يتلاشى أثره، إذا كان الحديث له أصل ثابت قائم بنفسه يُرجع إليه.
فإن الحديث الصحيح لذاته أو الحسن لذاته ليس في حاجة إلى شاهد أو متابع يُقوي ثبوته، فما جاء له من شواهد ومتابعات غير ناهضة، ولا معتبرة، إن لم تنفعه لن تضره.
لكن؛ إنما يجيء الضرر، ويُوجد الخطر، حيث لا يكون لهذا الحديث أصل ثابت يُرجع إليه في بابه، بل كل رواياته ضعيفة، تدور على الرواة الضعفاء؛ فإن التساهل في اعتبار روايات مثل هذا الباب، وعدم تمييز ما ضعفه محتمل، وما هو منكر لا يحتمل؛ يُفضي إلى إقحام أحاديث منكرة وباطلة في الأحاديث الثابتة؛ وهذا ضرر كبير، وشر مستطير.
***
هذا؛ وإنما تركَزَت عنايتي في هذا الكتاب ببيان العلل التي تعتري الشواهد والمتابعات، فتُظهر جانب الخطأ فيها، وترجح جانب الرد لها، وتحقق نكارتها وشذوذها؛ فتوجب اطراحها، وعدم الاعتداد بها في باب الاعتبار.
ولم أتناول في هذا الكتاب ما يتعلق بشرائط الاعتداد المتابعة والحكم بما يقتضيه من تقوية الحديث، ودفع الخطأ عن راويه.
ففرق بين إثبات المتابعة، وبين الاعتداد بها والحكم بما تقتضيه.
فليس كل متابعة ثبتت إلى المتابع تصلح لدفع الخطأ عن المتابع، فمثلًا؛ قد تكون المتابعة من راوٍ كذاب أو متهم، وثبوت متابعة الكذاب أو
[ ٦٣ ]
المتهم لغيره، لا تكفي لدفع الوهم عن الغير.
فثبوت المتابعة؛ يشترط له أمور:
الأول: صحة الإسناد إلى المتابِع والمتابَع (١) .
الثاني: أن تكون الرواية محفوظة إليهما، وليس ذلك من خطأ بعض الرواة عنهما، أو أحدهما؛ فتكون منكرة لا أصل لها (٢) .
الثالث: أن يكون كل من المتابِع والمتابَع قد سمع هذا الحديث من الشيخ الذي اتفقا على روايته عنه.
أما إذا كان أحدهما - أو كلاهما - لم يسمع الحديث منه، فلا تثْبُت هذه المتابعة (٣) .
فهذه؛ هي شروط إثبات المتابعة، بصرف النظر عن كون هذه المتابعة مما ترقى إلى التقوية، فيعتد بها في دفع الخطأ عن المتابَع، أو لا.
فهذا؛ هو الذي اعتنيت به في هذا الكتاب خاصة، فقد أبرزت التي تعتري الشواهد والمتابعات، فتدل على عدم ثبوتها من أصلها، أما الشواهد الثابتة، والمتابعات المحفوظة، متى يُعتد بها في دفع التفرد، أو في تقوية الحديث، ومتى لا يعتد بها؛ فلم أتعرض لذلك في هذا الكتاب، وإنما هذا له كتاب آخر.
_________________
(١) انظر: "فصل: ثبت.. ثم انقش".
(٢) هذا الشرط؛ يدل عليه أكثر فصول هذا الكتاب.
(٣) انظر: "فصل: التدليس.. والمتابعة"، والفصول التي بعده، وكذا الفصل الذي قبله.
[ ٦٤ ]
فالمرسل - مثلًا ـ: ما هي شرائط تقويته؟ وهل يشترط في مُرْسِلِه أن يكون من كبار التابعين أم لا؟ وهل يتقوى بالمسند الضعيف أم لا؟ وهل المنقطع والمعضل مثل المرسل في ذلك أم لا؟ وهل الموقوف يقوي المرفوع الضعيف أم لا؟ ومتى تنفع متابعة سيء الحفظ لمثله، ومتى لا تنفع؟ وهل يتقوى الحديث بالقياس أم لا؟ وهل المجهول يعتد بمتابعته أم لا؟ فكل هذا، وما كان بسبيله، لم أتعرض له في هذا الكتاب؛ ولعلي أفرد له كتابًا خاصًا.
وبالله التوفيق.
***
هذا؛ وإن مما أحب أن أنبه عليه، هو: أن هذه الروايات التي سقتها في أثناء فصول الكتاب، كأمثلة على الأخطاء التي يقع فيه الرواة، في الأسانيد أو المتون، فتفضي إلى اطِّراح هذه الروايات، وعدم الاعتبار بها.
إن الحكم على هذه الروايات بالخطأ والنكارة، لا يستلزم ضعف المتن الذي رُوي بهذه الأسانيد؛ لاحتمال أن يكون صحيحًا ثابتًا، ولكن من وجه آخر أو وجوه أخرى.
فالأحكام التي ذكرتها، إنما تتعلق بتلك الأسانيد فحسب، وهي غير ضارة أصل الحديث، وإن كان له إسناد آخر صحيح أو حسن، أو له م الشواهد المعتبرة والكافية، ما يُغني عن هذا الإسناد المنكر الخطأ.
[ ٦٥ ]