وتقع أيضًا الرواية بالمعنى في المتون، فقد يُحدِّث الراوي بالمتن لا بلفظه الذي تحمَّله به، بل بالمعنى الذي فهمه منه، وقد يختصره أيضًا، فيرويه بلفظ مختصر، يرى هو أنه يؤدي نفس المعنى الذي يؤديه لفظ الحديث المطوَّل، وليس كذلك، فقد يكون لفظه أعم أو أخص من لفظ الرواية.
فالذي لا يفطن لهذه العلة، ربما استدل بروايته على معنى، لا تساعده ولا تدل عليه الرواية الأصلية.
مثال ذلك:
حديث: عبيد الله بن القبطية، عن جابر بن سمرة، قال: كنا إذا صلينا خلف النبي - ﷺ -، قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله - وأشار بيده إلى الجانبين ـ، فقال رسول الله - ﷺ -: "علامَ تومئون بأيديكم كأنها أذناب خيل شمس؛ إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه، ثم يسلم على أخيه من على يمينه وشماله".
أخرجه: مسلم (٢/٢٩-٣٠) والبخاري في "جزء رفع اليدين" (٣٨) والحميدي (٨٩٦) وأحمد (٥/٨٦-٨٨-١٠٢-١٠٧) وأبو داود (٩٩٨) (٩٩٩) والنسائي (٣/٤-٦١) وابن خزيمة (٧٣٣) وابن حبان (١٨٨٠) (١٨٨١) .
فهذا الحديث؛ واضح مبين مفسر، في أن الصحابة كانوا يرفعون
[ ١٦٩ ]
أيديهم حالة السلام من الصلاة، ويشيرون بها إلى الجانبين، يريدون بذلك السلام على من عن الجانبين، فأنكر ذلك عليهم رسول الله - ﷺ -، ونهاهم عنه.
لكن؛ جاءت رواية مختصرة لهذا الحديث، أُطلق فيها النهي عن رفع اليدين، ولم يقيَد فيها بحالة السلام، فاحتج بها بعض الكوفيين لمذهبهم في المنع من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه.
وهذه الرواية؛ هي رواية الأعمش، عن المسيَّب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عن جابر بن سمرة، قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ -، فقال: "مالي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس، اسكنوا في الصلاة".
أخرجه: مسلم (٢/٢٩) وأحمد (٥/٩٣-١٠١-١٠٧) وأبو داود (٩١٢) (١٠٠٠) والنسائي (٣/٤) وابن حبان (١٨٧٨) (١٨٧٩) .
فهذه؛ رواية مختصرة، فينبغي حملها على الرواية الأولى المفصلة، والمبينة أن هذا الرفع كان في التشهد والتسليم، وليس في الركوع أو الرفع منه.
ولهذا؛ قال ابن حبان في "الصحيح" (١)، بعد أن خرج هذه الرواية المختصرة:
"ذِكْر الخبر المقتضي للفظة المختصرة، التي تقدم ذكرنا لها، بأن القوم إنما أُمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم، دون رفع اليدين عند الركوع".
_________________
(١) "الإحسان" (٥/١٩٩) .
[ ١٧٠ ]
ثم روى الرواية المبينة، رواية ابن القبطية، عن جابر بن سمرة.
وقال البخاري في "جزئه" (١):
"إنما كان هذا في التشهد، لا في القيام، كان يسلم بعضهم على بعض، فنهى النبي - ﷺ - عن رفع الأيدي في التشهد، ولا يحتج بهذا من له حظ من العلم، هذا معروف مشهور، لا اختلاف فيه، ولو كان كما ذهب إليه، لكان رفع الأيدي في أول التكبيرة، وأيضًا تكبيرات العيد؛ منهيًا عنها؛ لأنه لم يستثن رفعًا دون رفع".
مثال آخر:
حديث: يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الله بن حارث بن جَزْء، قال: أنا أول من سمع النبي - ﷺ - يقول: "لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة"، وأنا أول من حدَّث الناس بذلك.
رواه عن يزيد: الليث بن سعد، وعبد الحميد بن جعفر، وعمرو ابن الحارث.
أخرجه: ابن ماجه (٣١٧) وأحمد (٤/١٩٠) والطحاوي في "شرح المعاني" (٤/٢٣٢) .
ورواه: عبد الله بن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جبلة بن نافع (٢)، عن عبد الله بن الحارث بن جزء، به.
_________________
(١) "جزء رفع اليدين" (ص١٢٤-١٢٥) .
(٢) كذا؛ جاء اسم أبيه في "شرح العلل" لابن رجب (١/٤٢٤) و"الثقات" (٤/١٠٩)، وجاء عند الطحاوي: "رافع". والله أعلم.
[ ١٧١ ]
فزاد في إسناده رجلًا.
أخرجه: الطحاوي (٤/٢٣٣) .
وانفرد بن لهيعة بروايته، عن عبيد الله بن المغيرة، عن عبد الله بن حارث بن جزء، قال:
رأيت رسول الله - ﷺ - يبول مستقبل القبلة؛ وأنا أول من حدَّث الناس بذلك (١) .
فقلب متن الحديث ولفظه؛ وإنما لفظه المعروف هو ما رواه الجماعة، في النهي عن ذلك.
فقد يغتر البعض فيجعل الحديث، بهذا اللفظ المقلوب، شاهدًا لأحاديث الرخصة في استقبال القبلة حال البول؛ بينما لفظ الحديث المعروف ينص على خلاف ذلك.
وقد أغرب جدًا الهيثمي، حيث استدل بهذا اللفظ المقلوب على نسخ النهي عن استقبال القبلة حال البول، فقال في "مجمع الزوائد"، بعد أن ساقه بهذا اللفظ المقلوب:
"روى له - أي: لعبد الله بن حارث بن جزء - ابن ماجه، أنه أول من سمع النبي - ﷺ - ينهى عن ذلك؛ وهذا يدل على النسخ"!!
وقد روى ابن لهيعة أيضًا، هذا المتن المقلوب بإسناد آخر، عن
_________________
(١) ذكره ابن رجب الحنبلي في "شرح علل الترمذي" (١/٤٢٤)، وعزاه الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١/٢٠٥-٢٠٦) لأحمد في "المسند"، ولو أجده فيه، ولا ذكره ابن حجر في "أطرافه" وإنما الذي في "المسند" (٤/١٩١) بهذا الإسناد باللفظ المعروف. والله أعلم.
[ ١٧٢ ]
صحابي آخر، وتفرد به أيضًا، وقد خطَّأه العلماء في ذلك.
رواه مرة، عن أبي الزبير، عن أبي قتادة الأنصاري، أنه رأى النبي - ﷺ - يبول مستقبل القبلة.
أخرجه: الترمذي (١٠)، وضعَّفه؛ وكذلك ضعَّفه ابن عبد البر في "التمهيد" (١/٣١٢) .
وهذا؛ يدل على اضطراب ابن لهيعة، وعدم ضبطه لإسناد الحديث ومتنه.
مثال آخر:
حديث: علي بن عياش، عن شعيب ابن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵁، قال: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار.
أخرجه: أبو داود (١٩٢) والنسائي (١٠٨) .
فهذا الحديث؛ استُدل به على نسخ الوضوء مما مست النار، وجعله بعض من كتب في "الناسخ والمنسوخ" مثالًا على ما يعرف فيه النسخ بتنصيص الصحابي على كونه متأخرًا.
وليس كذلك؛ فإن هذا الحديث مختصر من قصة طويلة، لا تدل على معنى النسخ.
قال الإمام أبو داود بعقبه:
"هذا اختصار من الحديث الأول".
يعني: الحديث الذي رواه قبله (١٩١) من طريق الحجاج، عن ابن
[ ١٧٣ ]
جريج، عن ابن المنكدر، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: قرَّبت للنبي - ﷺ - خبزًا ولحمًا، فأكل، ثم دعا بوضوء، فتوضأ به، ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه، فأكل، ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ.
وبهذا أيضًا؛ أعله الإمام أبو حاتم الرازي؛ قال (١):
"هذا حديث مضطرب المتن؛ إنما هو: أن النبي - ﷺ - أكل كتفًا ولم يتوضأ؛ كذا رواه الثقات عن ابن المنكدر، عن جابر؛ ويحتمل أن يكون شعيب حدَّث به من حفظه، فوهم فيه" (٢) .
قلت: ووجه الاختصار:
أن قول شعيب في روايته: "آخر الأمرين"، ليس على معنى التراخي، فيكون الفعل المتأخر ناسخًا للمتقدم؛ وإنما معناه: آخر الفعلين في هذه الواقعة المعيَّنة: كان عمله الأول فيها أنه توضأ بعد أكله مما مست النار، وعمله الثاني أنه
صلى بعد أكله دون أن يتوضأ، وقد يكون إنما توضأ في الأولى للحدث لا للأكل، وعليه؛ فلا دلالة في الحديث على النسخ.
وقد قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٣)، شارحًا لإعلال أبي داود وغيره لهذا الحديث بالاختصار؛ قال:
"قال أبو داود وغيره: إن المراد بالأمر هنا: الشأن والقصة، لا
_________________
(١) "علل الحديث" لابنه (١٦٨) .
(٢) وكذلك؛ ذهب ابن حبان في "الصحيح" (٣/٤١٧) إلى كونه مختصر.
(٣) "فتح الباري" (١/٣١١) .
[ ١٧٤ ]
المرأة التي صنعت للنبي - ﷺ - شاة، فأكل منها، ثم توضأ وصلى الظهر؛ ثم أكل منها، وصلى العصر ولم يتوضأ؛ فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار، وأن
الوضوء لصلاة الظهر كان عن حدث، لا بسبب الأكل من الشاة".
قلت: وقد جاءت رواية لهذا الحديث، تنص على أن وضوء النبي - ﷺ - لصلاة الظهر كان بسبب الحدث، إلا أن في إسنادها نظرًا.
فقد رواه: أحمد في "المسند" (٣/٣٧٤-٣٧٥) من طريق محمد بن إسحاق، عن ابن عقيل، عن جابر، فذكره مطولًا، وفيه:
"فأُتي بغداء من خبز ولحم، قد صُنع له، فأكل رسول الله - ﷺ -، وأكل القوم معه. قال: ثم بال، ثم توضأ رسول الله - ﷺ - للظهر، وتوضأ القوم معه. قال: ثم صلى بهم الظهر " - وذكر الحديث.
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
قال البخاري (١):
"طلحة بن يحيى؛ منكر الحديث؛ يروي عن عروة، عن عائشة - مرفوعًا ـ: "الغسل يوم الجمعة واجب"؛ والمعروف عن عروة وعمرة، عن عائشة: كان الناس عمال أنفسهم، فقيل لهم: "لو اغتسلتم".
فلعل طلحة بن يحيى هذا، فهم من قوله: "لو اغتسلتم" الوجوب، فرواه بلفظ: "واجب"، بحسب فهمه؛ وإلا فاللفظ الصحيح لا
_________________
(١) "الكامل" (٤/١٤٣١) .
[ ١٧٥ ]
يدل على الوجوب (١) .
وروايتا عروة وعمرة؛ في "الصحيحين": البخاري (٢/٨) (٣/٧٤) ومسلم (٣/٣)، وغيرهما (٢)
_________________
(١) راجع: "فتح الباري" لابن رجب (٥/٤١٣) .
(٢) وانظر: مثالًا آخر في "الكفاية" للخطيب (ص٢٦٠)، وآخر في "جامع الترمذي" (١٥٣٢) و" الإرواء " (٢٥٧٠) .
[ ١٧٦ ]