من عُرف بسرقة الحديث، وادعاء سماع ما لم يسمع، لا يصلح حديثه في باب الاعتبار، ومتابعته لغيره لا تنفعه بقدر ما تضره، فإنها تؤكد سرقته لحديث غيره، وروايته من غير سماع.
فإن السارق للحديث - غالبًا - لا يختلق متنًا، ولا يركب إسنادًا حتى يُبَرأ من تهمة الحديث حيث يتابعه عليه غيره.
وإنما السارق، يأتي إلى أحاديث يرويها غيره بالفعل، عن شيخ من الشيوخ، فيسمعها هو من بعض أصحاب ذلك الشيخ، ثم يسقط الواسطة، ويرتقي بالحديث إلى الشيخ نفسه، مصرحًا بالسماع منه، وهو لم يسمعه منه، فيدعي سماع ما لم يسمع.
والفرق بين السرقة والتدليس واضح؛ فإن المدلس لا يصرح بالسماع، بل يأتي بصيغة محتملة، بخلاف السارق؛ فإنه يصرح بالسماع ويكذب في ذلك.
وفي " تاريخ بغداد " (١) .
عن حسين بن إدريس، قال: سألت عثمان بن أبي شيبة، عن أبي هشام الرفاعي، فقال: لا تخبر هؤلاء، إنه يسرق حديث غيره، فيرويه.
قلت: أعلى وجه التدليس، أو على وجه الكذب؟ فقال: كيف يكون
_________________
(١) ٣/٣٧٦) .
[ ٤٣٣ ]
تدليسًا، وهو يقول: حدثنا؟!
فهذا - كما ترى - لا يتفرد، بل يروي ما يرويه غيره، غير أن غيره سمع، وهو لم يسمع، فيظهر وكأنه لم يتفرد، بل توبع، وليس الأمر كذلك، فإن هذه متابعة صورية، لا حقيقة لها.
فمتابعة السارق؛ لا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكد التهمة عليه، وأنه إنما أخذ حديث غيره، فرواه؛ مدعيًا سماعه (١) .
وهذا؛ والأصل في السارق أنه متهم؛ لادعائه سماع ما لم يسمع، لكن؛ قد يقع من بعض الثقات وبعض أهل الصدق ممن لا يُتهمون - ما صورته كصورة السرقة، لا عن قصد؛ بل عن خطأ، أو عن تساهل في استعمال ألفاظ الأداء في غير معناها الاصطلاحي.
فمثل هذه الروايات تعامل مثل السرقة، من حيث عدم الاعتداد بها في باب الاعتبار ودفع التفرد، غير أنه لا يثتهم في صدقه من وقع في مثل ذلك من أهل الصدق، بل يحمل ذلك على الخطأ أو التساهل.
وقد تقدمت أمثلة ذلك في " فصل: التدليس.. والسماع " (٢) .
وبالله التوفيق.
_________________
(١) ونقل أخونا على الحلبي في " نكته على النزهة " (ص ٥٣-٥٤)، عن الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى ـ، أنه قال: " إن من عمل بعض الكذابين: أن يسرق الحديث من غيره من أمثاله، وبطريق السرقة هذه تتعدد الطرق، وكلها في الحقيقة ترجع إلى طريق واحد، آفته ذلك الكذاب الأول؛ فتنبه لهذا؛ فإنه أمر دقيق ".
(٢) وانظر: كتابي " لغة المحدث " (ص ٧١-٧٢) .
[ ٤٣٤ ]
مثال ذلك:
حديث: قزعة بن سويد، عن عاصم بن مخلد (١)، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من قرض بين شعر بعد عشاء الآخر، لم تُقبل له صلاة تلك الليلة ".
أخرجه: أحمد (٤/١٢٥) والطبراني (٧/٢٧٨) والبزار (٢٠٩٤ - كشف) والعقيلي (٣/٣٣٩) والبيهقي في " الشعب " (٥٠٨٩) وابن الجوزي في " الموضوعات " (١/٢٦١) .
وقال البزار:
" لا نعلمه يُروى إلا من هذا الوجه، وعاصم لا نعلم روى عنه إلا قزعة، وقزعة ليس به بأس، ولكن ليس بالقوي ".
وقال العقيلي:
" لا يتابع عاصم عليه، ولا يُعرف إلا به ".
وقال ابن الجوزي:
" هذا حديث موضوع.. وعاصم في عداد المجهولين ".
ثم نقل قول أحمد وابن حبان في تضعيف قزعة.
وقد تُوبع عاصم على هذا الحديث؛ إلا أنها متابعة واهية، لا يعتد بها.
_________________
(١) وفي بعض الروايات " أبو عاصم " وفي بعضها: " أبو عاصم الأحول ". انظر كتاب " المنتخب من علل الخلال " (رقم: ٤٥) بتحقيقي.
[ ٤٣٥ ]
قال البيهقي:
" وكذلك رواه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعث ".
ووصله: البغوي في " الجعديات " (٣٤٩٢) (١) .
قلت: وعبد القدوس هذا متروك، فلا تنفع متابعته.
وقد قال الحافظ ابن حجر في "تعجيل المنفعة" (٢) .
"لكن عاصمًا أصلح من عبد القدوس بن حبيب، فكأن عبد القدوس سرقه منه".
قلت: وهذا هو التحقيق، أن متابعة عبد القدوس راجعة إلى رواية عاصم، فيبقى عاصم متفردًا بالحديث، ويبقى إعلال الأئمة السابقين في موضعه.
لكن؛ خالف ذلك الحافظ ابن حجر في موضع آخر، فتعقب الإمام ابن الجوزي حكمه على هذا الحديث بالوضع، فقال في "القول المسدد" (٣):
"ليس في شيء من هذا ما يقضي على هذا الحديث بالوضع؛ إلا أن يكون استنكر عدم القبول من أجل فعل المباح؛ لأن قرض الشعر مباح، فكيف يعاقب فاعله بأن لا تقبل له صلاة؟ ! فلو علل بهذا لكان أليق به من تعليله بعاصم وقزعة؛ لأن عاصمًا ما هو من المجهولين، كما قال؛ بل
_________________
(١) وهي في " الميزان " (٢/٦٤٣) عن " الجعديات ".
(٢) "التعجيل" (ص٢٠٤) .
(٣) "القول المسدد" (ص٧٥-٧٦) .
[ ٤٣٦ ]
ذكره ابن حبان في "الثقات". وأما كونه تفرد برواية هذا عن أبي الأشعت، فليس كذلك؛ فقد تابعه عليه عبد القدوس بن حبيب، عن أبي الأشعت، رويناه في "الجعديات" عن أبي القاسم البغوي
ولكن عبد القدوس ضعيف جدًا؛ كذبه ابن المبارك، فكأن العقيلي لم يعتد بمتابعته ".
ثم أخذ يدافع عن قزعة، وانتهى إلى " أن حديثه في مرتبة الحسن ".
قلت: وعلى هذا التعقب مؤاخذات:
فإنه لو سلم للحافظ - عليه رحمة الله - ما قاله، لما سَلِم له دفاعه عن الحديث، والعجب أنه سلم في أول كلامه بأن متنه منكر، فما العجب إذن في الحكم بالوضع على حديث منكر المتن (١)؟!
ولو سلمنا له كلامه في قزعة، وتجاوزنا عما فيه من تساهل واضح؛ فإننا لا نسلم له أبدًا ما قاله في دفاعه عن عاصم.
فقوله: " ما هو من المجهولين "، اعتمادًا على ذكر ابن حبان له في " الثقات "؛ في غاية العجب! فإن ذكر ابن حبان لمثل هذا الراوي في " ثقاته "، إن لم يؤكد جهالته، فهو لا يرفعها؛ لما عُرف من قاعدته في توثيق المجاهيل، والحافظ ابن حجر من أعلم الناس بذلك.
وأما متابعة عبد القدوس؛ فقد سبق ما فيها، فهي متابعة وجودها كالعدم.
على أن عاصمًا رغم أنه تفرد به عن أبي الأشعث، إلا أنه قد خولف أيضًا؛ خالفه من هو أولى منه
بطبقات؛ في موضعين:
_________________
(١) انظر مقدمة " الفوائد المجموعة " للشيخ المعلمي (ص ٧-٩) .
[ ٤٣٧ ]
الأول: في اسم صحابيِّه.
الثاني: في رفعه.
فقد قال ابن أبي حاتم في " العلل " (١):
" سألت أبي، وذكر حديثًا رواه موسى بن أيوب، عن الوليد بن مسلم، عن الوليد بن سليمان، عن أبي الأشعث، عن عبد الله بن عمرو - يرفعه - (فذكره)؟
قال أبي: هذا خطأ؛ الناس يروون هذا الحديث، لا يرفعونه؛ يقولون: عن عبد الله بن عمرو فقط.
قلت: الغلط ممن هو؟
قال: من موسى؛ لا أدري من أين جاء بهذا مرفوعًا " اهـ.
قلت: فقد خالف الوليد بن سليمان - وهو: ابن أبي السائب القرشي ـ، وهو ثقة، في رواية الناس
عنه، خالف عاصمًا في جعله الحديث من مسند " عبد الله بن عمرو "، بدلًا من " شداد بن أوس "، وأيضًا في رفعه؛ حيث أوقفه هو - على ما رجح أبو حاتم.
والعجب من الحافظ بن حجر - رحمه الله تعالى - حيث ساق كلام أبي حاتم هذا، ولم يستفد منه، ولم يعل الحديث بما يقتضيه هذا الوجه (٢) .
وبالله التوفيق.
_________________
(١) " العلل " (٢٢٨٥) .
(٢) وانظر: " الضعيفة " (٢٤٢٨) .
[ ٤٣٨ ]
مثال آخر:
حديث: مصعب بن سلام، عن شعبة، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد الله، قال: لما طلق حفص بن المغيرة امرأته فاطمة، فأتت النبي - ﷺ -، فقال لزوجها " متعها "، قال: لا أجد ما أمتعها. قال
" فإنه لابد من المتاع "، قال: " متعها؛ ولو نصف صاع من تمر ".
أخرجه: البيهقي (٧/٢٥٧) من طريق علي بن عبد الصمد، عن الوليد بن شجاع السكوني، عن مصعب، به.
ورواه: الخطيب أيضًا (٣/٧١ - ٧٢) من طريق أبي الفتح الأزدي - الإمام المعروف ـ، عن محمد بن علي بن سُهيل الحصيب، عن الوليد، به.
وقال الأزدي:
" لم يكن هذا الشيخ - يعين: الحصيب - مرضيًا؛ سرقه، هو عند علي بن أحمد النضر؛ وأصله عن شعبة باطل، إنما هو عن الحسن بن عمارة ".
وقد تعقب الأزدي الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى ـ، في " السلسلة الصحيحة " (١)، فقال:
" كذا قال الأزدي، وهو مردود بمتابعة علي بن عبد الصمد الثقة لمحمد بن علي بن سهيل الحصيب؛ فانتفت شبهة سرقته، واندفع إعلال
_________________
(١) " الصحيحة " (٢٢٨١) .
[ ٤٣٩ ]
الأزدي إياه بالسرقة، ولاسيما والأزدي نفسه متكلم فيه، على حفظه ".
قلت: وفي هذا التعقيب نظر؛ من وجوه:
الأول: أن رواية الحصيب، إنما جاءت من طريق الأزدي؛ فالحصيب يرويها عن الأزدي، عنه، فإذا كان الأزدي " مُتكلمًا فيه " فكيف يُعتمد على روايته؛ لإثبات متابعة الحصيب لعلي بن عبد الصمد؟
وإذا رُد نقد الأزدي للرواية لكونه " مُتكلمًا فيه "، فمن باب أولى أن تُرد روايته، فلا يُعتمد عليها في إثبات تلك المتابعة.
الثاني: دفع اتهام الأزدي للحصيب بسرقة هذا الحديث، بمجرد متابعة على بن عبد الصمد الثقة له، لا يستقيم؛ لما ذكرناه سابقًا من أن المتابعة لا تنفع السارق، ولا تدفع عنه تهمة السرقة، بل تؤكدها.
والأزدي نفسه يعلم أنه لم يتفرد، فقد ذكر في كلامه أن الحديث عند علي بن أحمد بن النضر (١)، ومع ذلك اتهم الحصيب بسرقته، فكأنه يرى أنه سمعه منه، ثم ادعى سماعه من الوليد.
الثالث: أن الأزدي لا ينازع في صحة الرواية عن مصعب بن سلام؛ إنما ينازع في سماع بعض من دونه في الإسناد له من شيخه، وهذا - بطبيعة الحال - نقد جزئي للرواية، أما أصل الرواية، فقد أعلها بما يقدح في أصل صحة الحديث، وذلك بقوله:
" وأصله عن شعبة باطل؛ إنما هو عن الحسن بن عمارة ".
يعني: أنه مقلوب؛ قلبه مصعب بن سلام، فليس هو من حديث
_________________
(١) ضعفه الدارقطني؛ كما في " تاريخ بغداد " (١١/٣١٦) .
[ ٤٤٠ ]
شعبة، بل من حديث الحسن بن عمارة المتروك، وهذا يقدح في الحديث من أصله.
ولا يقال: إن هذا زعم، لا يقوم على دليل.
لأن مصعب بن سلام معروف بهذا النوع من القلب في الأسانيد.
قال الإمام أحمد (١):
" انقلبت عليه أحاديث يوسف بن صهيب، جعلها عن الزبرقان السراج، وقدم ابن أبي شيبة مرة، فجعل يذاكر عنه أحاديث شعبة، هي أحاديث الحسن بن عمارة؛ انقلبت عليه أيضًا ".
وقال ابن معين (٢):
" صدوق؛ كان هاهنا - يعني: ببغداد ـ، فأعطوه كتابًا للحسن بن عمارة، فحدث به عن شعبة، ثم رجع عنه ".
وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٣):
" مصعب بن سلام؛ تركنا حديثه، وذلك أنه جعل يُملي علينا عن شعبة أحاديث: حدثنا شعبة، حدثنا شعبة! فذهبت إلى وكيع، فألقيتها عليه. قال: من حدثك بهذا؟ فقلت: شيخ هاهنا. قال: هذه الأحاديث كلها حدثنا بها الحسن بن عمارة؛ فإذ الشيخ قد نسخ حديث الحسن بن عمارة في حديث شعبة!! ".
_________________
(١) " العلل " لعبد الله بن أحمد (٥٣١٧) .
(٢) " سؤالات ابن الجنيد " (٢٥٣) .
(٣) " معرفة الرجال " لابن محرز (٢/٢١٣) .
[ ٤٤١ ]
قلت: وهذا ما أشار إليه الإمام أحمد في قوله: " وقدم ابن أبي شيبة مرة ".
فأنت ترى؛ أن الأزدي، لم يتفرد بقوله: " أصله عن شعبة باطل، وإنما هو عن الحسن بن عمارة "، حيث إن هؤلاء الأئمة قد سبقوه إلى القول إجمالًا.
وأنظر: أمثلة من تلك الأحاديث التي انقلبت عليه، في ترجمته من " الضعفاء " للعقيلي (٤/١٩٥)
و" الكامل " لابن عدي (٦/٢١٦٠) و" سؤالات أبي زرعة " للبرذعي (٢/٣٣١ - ٣٣٢) .
وبهذا؛ تدرك مدى تسامح الحافظ ابن حجر - عليه رحمة الله - في " التقريب "؛ حيث قال في مصعب بن سلام " صدوق له أوهام "؛ فإن هذا القول على ما فيه من تسامح واضح، غير موفٍ بحال الرجل؛ لأن خطأه من نوع خاص، فكان على الحافظ أن يبين هذا النوع من خطئه في عبارته، حتى يتجنب ما كان بسبيله.
هذا؛ ولو كان هذا الحديث من حديث شعبة؛ لعرف عند أصحابه الثقات - وما أكثرهم ـ؛ ولما تفرد به مصعب بن سلام عنه، مع ما عُلم من خفة ضبطه في الجملة، وفي تخليطه إذا روى عن شعبة خاصة.
وبالله التوفيق (١) .
_________________
(١) ومن الأمثلة أيضًا: حديث " أنا مدينة العلم وعلى بابها ". وانظر: " الفوائد المجموعة " (ص ٣٤٨ - ٣٥٢) بتعليق المعلمي اليماني، وكذا " المجروحين " (٢/١٥١-١٥٢) و" سؤالات البرذعي " (٢/٥١٩-٥٢٠) . وانظر: أمثلة أخرى في " الضعيفة " (٥٨٣) (١٣٣٤) (٢٢٧١) .
[ ٤٤٢ ]