فلم يرجع عنها، فاستخرت الله وتركت الرواية عنه.
***
ومع ما حباهم الله ﷿ به من سعة في الحفظ، ودقة في النقد، وصحة في النظر، وقوة في البحث، وصدق في الرأي؛ ما كانوا يتفردون بالقول، ولا يستقلون بالحكم، بل كانوا يرجعون إلى من هم أعلم منهم، ويسألون من تقدمهم، ويستشيرون من رُزق الذي رُزقوا؛ أهل العلم والحفظ والفهم.
يقول الإمام مسلم - عليه رحمة الله (١):
"عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار أن له علة؛ تركته، وكل ما قال: إنه صحيح وليس علة؛ أخرجته".
وقصَّتُهُ مع الإمام البخاري حيه جاءه يسأله عن علة حديث كفارة المجلس، فيها من العبرة لمن بعده، ما لا يوجد في غيرها.
قال أبو حامد الأعمش الحافظ، وهو: أحمد بن حمدون (٢):
كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري - بنيسابور ـ، فجاء مسلم بن الحجاج، فسأله عن حديث: عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر: بعثنا رسول الله - ﷺ - في سرية، ومعنا أبو عبيدة - فساق الحديث بطوله.
_________________
(١) "صيانة صحيح مسلم" لابن الصلاح (ص ٦٧) .
(٢) انظر "الإرشاد" للخليلي (٣/٩٦٠ - ٩٦١) و"السنن الأبين" لان رشيد السبتي (ص ١٢٤ - ١٢٦) و"المعرفة" للحاكم (ص ١١٣ - ١١٤) و"تاريخ بغداد" (٢/٢٨ - ٢٩) (١٣/١٠٢ـ١٠٣) و"النكت على ابن الصلاح" (٢/٧١٦ـ٧٢٠) ..
[ ٢٤ ]
فقال محمد بن إسماعيل: حدثنا ابن أبي أويس: حدثني أخي أبو بكر، عن سليمان بن بلال، عن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر - القصة بطولها.
فقرأ عليه إنسان: حديث: حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن موسى بن عقبة: حدثني سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، قال: "كفارة المجلس واللغو " - الحديث.
فقال مسلم: في الدنيا أحسن من هذا الحديث! ! ابن جريج، عن موسى بن عقبة، عن سيلٍ! ! يُعرف بهذا الإسناد حديث في الدنيا؟ ! .
فقال محمد بن إسماعيل: إلا أنه معلول!
قال مسلم: لا إله إلا الله - وارتعد ـ؛ أخبرني به؟ ! !
قال استُر ما ستر الله! هذا حديث جليل؛ رَوَى عن حجاج بن محمد الخَلْقُ، عن ابن جريج!، فألح عليه، وقَبَّل رأسه، وكاد أن يبكي!
فقال: اكْتُبْ؛ إن كان ولا بد: حدثني موسى بن إسماعيل: حدثنا وُهَيْب: حدثنا موسى بن عقبة، عن عون بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "كفارة المجلس".
فقال مسلم: لا يبغضك إلاحاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك! وفي رواية:
[ ٢٥ ]