قد يقع تصحيف من قبل بعض الرواة في متن الحديث، فيقلب معناه، وربما أدى ذلك إلى إدخال الحديث في باب فقهي غير بابه، ثم يأتي من يغتر بذلك، فيجعله شاهدًا لأحاديث الباب الآخر، والصواب أنه لا علاقة له بهذا الباب من قريب أو بعيد، وإنما نشأ ذلك بسبب ما وقع في متنه من تصحيف أفسد معناه.
مثال ذلك:
حديث: عبد الرزاق، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: " العجماء جرحها جُبَار، والمعدن جبار، والنار جبار، وفي الركز الخُمُس ".
أخرجه: الدارقطني (٣/١٥٣) والبيهقي (٨/٣٤٤- ٣٤٥) .
فقوله في هذا الحديث " النار جبار " خطأ وتصحيف؛ وقد قال فيه معمر راويه ـ: " لا أُراه إلا وهمًا ".
ذكره الدارقطني والبيهقي.
وذكرا أيضًا عن أحمد بن حنبل، أنه قال: " النار جبار، ليس بشيء، لم يكن في الكتب، باطل ليس بصحيح ".
وأنه قال أيضًا: " أهل اليمن يكتبون النار ": " النير " ويكتبون " البير " - يعني: مثل
[ ٢١١ ]
ذلك؛ يعني: فهو تصحيف ".
زاد الدارقطني: " وإنما لُقن عبد الرزاق: النار جبار ".
يعني: أن الذي في الكتاب " البير "، وأهل اليمن يكتبون " النار " بالياء لا بالألف، فظن بعضهم " البير " بالباء الموحد، ظنها " النير " بالنون، فقال: " النار " ورواها كذلك.
وقال الأثرم (١): سمعت أبا عبد الله - يعني: أحمد بن حنبل - يُسأل عن حديث: " النار جبار "؟ فقال: هذا باطل؛ ليس من هذا بشيء.
ثم قال: ومن يُحدث به عن عبد الرزاق؟ قلت:حدثني أحمد بن شبويه.
قال: هؤلاء سمعوا بعدما عمي، كان يُلقن فَلُقِّنه، وليس هو في كتبه، وقد أسندوا عنه أحاديث ليست في كتبه، كان يلقنها بعدما عمي. اهـ.
وعلق عليه الذهبي في "السير" (٢) قائلًا:
"أظنها تصحفت عليهم؛ فإن "النار" قد تكتب: "النير" على الإمالة بياء على هيئة: "البير"؛ فوقع التصحيف".
ونقل ابن عبد البر (٣) عن ابن معين، أنه قال:
"أصله: "البيرجبار"، ولكنه صحفه معمر".
_________________
(١) " تهذيب الكمال " (١٨/٥٧) و" شرح العلل " (٢/٧٥٢ - ٧٥٣) .
(٢) "السير" (٩/٥٦٩) .
(٣) في "التمهيد" (٦/٢٦) .
[ ٢١٢ ]
لكن؛ تعقبه ابن عبد البر، فقال:
"في قول ابن معين هذا نظر، ولا يسلَّم له حتى يتضح".
فتعقبه الحافظ بن حجر؛ قائلًا (١):
"ويؤيد ما قال ابن معين: اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر "البئر"، دون "النار"؛ وقد ذكر مسلم: أن علامة المنكر في حديث المحدث: أن يعمد إلى مشهور بكثرة الحديث والأصحاب، فيأتي عنه بما ليس عندهم؛ وهذا من ذاك".
قال: "ويؤيد أيضًا: أنه وقع عند أحمد من حديث جابر، بلفظ: "والجب جبار"، بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة، وهي: البئر" (٢) اهـ.
مثال آخر:
حديث: قبيصة بن عقبة، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم، عن عياض الفهري، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا نوَّرثه على عهد رسول الله - ﷺ - - يعني: الجد.
فهذا الحديث؛ صحف فيه قبيصة، فقال: "كنا نورثه"، والصواب: "كنا نؤديه"، ثم رواه بالمعنى الذي فهمه منه بعد تصحيفه إياه، فقال: "يعني الجد"، والصواب: "يعني: صدقة الفطر".
ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم، منهم: الإمام مسلم، والإمام
_________________
(١) في "فتح الباري" (١٢/٣٥٥-٣٥٦) .
(٢) وحكى الخطابي في "الغريب" (١/٦٠١) عن ابن المنذر، أنه ذهب أيضًا إلى أنها مصحفة.
[ ٢١٣ ]
أبو زرعة الرازي، وكذا الإمام ابن رجب الحنبلي (١) .
ونص الإمام مسلم:
" هذا خبر صحف فيه قبيصة، وإنما كان الحديث بهذا الإسناد، عن عياض [يعني: عن أبي سعيد]، قال: كنا نؤديه على عهد رسول الله - ﷺ - - يعني: في الطعام وغيره في زكاة الفطر ـ؛ فم يُقِر قراءته، فقلب قوله، إلى أن قال: " نورثه "، ثم قلب له معنى، فقال: " يعني الجد " اهـ.
قلت: وخفيت هذه العلة على الشيخ الفاضل مقبل بن هادي الوادعي، فأدخل هذا الحديث في كتابه:
" الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين " (١ /٢٩٠ رقم: ٣٩٥)، وقال: " حديث صحيح "!
مثال آخر: (٢):
حديث: " إذا زار أحدكم أخاه، فلا يقومن حتى يستأذنه ".
أخرجه: أبو الشيخ في " طبقات الأصبهانين " (١٩٩): حدثنا إسحاق ابن محمد بن حكيم، قال: ثنا يحيى بن واقد، قال: ثنا ابن أبي غَنِيَّة، قال: ثنا أبي، قال: ثنا جبلة بن سحيم، عن ابن عمر - مرفوعًا.
وقوله: " فلا يقومن " تصحيف؛ تصحف على بعض الرواة، والصواب: " فلا يقرنن ".
_________________
(١) راجع: "التمييز" لمسلم (ص١٩٠) و"علل الحديث" للرازي (١٦٤١) و"شرح علل الترمذي" لابن رجب (١/٤٢٨) .
(٢) أرشدني إلى هذا المثال شيخنا الشيخ الفاضل محمد عمرو بن عبد اللطيف، فجزاه الله خيرًا.
[ ٢١٤ ]
من الإقران؛ أي الجمع بين التمرتين.
فقد أخرجه أحمد في المسند (٢/١٣١) عن ابن غنية أيضًا، به، بهذا اللفظ: " فلا يقرنن ".
ويؤكده؛ أن الحديث مشهور عن جبلة، بهذا اللفظ، رواه عنه سفيان وشعبة وغيرهما كذلك.
أخرجه البخاري (٣/١٨١) ومسلم (٦/١٢٣) وأبو داود (٣٨٣٤) والترمذي (١٨١٤) وابن ماجه (٣٣٣١) وأحمد (٢/٦٠) والدارمي (٢/١٠٣) والبيهقي (٧/٢٨١) .
وفي بعض ألفاظه: " نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرن الرجل بين التمرتين، حتى يستأذن صاحبه ".
وفي بعضها:
" كان ابن الزبير يرزقنا التمر، وقد كان أصاب الناس يومئذ جهد، وكنا نأكل، فيمر علينا ابن عمر ونحن نأكل، فيقول: لا نقارنوا؛ فإن رسول الله - ﷺ - نهى عن الإقران، إلا أن يستأذن الرجل أخاه " (١) .
وبالله التوفيق.
مثال آخر:
حديث موسى بن عقبة، عن سالم أبي النضر، عن بُسر بن
_________________
(١) وقد توسع الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - في تخريج طرق هذا الحديث في " السلسلة الصحيحة " (١٨٢) (٢٣٢٣)، فليراجعه من شاء.
[ ٢١٥ ]
سعيد، عن زيد بن ثابت، أن رسول الله - ﷺ - اتخذ حُجْرة من حصير في رمضان - الحديث.
أخرجه البخاري (٧٣١) (٧٢٩٠) .
ورواه: عبد الله بن سعيد، عن سالم، به، بلفظ:
" احتجر رسول الله - ﷺ -.. ".
وهو أيضًا في البخاري (٦١١٣) .
وقوله " احتجر "، أي: اتخذ حجرة؛ كما في الرواية الأولى، فجاء عبد الله بن لهيعة، فروى الحديث عن موسى بن عقبة، بهذا الإسناد، وذكر أن موسى كتب به إليه، واختصر الحديث وصحفه فقال:
" احتجم رسول الله - ﷺ - في المسجد ".
وقوله " احتجم " غلط فاحش؛ وإنما هو: " احتجر "، أي: اتخذ حجرة (١) .
مثال آخر:
روى: مندل بن علي، عن عمر بن صهبان، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كان رسول الله - ﷺ - لا يغدوا يوم الفطر حتى يُغَدِّي أصحابه من صدقة الفطر.
أخرجه: ابن ماجه (١٧٥٥) والعقيلي (٣/١٧٣) .
_________________
(١) وراجع: " فتح الباري " لابن رجب الحنبلي (٤/٢٨٢) و" التمييز " (ص ١٧٨ - ١٨٨) .
[ ٢١٦ ]
وقال العقيلي:
" وقد روى موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله - ﷺ - أمر بزكاة الفطر أن تؤدى قبل خروج الإمام؛ وهذه الرواية أولى " (١) .
قلت: فلعل " تُؤدي " تصحفت على بعض الرواة إلى " يغدي "، فانقلب الحديث، وفسد معناه.
والله أعلم.
مثال آخر:
حديث أبي الدرداء، مرفوعًا: " لا تأكل متكئًا ".
أخرجه الطبراني في " الأوسط " (٢٣) وابن عساكر (٤٥/٤٠٨) وابن حبان في " المجروحين " (١/٢٩٧) .
فقد تصحف في بعض الكتب " متكئًا " إلى " منكبًا "، ففسد معناه.
وقد جاء على الصواب في المصادر المشار إليها، وكذلك في " مجمع البحرين " (٩٨٧) (٤٠٣٨) و" مجمع الزوائد " (٥/٢٤) و" الجامع الكبير " للسيوطي.
وعليه؛ فلا يصلح هذا الحديث شاهدًا لحديث ابن عمر - عند أبي داود (٣٧٧٤)
وابن ماجه (٣٣٧٠) ـ، أن رسول الله - ﷺ - نهى أن يأكل الرجل هو منبطح على بطنه.
كما بين ذلك الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - بيانًا شافيًا في
_________________
(١) وراجع: " شرح البخاري " لابن رجب (٦/٩٠) .
[ ٢١٧ ]
" السلسلة الصحيحة " (٢٣٩٤) (١)
ومن لطيف ما يحكى في ذلك:
قال البرذعي (٢):
قلت لأبي زرعة: بشر بن يحيى بن حسان؟
قال خراساني من أصحاب الرأي، كان لا يقبل العلم، وكان أعلى أصحاب الرأي بخراسان، فقدم علينا، فكتبنا عنه، وكان يناظر، احتجوا عليه بطاوس، فقال - بالفارسية ـ: يحتجون علينا بالطيور!
قال أبو زرعة: كان جاهلًا؛ بلغني أنه ناظر إسحاق بن راهويه في القُرْعة، فاحتج عليه إسحاق بتلك الأخبار الصحاح، فأفحمه، فانصرف ففتش كتبه، فوجد في كتبه حديث النبي - ﷺ -، أنه نهى عن القَزَع (٣)،
فقال لأصحابه: قد وجدت حديثًا أكسر به ظهره، فأتى إسحاق، فأخبره، فقال إسحاق: إنما هو القزع، أنه يُحلق بعض رأس الصبي، ويُترك البعض!
_________________
(١) وانظر: مثالًا آخر في " الصحيحة " أيضًا (٦ / / ١١٤٠ - ١١٤١) وآخر في " الضعيفة " (٣/١٨٦) .
(٢) ٢/٣٣٤ - ٣٣٥) و" الكفاية " (ص ٢٥٤) .
(٣) يعني: فظنه " القُرع "، جمع " قرعة "..
[ ٢١٨ ]