مما لا شك فيه، الراوي إذا روى ما يتابعه عليه غيره، فإن هذا يكون أدل على ضبطه لما روى.
أما إذا روى ما يخالفه فيه غيره، فإنه إن كان ممن لا تؤثر فيه المخالفة، لم يضره ذلك، أما إن كان ممن لم يبلغ في الحفظ والإتقان هذه المكانة، كانت المخالفة - حينئذ - قادحة في روايته، إذا كانت المخالفة ممن تؤثر مخالفته.
وربما جاءت روايات ظاهرة الاتفاق، ثم بعد التتبع والسبر، يتبين أن هذه الروايات ليست متفقة فيما بينها، بل هي مختلفة، فلا يحكم لها حكم الاتفاق، بل حكم الاختلاف.
وذلك؛ فيما إذا رُوي عن راويين حديث واحد، على الاتفاق في الإسناد والمتن معًا، ثم يتبين بعد السبر، أن بعض من دون أحد هذين الراويين أخطأ عليه، حيث روى حديثه مثل رواية الراوي الآخر، والصواب الذي يُعرف عند أصحاب هذا الراوي، أنه يروي الحديث على خلاف رواية الراوي الآخر، في الإسناد أو في المتن، فتبين بذلك أن المتابعة المزعومة معلولة بالمخالفة، وأن هذين الراويين مختلفان فيما بينهما في إسناد الحديث في أو متنه، وليسا متفقين.
وقد يقع ذلك حيث يقرن الراوي بين الراويين في الرواية، فيحمل رواية أحدهما على رواية الآخر على الاتفاق وهمًا.
[ ٢٨٢ ]
وقد سبق ذكر أمثلة ذلك في " الإقران.. والمخالفة ".
وقد يقع ذلك أيضًا بدون الإقران؛ فلنذكر لذلك مثالًا:
مثال ذلك:
روى: أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: " من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل ".
أخرجه: مسلم (٤/٣) وأحمد (٣/٣٢٣) .
فهذا الحديث؛ حديث أبي الزبير عن جابر.
لكن؛ روى محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله، عن النبي - ﷺ - - مثله.
أخرجه: الطبراني في " الأوسط " (٩٣٢٢) .
وهذا الإسناد: يوهم أن عمرو بن دينار، إنما يروي الحديث عن جابر، كما يرويه عنه أبو الزبير، وعليه؛ يكون عمرو متابعًا لأبي الزبير.
وليس الأمر كذلك.
بل إن هذا مما أخطأ فيه محمد بن مسلم الطائفي عن عمرو بن دينار، وهو وإن كان صدوقًا، إلا أنه صاحب أوهام عن عمرو بن دينار.
وقد خالفه جماعة من أصحاب عمرو بن دينار في إسناد هذا الحديث، فقالوا جميعًا:
" عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن عبد الله بن عباس
[ ٢٨٣ ]
، عن رسول الله - ﷺ - ".
فدل ذلك؛ على أن عمرو بن دينار غير موافق في روايته لأبي الزبير عن جابر، وإنما هو يرويه بإسناد آخر يختلف عن إسناد أبي الزبير، فلا متابعة.
وممن رواه عن عمرو بن دينار؛ هكذا:
سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، وشعبة، وحماد بن زيد، وأيوب السختياني، وابن جريج، وهشيم بن بشير، وسعيد بن زيد، وأشعث بن سوار.
وقد خرجت أحاديثهم في كتابي " ردع الجاني " (١)، فراجعه.
مثال آخر:
وقد وقع نحو هذا الخطأ لمحمد بن مسلم الطائفي، في حديث آخر، يرويه أبو الزبير عن جابر أيضًا.
فقد روى: أبو الزبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ -، أنه قال: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق
صدقة.. " - الحديث.
أخرجه: مسلم (٣/٦٧) وابن خزيمة (٢٢٩٩) .
فرواه: محمد بن مسلم الطائفي، عن عمرو بن دينار، عن جابر - مثله.
أخرجه: عبد الرزاق (٤/١٤) وأحمد (٣/٢٩٦) وابن ماجه
_________________
(١) ص ١٤٩-١٥١) .
[ ٢٨٤ ]
(١٧٩٤) وعبد بن حميد (١١٠٣) وابن خزيمة (٢٣٠٤) (٢٣٠٥) .
فأوهم ذلك؛ أن عمرو بن دينار متابع لأبي الزبير، في رواية هذا الحديث عن جابر، عن رسول الله - ﷺ -.
وليس الأمر كذلك !
فقد رواه: عبد الملك بن جريج المكي، عن عمرو بن دينار، قال: سمعته - عن جابر بن عبد الله - عن غير واحد، عن جابر بن عبد الله، قال: فذكره موقوفًا عليه؛ غير مرفوع.
أخرجه: عبد الرزاق في "المصنف" (٤/١٣٩) والبخاري في "التاريخ الكبير" (١/١/٢٢٤) وابن خزيمة (٢٣٠٦) .
وقال البخاري:
"هذا أصح؛ مرسل".
وبهذا؛ يظهر أن عمرو بن دينار مخالف لأبي الزبير في رفع الحديث، وليس موافقًا له، كما زعم ذلك الطائفي عنه.
هذا؛ فضلًا عن أن عمرًا لم يسمعه من جابر، كما في رواية ابن جريج، وإنما أخذه عن غير واحد عنه.
ولهذا؛ قال ابن خزيمة:
"هذا الخبر لم يسمعه عمرو بن دينار من جابر".
ثم أسند رواية ابن جريج، ثم قال:
"هذا هو الصحيح، لا رواية محمد بن مسلم الطائفي؛ وابن جريج
[ ٢٨٥ ]
أحفظ من عدد مثل محمد بن مسلم".
ولهذا؛ لمَّا تعرض ابن عبد البر لرواية الطائفي هذه، أعلها بقوله (١):
"انفرد به محمد بن مسلم من بين أصحاب عمرو بن دينار، وما انفرد به فليس بالقوي" (٢) .
وبالله التوفيق.
_________________
(١) "التمهيد" (١٣/١١٦-١١٧) .
(٢) وتابع ابن جريج على وقف الحديث أبو جعفر الرازي، إلا أنه خالفه فوصله؛ جعله "عن عمرو، عن جابر"، ولم يذكر بينهما أحد. أخرج حديثه: البخاري في "التاريخ". وأبو جعفر الرازي؛ ضعيف، فتقبل موافقته، وترد مخالفته. هذا؛ وقول البخاري "مرسل"، هو على حقيقته، أي: منقطع؛ ووجهه: أن أكثر أهل العلم المتقدمين يرون أن قول الراوي: "عن رجل، عن فلان" هو من قبيل المرسل أو المنقطع، كما هو مبين في مبحث "المرسل" و"المنقطع" من كتب علوم الحديث؛ لاسيما كتاب الحاكم، ودليلهم في ذلك واضح، وهو أن الحكم بسماع راو معين من شيخ معين فرع من معرفتنا بهذا الراوي وهذا الشيخ، وعدم معرفتنا بالشيخ يمنع الحكم بسماع الراوي عنه منه. وانظر أيضًا: "العلل" لابن المديني (ص١٠١) . وقد وقع في إسناد بن جريج في "التاريخ" للبخاري تقديم واخير، أدى إلى خلل في الرواية، جعلها في صورة المتصل، مما اضطرني في كتابي "ردع الجاني" (ص١٥٣) إلى حمل قول البخاري "مرسل" على أنه بمعنى "موقوف". ثم تبين لي الصواب، وكان مما دلني على ذلك، رواية "المصنف" وكذا رواية "ابن خزيمة"، مع قوله عليها. وهذه فرصة، انتهزتها لتصحيح ما أخطأت فيه؛ لاسيما وأن ثمة أخًا لي تعرض في كتاب له في نفس موضوع كتابي لهذا الحديث، وقلدني في خطئي، من غير تحقيق. وبالله التوفيق.
[ ٢٨٦ ]