يُعرف حفظه وضبطه.
***
ولما كان الاعتبار عند المحدثين بهذا الشأن العظيم، بذله من أجله كل نفس ونفيس، وطاف البلدان، وسمعوا من أهل الأمصار، رغبة في تمييز الأحاديث، والوقوف على الصحيح منها والسقيم، ومعرفة ما أصاب فيه الرواة وما أخطئوا فيه.
فهذا؛ إمام واحد، من أجل اعتبار حديث واحد، طاف بلدنًا شتَّى، ودخل مدائن عدةً حتى وقف على علَّته، وهو الإمام شُعْبة بن الحجاج، عليه رحمة الله تعالى:
قال نصْر بن حمَّاد الورَّاق (١):
كنا قعودًا على باب شعبة؛ نتذاكر.
فقلت: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: كنا نتناوب رعيَّة الإبل على عهد رسول الله - ﷺ -، فجئتُ ذات يومٍ والنبي - ﷺ - حوله أصحابه؛ فسمعتُه يقول:
" من توضأ، فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتين فاستغفر الله؛ إلا غفر له".
_________________
(١) رواه: ابن حبان في "المجروحين" (١/٢٩)، وابن عبد البر في "التمهيد" (١/٤٨ـ ٤٩) والخطيب في "الرحلة" (٥٩) وكذا في "الكفاية" (ص. ٥٦٦ - ٥٦٧) والبيهقي في "القراءة خلف الإمام" (ص ٢٠٧ - ٢٠٨) .
[ ١١ ]
فقلت: بخٍ بخٍ !
فجذبني رجل من خلفي، فالتفتُّ؛ فإذا عمر بن الخطاب، فقال الذي قبل أحسن!
فقلت: وما قبل؟!
قال: قال: "من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله؛ قيل له: ادخل من أي أبواب الجنة شئت".
قال: فخرج شعبة؛ فلطمني، ثم رجع فدخل؛ فتنحَّيت من ناحية، قال: ثم خرج؛ فقال: ما له يبكي بعد؟!
فقال له عبد الله بن إدريس: إنك أسأت إليه!
فقال شعبة: انظر؛ ماذا تحدث! ! إن أبا إسحاق حدثني بهذا الحديث، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، قال: فقلنا لأبي إسحاق: من عبد الله بن عطاء؟ قال: فغضب، ومِسعرُ بن كِدَام حاضر، قال: فقلت له. لتصححن لي هذا، أو لأُحَرِّقن ما كتبتُ عنك! فقال مِسعر: عبد الله بن عطاء بمكة.
قال شعبة: فرحلت إلى مكة، لم أُرد الحج، أردت الحديث، فلقيت عبد الله بن عطاء، فسألته، فقال سعد بن إبراهيم حدثني فقال لي مالك بن أنس: سعد بالمدينة، لم يحج العام.
قال شعبة: فرحلت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم، فسألته، فقال الحديث من عندكم؛ زياد بن مِخراق حدثني.
قال شعبة: فلما ذكر زيادًا، قلت أيُّ شيءٍ هذا الحديث؟ ! بينما
[ ١٢ ]
هو كوفي، إذ صار مدنيًا، إذ صار بصريًا! !
قال: فرحلت إلى البصرة، فلقيت زياد بن مِحراق، فسألته، فقال: ليس هو من بابَتِك!
قلت: حدثني به. قال لا ترده! قلت: حدثني به.
قال حدثني شَهْر بن حَوشَب، عن أبي ريحانة، عن عقبة بن عامر، عن النبي - ﷺ -.
قال شعبة: فلما ذكر شهر بن حوشب، قلت: دمَّر هذا الحديث؛ لو صح لي مثل هذا عن رسول الله - ﷺ - كان أحب إلى من أهلي ومالي والناس أجمعين! !
وهذا إمام آخر، طاف نحو طَوَفان شعبة بن الحجاج، من أجل اعتبار حديث واحد أيضًا:
قال محمود بن غَيْلان (١): سمعت المؤمل ذُكر عنده الحديث الذي يُروى عن أُبيّ، عن النبي - ﷺ - في
"فضل القرآن"، فقال حدثني رجل ثقة - سماه ـ، قال: حدثني رجل ثقة - سماه - قال:
أتيت المدائن، فلقيت الرجل الذي يَروي هذا الحديث، فقلت له: حدِّثني؛ فإني أريد البصرة. فقال: هذا الرجل الذي سمعناه منه هو بواسط في أصحاب القصب!
_________________
(١) "الكفاية" للخطيب (ص ٥٦٧ - ٥٦٨)، و(شرح الألفية) للعراقي (١/٢٧٠ - ٢٧١)، وكذا "التقييد والإيضاح" له (ص ١٣٤)، و"النكت" لابن حجر (٢/٨٦٢)
[ ١٣ ]