كالبخاري، ومسلم، وأبي
حاتم، وأبي زرعة، والنسائي، والدارقطني، وابن عدي، وغيرهم من الأئمة الكبار.
ومن تبعهم، وسار على دربهم، وضرب على منوالهم، ممن جاء بعدهم، من المبرِّزين من العلماء المتأخرين؛ كالذهبي، وابن حجر، وابن رجب، وابن عبد الهادي، وغيرهم؛ ﵏ جميعًا، ورضي عنهم أجمعين.
ولما كان هذا الباب من أبواب علم الحديث، بهذه المكانة الرفيعة وتلك المنزلة الشريفة، مع قلة من تأهل له، أو جمع آلاته، أو أخذ بأسبابه؛ كان مَدْحَضَةَ أفهام، ومزلة أقدام.
فإن المتابعات والشواهد، تعتريها ما يعتري أي رواية من العلل الظاهرة والخفية، ما قد يُفضي إلى اطراحها وعدم الاعتداد بها من باب الاعتبار، وإن كانت قبل ظهور هذه العلل فيها صالحة للاعتبار.
كما أن الحديث المتصل برجال ثقات، إذا ظهر فيه علة خفية، تبين أنه غير صالح للاحتجاج به، وإن كان قبل ظهور هذه العلة صالحًا لاحتجاج.
فمن الخطأ الجسيم، والخطر العظيم، الاكتفاء بظواهر الأسانيد، لتقوية بعضها ببعض، من غير الْتِفَات إلى العلل التي تعتريها، فتُسقِطها عن حد الاعتبار.
فإن الاغترار بظواهر الأسانيد، ليس من شأن العلماء العارفين، ولا من شيمة النقاد المحققين، بل هو سمة المقصرين في تعلم العلم ومعرفة
[ ٣٢ ]
أغواره، وصفة العاجزين عن مسايرة أهله، ومجاراة أربابه.
ولله در الشيخ الألباني - حفظه الله تعالى - حيث قال (١) بصدد حديث، اغتر البعض بظاهر إسناده:
"إن ابن حزم نظر إلى ظاهر السند، فصححه؛ وذلك مما يتناسب مع ظاهريته، أما أهل العلم والنقد، فلا يكتفون بذلك، بل يتتبعون الطرق، ويدرسون أحوال الرواة، وبذلك يتمكنون من معرفة ما إذا كان في الحديث علة أوْ لا؛ ولذلك كان معرفة علل الحديث من أدقِّ علوم الحديث، إن لم يكن أدقَّها إطلاقًا ".
قال أيضًا (٢):
" إن الحديث الحسن لغيره، وكذا الحسن لذاته، من أدقِّ علوم الحديث وأصعبها؛ لأن مدارهما على من اختلف فيه العلماء من رواته، ما بين موثق ومضعف، فلا يتمكن من التوفيق بينها، أو ترجيح قول على الأقوال الأخرى، إلا من كان على علم بأصول الحديث وقواعده، ومعرفةٍ قويةٍ بعلم الجرح والتعديل، ومارس ذلك عمليًا مدة طويلة من عمره، مستفيدًا من كتب التخريجات، ونقد الأئمة النقاد، عارفًا بالمتشددين منهم والمتساهلين، ومن هم وسط بينهم، حتى لا يقع في الإفراط والتفريط، وهذا أمر صعب، قل من يصير له، ويناله
ثمرته، فلا جرم أن صار هذا العلم غريبًا بين العلماء، والله يختص بفضله من يشاء".
_________________
(١) "الإرواء" (٦/٥٧ - ٥٨) .
(٢) "الإرواء" (٣/٣٦٣) . وكذا (١/١١) .
[ ٣٣ ]