لا يشهد حديث لآخر، إلا في القدر الذي اشترك فيه الحديثان، لفظًا أو معنى، أما إذا كان الشاهد قاصرًا على المشهود له، فلا يكون شاهدًا له فيما لم يشتركا فيه من اللفظ أو المعنى.
وهذا؛ أمر بدهي، لا يخفى على أهل اليقظة، لكن أذكر مثالًا أو أكثر مما خفي على البعض.
مثال ذلك:
حديث: أبي سعيد الخدري مرفوعًا:
" إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ينشر سرها ".
فهذا الحديث؛ مما تفرد به عمر بن حمزة العمري، عن عبد الرحمن بن سعد، عن أبي سعيد.
وقال الذهبي (١):
" هذا مما استُنكر لعمر ".
فذهب ذاهب إلى رد النكارة، بأن جاء للحديث بشواهد تشهد له؛ ولكنها شواهد قاصرة عن
المشهود له.
فها هي الشواهد فلننظر فيها.
_________________
(١) في " الميزان " (٣/١٩٢) .
[ ٣٩٢ ]
الشاهد الأول:
عن أبي نضرة: حدثني شيخ من طفاوة، قال: تثوَّيْتُ أبا هريرة بالمدينة وفيه: فقال رسول الله - ﷺ -:
" هل منك الرجل إذا أتى أهله فأغلق عليه بابه، وألقى عليه ستره، واستتر بستر الله؟ " قالوا نعم. قال: " ثم يجلس بعد ذلك فيقول: فعلت كذا، فعلت كذا؟ " قال فسكتوا. قال فأقبل على النساء، فقال: " هل منكن من تحدث؟ " فسكتن، فجثت فتاة على إحدى ركبتيها، وتطاولت لرسول الله - ﷺ -؛ ليراها ويسمع كلامها، فقالت: يا رسول الله؛ إنهم ليتحدثون، وإنهن ليتحدثنه. فقال: " هل تدرون ما مثل ذلك؟ " فقال: " إنما ذلك مثل شيطانة لقيت شيطانًا في السكة، فقضى منها حاجته، والناس ينظرون..
".
أخرجه: أبو داود (٢١٧٤) وأحمد (٢/٥٤٠) .
الشاهد الثاني:
عن أسماء بنت زيد، أنها كانت عند رسول الله - ﷺ -، والرجال والنساء قعود، فقال: " لعل رجلًا يقول ما يفعله بأهله، ولعل امرأة تخبر بما فعلت مع زوجها؟! " فأرَمَّ القوم: فقلت إي والله يا رسول الله! إنهن ليقلن، وإنهم ليفعلون. قال: " فلا تفعلوا؛ فإنما ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة في طريق، فغشيها والناس ينظرون ".
أخرجه: أحمد (٦/٤٥٦-٤٥٧) .
الشاهد الثاني:
عن أبي سعيد، عن النبي - ﷺ -، قال: " ألا يخشى أحدكم أن يخلو
[ ٣٩٣ ]
بأهله، يُغلق بابًا، ثم يرخي سترًا، ثم يقضي حاجته، ثم إذا خرج حدث أصحابه بذلك؟! ألا تخشى إحداكن أن تغلق بابها، وترخي سترها، فإذا قضت حاجتها حدثت صواحبها؟! " فقالت امرأة سفعاء الخدين: والله! يا رسول الله، إنهن ليفعلن، وإنهم ليفعلون. قال: " فلا تفعلوا؛ فإنما مثل ذلك مثل الشيطان لقي شيطانة على قارعة الطريق، فقضى حاجته منها، ثم انصرف وتركها ".
أخرجه البزار (١٤٥٠ - كشف الأستار) .
فهذه الشواهد؛ قاصرة عن المشهود له، فإنها وإن اشتركت معه في قُبح هذا الفعل، وذم من يفعله، إلا أنها ليس فيها ما فيه من أن الذي يفعل ذلك الفعل يكون " من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة ".
فعدم وجود شاهد لهذه الزيادة، مما يدل على نكارتها؛ لتفرد عمر ابن حمزة بها - على ضعفه ـ، وعدم موافقة أحد من الثقات له عليها، وأصحاب سالم - شيخه في هذا الحديث - الثقات كثيرون، ولا يحفظه إلا من هو دونهم بكثير، حتى هذا الذي تفرد به، ليس له في سنة رسول الله - ﷺ - ما يوافقه في معناه،
وما جاء في السنة ليس فيه هذا القدر الذي تفرد به، مما يدل على نكارته فعالًا، وعلى صحة إنكار الإمام الذهبي لحديثه ذلك.
وبالله التوفيق (١)
_________________
(١) أمثلة هذا الفصل كثيرة جدًا، وهو من الواضح بحيث لا يحتاج إلى كثير تمثيل، وإن كان الإخلال به يقع كثيرًا من قبل بعض الباحثين، وانظر " ردع الجاني " (ص ١٧٦ - ١٨٤) .
[ ٣٩٤ ]