يروي إسنادًا ومتنًا؛ فهو يخبر بأن شيخه حدثه بهذا الحديث، وأن شيخ شيخه حدث شيخه به، وهكذا إلى آخر الإسناد، وأن هذا المتن هو الذي تحمله بهذا الإسناد.
ولا يوصف الراوي بأنه أصاب إلا إذا حدَّث بالحديث على وجهه إسنادًا ومتنًا، أما إذا أخطأ في الإسناد أو في المتن، أو في بعض الإسناد أو في بعض المتن، فلا يستحق هذا الوصف، اللهم فيما أصاب فيه من بعض الرواية مما لم يُخطىء فيه منها.
فإن كان خطؤه في المتن، بأن زاد فيه أو نقص، أو قدَّم فيه أو أخَّر،
_________________
(١) ص ٩٠ - ١٠٨) .
[ ٥٦ ]
أو أبدل فيه كلمة بكلمة، أو جملة بجملة، أو صحف فيه أو حرف، أو أدرج فيه ما ليس منه، أو رواه بالمعنى فقلب معناه =حَكمنا - حينئذٍ - بأن هذا المتن خطأ، أو وقع فيه بعض الخطأ، وإن لم يخطئ الراوي في
الإسناد، بل أتى به على الجادة والاستقامة.
وكذلك؛ إن كان خطؤه في الإسناد، كأن يكون زاد فيه أو نقص، أو قدم فيه أو أخر، أبو أبدل فيه راويًا براوِ، أو دخل عليه إسناد في إسناد، أو صحف فيه أو حرف، أو أدرج فيه ما ليس منه حكمنا - حينئذِ - بأن هذا الإسناد خطأ، أو وقع فيه بعض الخطأ، وإن أتى بالمتن على الاستقامة.
وإذا كان "المتن" الذي تفرد بروايته بإسناد ما رجل ضعيف، لا يُبل من مثله حتى يجيء له متابع عليه أو شاهد بمعناه، يُثْبِت للفظه أو لمعناه أصلًا لأن الضعيف لا يقبل ما يتفرد به.
فكذلك؛ "الإسناد" الذي يتفرد بروايته رجل ضعيف، لا يقبل من مثله حتى يجيء له ما يثبت له أصلًا من رواية غيره.
فإن الخطأ في الإسناد، ليس بدون الخطأ في المتن، فمن يُخطيء، يُخطيء في الإسناد والمتن جميعًا، بل إن الخطأ في الأسانيد أكثر وقوعًا منه في المتون؛ لأن الأسانيد متشعبة ومتداخلة ومتشابهة، بخلاف المتون، ولذا؛ تجد كثيرًا من الرواة يحسنون حفظ المتون دون الأسانيد، ويكون خطؤهم في الأسانيد أكثر منه في المتون.
فدونك؛ إمام في هذه الصنعة: شعبة بن الحجاج، قال فيه إمام عصره
[ ٥٧ ]
أبو الحسن الدارقطني (١): "كان شعبة يخطئ في أسماء الرجال كثيرًا، لتشاغله بحفظ المتون"؛ فإذا كان هذا شأن شعبة بن الحجاج، وهو من هو، فما ظنك بمن هو دونه في الحفظ والإتقان والتثبت؟! .
وأكثر أخطاء الرواة تقع في الأسانيد؛ ولهذا تجد أكثر العلل التي ذكر أهل العلم أنها تقع في الروايات، تجده خاصة بالإسناد، والقليل جدًا منها مما يقع في المتن، وما يشتركان فيه تجد أمثلته في الأسانيد أكثر منه في المتون.
فرفع الموقوف، ووصل المرسل، وقلب الرواة، ودخول إسناد في إسناد، وزيادة رجل فيه أو نقصانه، والتصحيف في أسماء الرواة؛ كل ذلك وغيره إنما يعتري الأسانيد، ويختص بها.
وأكثر أخطاء الثقات من هذا القبيل، أما الضعفاء، الذين لم يُعرفوا بالحفظ؛ فإن أخطاءهم في الأسانيد أكثر من أن تُحصر؛ ولهذا تجد أئمة الحديث الذين صنفوا في ضعفاء الرواة؛ كالعقيلي وابن عدي وابن حبان، تجدهم يسوقون في تراجم الضعفاء بعض الأحاديث التي أخطئوا فيها، واستُنكرت عليهم؛ والمتتبع لهذه الأخطاء، وتلك المناكير، يجد أكثرها أخطاء في الأسانيد (٢) والقليل منها مما يتعلق بالمتون.
وفي هذا الكتاب الذي بين يديك عشرات من الأحاديث التي أخطأ بعض الثقات أو الضعفاء في أسانيدها، دون متونها، فأتوا لها بأسانيد
_________________
(١) قلت في كتابي "ردع الجاني" (ص ١٤٣): "أبو الفضل الدارقطني"، وهذا سبق قلم مني، لا أدري كيف وقع! إنما هو "أبو الحسن".
(٢) انظر مثلًا "الكامل" (٣/١١٦٤ـ١١٧٨) (٤/١٤١٩) (٥/١٨٠٩، ١٨١٠) .
[ ٥٨ ]
ليست هي أسانيدها، أو وقع لهم في أسانيدها بعض الأخطاء، وإن أصابوا أصلها؛ كزيادة، أو قلب، أو إدراج، أو تصحيف أو تحريف، أو نحو ذلك.
وقد تبين من خلال ما ذكرته من كلام أهل العلم في نقد هذه الأسانيد، أنهم إنما أنكروا الأسانيد فحسب، وأن نقدهم كان منصبًا عليها، دون أن تتأثر المتون به.
فالرجل الضعيف؛ يحفظ المتن - غالبًا ـ، وقد يكون فقيهًا فاضلًا يحفظ المتن، إلا أنه ليس بالحافظ للأسانيد، فإذا به يجيء بالمتن المعروف على وجهه، بَيْدَ أنه يخطيء في إسناده، أو يجيء له بإسناد آخر غير إسناده الذي يُعرف به.
***
إن الذي يقبل من الضعفاء - غير المتهمين - ما اتفقوا عليه وتتابعوا على روايته من "متن الحديث" ويرد ولا يقبل ما تفرد به بعضهم من المتن أو بعض المتن، يجب أيضًا أن يزن قبول "الإسناد" ورده بنفس الإسناد.
فالضعيف - غير المتهم - الذي يجيء بإسناد لحديث ما، يتفرد هو بروايته بهذا الإسناد دون غيره، يجب رد ما تفرد به من الإسناد؛ كالمتن سواء بسواء.
والضعيف - غير المتهم - الذي يتفرد بزيادة ما في إسناد ما، لا يُتابع عليها من قِبَل غيره ممن روى الإسناد ذاته، يجب رد تلك الزيادة التي زادها في الإسناد، ولم يتابع عليها؛ كما هو الحال فيما يزيده في المتن.
[ ٥٩ ]
فإن قبول بعض الرواية دون بعض، والمعنى الذي من أجله رُد ذلك البعض متحقق في الكل غير معقول، ولا مقبول.
إن هذا هو الميزان الذي توزن به روايات الثقات - إسنادًا ومتنًا ـ؛ فكيف بالضعفاء؟!
أليس يقتضي النظر، فيما تفرد به ضعيف - غير متهم - من الأسانيد، أن ننظر في حفظه لها قبل الحكم بأنها صالحة للاعتبار، اعتمادًا على أن راويها ليس من المتهمين بالكذب.
نعم؛ قد يكون راوي الإسناد غير متهم، ولكن روايته تلك شاذة منكرة من حيث الإسناد، والمنكر أبدًا منكر، لا اعتداد به في باب الاعتبار.
أليس هذا الضعيف بذاته إذا تفرد بمتن لم يُقبل منه؛ لعدم أهليته لقبول ما يتفرد به؟ فما باله إذا تفرد بإسناد، ولم يُتابع عليه قُبل منه؟!
***
إن تقوية إسناد يتفرد به ضعيف، بإسناد آخر يتفرد به ضعيف آخر، ليس هو من باب الاستشهاد حتى يُتسامح فيه، بل هو من باب الاحتجاج.
فلو جاء متن - مثلًا - بإسنادين:
أحدهما: يرويه ضعيف - غير متهم - عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -.
والثاني يرويه ضعيف آخر مثله، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن رسول الله - ﷺ -.
إن الذي يذهب إلى تقوية هذا بذاك، اعتمادًا على أن كلا من
[ ٦٠ ]
الروايتين قد اتفقتا على المتن، وأنه ليس في الإسنادين من هو متهم بالكذب، بل في كل منهما ضعف هين من قِبل حفظ هذين الضعيفين، فيعتبر أحدهما بالآخر، ويتساهل في شأنهما.
إن الذي يفعل ذلك، ظنًا منه أن هذا ليس من باب الاحتجاج، بل من باب الاستشهاد، قد جانبه الصواب، وحاد عن النظر الصحيح، والقواعد العلمية، وصنيع أهل العلم.
فإن هذين الضعيفين، إنما اتفقا على جزء من الرواية، وليس على الرواية كلها.
فهما؛ إنما اتفقا على المتن فحسب، أما الإسناد؛ فقد جاء كل منهما لهذا المتن بإسناد يختلف عن إسناد الآخر.
وعليه؛ فمن قوى رواية هذا برواية ذاك، فهو في الواقع قد احتج بما يتفرد به الضعيف.
أليس الضعيف الأول هو الذي تفرد بزعمه أن الزهري حدثه بهذا الحديث، عن سالم عن ابن عمر؟!
أليس هذا الضعيف لم يتابع على هذا الزعم؟!
أليس الضعيف الثاني، هو الذي تفرد بزعمه، بأن ثابتًا البناني حدثه بهذا الحديث، عن أنس بن مالك؟!
أليس ثبوت هذا الحديث عن رسول الله - ﷺ - فرعًا من ثبوته عن صحابييه: ابن عمر، وأنس؛ أو أحدهما؟!
[ ٦١ ]
إذ كيف يعقل أن الحديث ثابت عن رسول الله - ﷺ -، وهو لم يثبت أصلًا عمن رواه عنه؟! إن هذا غير معقول، ولا مقبول.
أليس ثبوت هذا الحديث عن هذين الصحابيين فرعًا من ثبوته عمن رواه عنهما؟!
فإذا لم يكن ثبت عمن رواه عنهما، فكيف يثبت عنهما؟! إن هذا دونه خرط القَتَاد!!
فالذي يُثبت بمقتضى الرواية الأولى أن الزهري حدث بهذا الحديث عن سالم عن ابن عمر، فهو بذلك قد احتج بالراوي الضعيف في إثبات هذا الإسناد لهذا المتن.
وهذا احتجاج؛ ليس من الاستشهاد بسبيل.
والذي يثبت بمقتضى الرواية الثانية، أن ثابتًا بالبناني حدث بهذا الحديث عن أنس بن مالك، فهو أيضًا قد احتج بالضعيف.
نعم؛ لو أن هذين الضعيفين اتفقا على الإسناد كما اتفقا على المتن، فرويا المتن بإسناد واحد، من شيخهما فصاعدًا، لكان لنا معهما شأن آخر، ولاتَّجه بنا البحث وجهة أخرى.
لأنهما - حينئذ - قد اتفقا بالفعل، وتابع كل منهما الآخر على الرواية إسنادًا ومتنًا، فلم يتفرد أحدهما، لا بالإسناد ولا بالمتن، أما أن يتفرد كل منهما بإسناد للمتن، ونسمي ذلك اتفاقًا؛ فليس بشيء.
***
نعم؛ إن التساهل في اعتبارات الروايات، إنما يقل خطره، بل ربما
[ ٦٢ ]