واعلم! يا أخي الكريم - علمك الله الخير، وجعلك من أهله - أن ما كتبته في هذا الكتاب من بحوث وتحقيقات حول هذا الموضوع الهام والخطير، وما ذكرت من أمثلة لأخطاء وقع فيها بعض الأفاضل، لم أقصد بها شخصًا بعينه، ولا باحثًا بذاته، بل غاية قصدي، ونهاية هدفي: نصيحة إخواني المشتغلين بهذا العلم الشريف، وصيانتهم
من الوقوع في مثل ما وقع فيه غيرهم؛ فإن "الدين النصيحة؛ لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم "؛ كما قال رسول الله - ﷺ -.
ولو كان في وسعي، أن لا أسمي أحدًا، أو أشير إليه؛ لفعلت؛ لولا الخوف من أن أُنسب إلى الادعاء والتهويل.
ولولا آيتان في كتاب الله تعالى ما كتبت ما كتبت، ولا سطرت ما سطرت؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِين َيَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ
اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠] .
فلا يظنن أحد أنني قصدت من كتابي هذا، أو من الأمثلة التي ذكرتها فيه، التشهير بأصحابها، أو الانتقاص منهم أو من أقدارهم، أو أنسبهم إلى ما لا ينبغي،أن يُنسب إليه آحاد الناس؛ فضلًا عنهم، وهم إما عالم فاضل، وإما باحث مجتهد، وكلهم - فيما نحسب وحسابهم على الله - إنما يقصدون الحق، ويلتمسون سبيله، اللهم إلا
القليل جدًا ممن عُرف بنصرة البدعة ومناهضة السنة، فهؤلاء لم آل جهدًا في بيان حالهم، وكشف عوارهم.
[ ٦٦ ]
فليعلم من يبلغ به سوء الظن بأخيه إلى هذا الحد، أنني أبرأ إلى الله ﷿ من ذلك كله، وأبرأ إليه سبحانه من كل مَنْ ظن بي سوء، أو نسب إليّ ما أنا منه بريء.
وليحذر امرؤ أن يقف بين يدي أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وقد أتى بصلاة وصيام وزكاة، أتى وقد أساء الظن بأخيه، أو نسب إليه ما ليس فيه، فيؤخذ من حسناته وتُعْطَى لأخيه، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أُخذ من خطاياه، فطرحت عليه،
ثم طُرح في النار، نعوذ بالله من دار البوار.
فإياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث، وإن بعض الظن أثم، نعوذ بالله من حالة تقربنا إلى سخطه، وأليم عذابه.
وقولي في ذلك؛ ما قال الحافظ الخطيب البغدادي - رحمه الله تعالى - في كتابه العظيم "مُوضح أوهام الجمع والتفريق" (١)، الذي أفرده لبيان خطأ من أخطأ في هذا الباب ممن تقدمه.
قال الخطيب:
"ولعل بعض من ينظر فيما سطرناه، ويقف على ما لكتابنا هذا ضمناه؛ يُلحق سيء الظن بنا، ويرى أن عمدنا إلى الطعن على من تقدمنا، وإظهار العيب لكبراء شيوخنا وعلماء سلفنا؛ وأنى يكون ذلك؟ ! وبهم ذًُكرنا، وبشعاع ضيائهم تبصرنا، وباقتفائنا واضح رسومهم تميزنا، وبسلوك سبيلهم عن الهمج تحيزنا، وما مثلهم، ومثلنا إلا ما ذكر أبو عمرو بن العلاء؛ قال: "ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في
_________________
(١) "الموضح" (١/٥ - ٦) .
[ ٦٧ ]
أصول نخل طوال".
ولما جعل الله تعالى في الخلق أعلامًا، ونصب لكل قوم إمامًا؛ لزم المهتدين بمبين أنوارهم، والقائمين بالحق في اقتفاء آثارهم، ممن رزق البحث والفهم، وإنعام النظر في العلم بيان ما أهملوا، وتسديد ما أغفلوا.
إذ لم يكونوا معصومين من الزلل، ولا آمنين من مفارقة الخطأ والخطل، وذلك حق العالم على المتعلم، وواجب على التالي للمتقدم " اهـ.
ولست أدعي لنفسي عصمة من الزلل، ولا أمنًا من مفارقة الخطأ والخطل، فحق واجب على من وقف على خطأ، أو وقعت عينه على وهم، أو أداه اجتهاده ونظره إلى ما فيه مخالفة لي، أن يبذل لي النصيحة، مدعمة بالحجة القوية، ومقدَّمة بالأساليب السوية، وبالطريقة المرضية.
وإني - إن شاء الله تعالى - مرحب بكل ملاحظة ونقد، يصدر عن روية ونظر، وليس عن تعصب وهوى، وراجع عن كل خطأ وقعت فيه في حياتي وبعد مماتي.
والله من وراء القصد.
والحمد لله أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، والصلاة والسلام على عبده المصطفى، ورسوله المجتبى، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تابعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب
أبو معاذ طارق بن عوض الله بن محمد
[ ٦٨ ]