الإبهام؛ هو أن يُسمي الراوي اختصارًا من الراوي عنه، فيقول مثلًا: " أخبرني فلان، أو شيخ، أو رجل، أو بعضهم "؛ وهو ذلك.
والإبهام؛ علة إسنادية، توجب التوقف في الحديث وعدم الاحتجاج به؛ لاحتمال أن يكون ذلك المبهم ضعيفًا أو كذابًا.
ويستدل على معرفة اسم المبهم؛ بوروده من طريق أخرى مسمى فيها، بشرط أن تكون هذه التسمية محفوظة، وليست خطأ من قِبَل بعض الرواة، فربما سُمِّي المبهم في رواية أخرى، ولا يكون ذلك محفوظًا، إنما المحفوظ عدم تسميته.
مثال ذلك:
ما روى: جماعة من أصحاب الزهري، عن الزهري، قال: حدثني رجال من الأنصار - لم يسمهم ـ، أن عثمان دخل على أبي بكر - الحديث؛ في نجاة هذا الأمر.
فقد رواه: عبد الله بن بشر الرقي، عن الزهري، فقال: " عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان، عن أبي بكر ".
هكذا؛ سمى شيخ الزهري: " سعيد بن المسيب "، وأخطأ في ذلك، والصواب: أنه غير مسمى ـ: قاله أبو زرعة والدارقطني (١) .
_________________
(١) " علل الحديث " لابن أبي حاتم (١٩٧٠) و" العلل " للدارقطني " (١/١٧٣) .
[ ٣١٢ ]
وزاد الدارقطني:
" وكذلك رُوي عن مالك بن أنس، وعن ابن أبي ذئب، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب،
عن عثمان، عن أبي بكر؛ ولا يصح عنهما، وكل ذلك وهْم ".
وإذا كانت التسمية محفوظة، وأن هذا المبهم هو ذاك المسمى في الرواية الأخرى، فلا يصح بداهة أن تقوى الرواية المبهمة بالرواية المبينة، أو العكس؛ لأنه - والحالة هذه - يكون من باب تقوية الحديث بنفسه.
وهذا؛ أمر واضح لا خفاء به، غير أني رأيت بعض من أقحم نفسه في العلم، ممن لا يفرق بين البقرة والبعرة، جاء إلى رواية فيها راوٍ ضعيف، فقواها برواية أخرى أُبهم فيها ذلك الضعيف، فأتى بشاردة عجيبة، وشاذة غريبة!
وذلك؛ هو المدعو محمود سعيد ممدوح، حيث ذكر (١) حديث ابن أبي فديك، عن أبي المثنى بن يزيد الكعبي، عن أنس بن مالك، أن رسول الله - ﷺ - قال: " من زارني بالمدينة محتسبًا، كنت له شفيعًا وشهيدًا يوم القيامة ".
أخرجه: البيهقي في " الشعب " (٤١٥٧) والسهمي في " تاريخ جرجان " (ص ٢٢٠) .
ثم يقل أقوال أهل العلم في تضعيف أبي المثنى هذا، ثم أعله بعلة أخرى وهي الانقطاع بين أبي المثنى وأنس، لأنه من أتباع التابعين.
_________________
(١) في " رفع المنارة " (ص ٢٦٢-٣٦٩) .
[ ٣١٣ ]
ثم ساق له طريقًا أخرى فيها مبهم، وقوى به الحديث، وهو ما ذكر أنه يرويه إسحاق بن راهويه في
" مسنده " (١)، عن عيسى بن يونس، عن ثور بن يزيد: حدثني شيخ، عن أنس، عن النبي - ﷺ -، به.
ثم قال المدعو:
" لولا الشيخ المبهم الذي لم يسم لكان السند في أعلى درجات الصحة، لكن هذا الطريق إذا ضُم لسابقة استفاد الحديث قوة "!!
وهذا؛ من عجائب الدنيا! فإن أحدًا لا يشك في أن هذا المبهم هو نفسه المسمى في الرواية الأولى، فانظر لمن يقوي الرواية بنفسها!!
ثم؛ إن أسلمنا بأن الشيخ المبهم غير المسمى في الرواية الأولى، فلا يُدرى أسمع من أنس أم لا، وعليه؛ فيكون الحديث منقطًا في روايتيه في موضع واحد؛ لأن أبا المثنى الكعبي لم يلق أنسًا كما ذكر محمود سعيد نفسه، فالروايتان راجعتان إلى مخرج واحد، ولا بد.
والأعجب! أن هذا المتهم قد التزم في موضع آخر بالقواعد العلمية، حيث لم يكن محتاجًا لتصحيح الحديث، فذكر في تعليقه على " النقد الصحيح " للعلائي (٢) طريقين لحديث آخر: في أحدهما: يعلى بن أبي يحيى، وهو مجهول، وفي الآخر: شيخ غير مسمى، فلم يقو هذا
_________________
(١) لم أتحقق بعد من صحة هذا العزو، وإن بوادر التهمة لتلوح، فإني لم أجده في كتاب السبكي " شفاء السقام " وهو يعزو لمسند إسحاق فيه كثيرًا، ولا ذكره ابن عبد الهادي في رده عليه، بل لم يذكرا لهذا الحديث سوى الإسناد الأول! وما زلت أبحث عنه، والله المستعان
(٢) ص ٥٨-٥٩) .
[ ٣١٤ ]
بذاك، للعلة التي ذكرناها، فقال:
" إن فيه مبهمًا، ولا يفيده شيئًا إن كان المبهم هو يعلى بن أبي يحيى، بل يخشى أن يكون الطريقان يرجعان إلى طريق واحد، وهو الذي استظهره المصنف ﵀ ".
وهذا؛ غيض من فيض، من تناقضاته وتخبطاته، وقد بينت الكثير منها في ردي عليه المسمى: " صيانة الحديث وأهله من تعدي محمود سعيد وجهله "، أسأل الله أن يعينني على إنجازه.
[ ٣١٥ ]