الأحاديث الحسنة، أحاديث منكرة وباطلة، قد فرغ الأئمة من ردها.
فإن آفة الآفات في هذا الباب، ومنشأ الخلل الحاصل فيه من قِبل بعض الباحثين هو ممارسة الجانب العملي فيه استقلالًا من دون الرجوع إلى أئمة العلم لمعرفة كيفية ممارساتهم العملية.
فكما أن القواعد النظرة لهذا العلم تؤخذ من أهله المتخصصين فيه، فكذلك ينبغي أن يؤخذ الجانب العملي منهم؛ لا أن تؤخذ منهم فقط القواعد النظرية، ثم يتم إعمالها عمليًا من غير معرفة بطرائقهم في إعمالها وتطبيقها وتنزيلها على الأحاديث والروايات.
فإن أهل مكة أعلم بشعابها، وأهل الدار أدرى بما فيه، وإن أفضل مَنْ يطبق القاعدة هو من وضعها وحررها، ونظم شرائطها، وحدد حدودها.
فكان من اللازم الرجوع إلى كتب علل الحديث المتخصصة، والبحث عن أقوال أهل العلم على الأحاديث؛ لمعرفة كيفية تطبيقهم هم لتلك القواعد النظرية، التي يقوم عليها هذا الباب، ومعرفة فه تنزيلها على الروايات والأسانيد.
وليس هذا؛ جنوحًا إلى تقليدهم، ولا دعوة إلى تقديس أقوالهم، ولا غلقًا لباب الاجتهاد، ولا قتلًا للقدرات والملكات؛ بل هي دعوة إلى أخذ العلم من أهله، ومعرفته من أربابه، ودخوله في بابه وتحمله على وجهه.
فمن يظن، أنه بإمكانه اكتساب ملَكَةِ النقد، وقوة الفهم، وشفوف النظر، بعيدًا عنهم، وبمعزل عن علمهم، وبمنأى عن فهمهم؛ فهو
[ ٣٥ ]
ظالم لنفسه، لم يبذل لها النصح، ولم يبغ لها الصلاح والتوفيق، ولا أنزل القوم منازلهم، ولا قَدَرَهم أقَْدارهم.
فهم أهل الفهم، وأصحاب الملكات، وذوو النظر الثاقب، فمن ابتغى من ذلك شيئًا، فها هو عندهم، وهم أربابه، فليأْخذه منهم، وليأخذ بحظ وافر.
فمن تضلع في علمهم، واستزاد من خيرهم، وتشربهم من فقههم، واهتدى بهديهم، واسترشد بإرشادهم، سار على دربهم، وضرب على منوالهم؛ فهو الناصح لنفسه، المُبتغي لها الصلاح والتوفيق، وهو من السابقين بالخيرات بإذن الله تعالى.
ولله دَرُّ الحافظ ابن رجب الحنبلي، حيث أوضح في كلمات قلائل، أنَّ سبيل تحصيل المَلَكة، إنما هو مداومة النظر في مطالعة كلام الأئمة العارفين، للتفقه بفقههم، والتفهم بفهمهم.
يقول ابن رجب (١):
" ولا بد في هذا العلم من طول الممارسة، وكثرة المذاكرة، فإذا عَدِمَ المذاكرة به، فليُكثر طالبه المطالعة في كلام الأئمة العارفين؛ كيحيى القطان، ومن تلقى عنه كأحمد وابن المديني وغيرهما؛ فمن رُزِق مطالعة ذلك وفهمه، وفَقُهَتْ نفسه فيه، وصارت له فيه قوة نفس، ومَلَكة، صَلُحَ له أن يتكلم فيه".
_________________
(١) "شرح علل الترمذي" (٢/٦٦٤) .
[ ٣٦ ]
فاقنع بما قسم المليك،
قَسَم الخلائق بيننا علامُها
فهم السعاة إذا العشيرة أُفْظِعَت
وهم فوارسها، وهم حكامها
وهم ربيع للمجاور فيهم
والمرملات إذا تطاول عامها
وهم العشيرة أن يبَطِّىء حاسد
أو أن يلوم مع العدا لُوُّامها
هذا؛ وإن علامة صحة الاجتهاد، وعلامة أهلية المجتهد، هو أن تكون أغلب اجتهاداته وأحكامه وأقواله موافقة لاجتهادات وأحكام وأقوال أهل العلم المتخصصين، والذين إليهم المرجع في هذا الباب.
وإن علامة صحة القاعدة التي يعتمد عليها الباحث في بحثه، هو أن تكون أكثر النتائج والأحكام المتمخضة عنها على وفق أقوال أهل العلم وأحكامهم.
فكما أن الراوي لا يكون ثقة محتجًا به وبحديثه إلا إذا كانت أكثر أحاديثه موافقة لأحاديث الثقات، المفروغ من ثقتهم، والمسلَّم بحفظهم وإتقانهم؛ فكذلك الباحث لا يكون حكمه على الأحاديث ذا قيمة، إلا إذا جاءت أكثر أحكامه على الأحاديث موافقة لأحكام أهل العلم عليها.
[ ٣٧ ]
وبقدر مخالفته لأهل العلم في أحكامه على الأحاديث، بقدر ما يُعلم قدر الخلل في القاعدة التي اعتمد عليها، أو في تطبيقه هو للقاعدة، وتنزيلها على الأحاديث.
فمن وجد من نفسه مخالفة كثيرة لأهل العلم في الحكم على الأحاديث، فليعلم أن هذا إنما أُتي من أمرين، قد يجتمعان، وقد يفترقان.
أحدهما: عدم ضبط القاعدة التي بنى عليها حكمه على وفق ضبط أهل العلم لها.
ثانيهما: ضبط القاعدة نظريًا فقط، وعدم التفقه في كيفية تطبيقها، كما كان أهل العلم من الفقه والفهم والخبرة، بالقدر الذي يؤهلهم لمعرفة متى وأين تنزل القاعدة، أو لا تنزل.
فكان هذا من الدوافع القوية إلى الكتابة في هذا الموضوع؛ لبيان الشرائط التي اشترطها أهل العلم في قواعد هذا الباب، وخطر الإخلال بها؛ مع توضيح شيء من فقه الأئمة عند تطبيقهم لهذه القواعد، وتنزيلها على الأحاديث.
لاسيِّما؛ وأنه لا يكاد يوجد كتاب مستقل تناول هذا الباب من أبواب العلم، رابطًا فيه بين الجانب التقعيدي والجانب العملي التطبيقي؛ وإنْ كان فد صدرت في الآونة الأخيرة بعض الكتابات حول هذا الموضوع، إلا أنها تفتقد إلى حد بعيد الجانب العملي المتمثل في تطبيق العلماء المتخصصين لهذه
القواعد المتعلقة بهذا الباب.
[ ٣٨ ]