حفظه
١١- حفظه وإمامته
الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ قد لمع في الحفظ منذ صغره، وتميز به على سائر أقرانه، كما أنه تصدّر للإمامة في حياته في شتى العلوم، ويدرك القارئ لترجمته بوضوح أنه:
"محدّث، حافظ، فقيه، مقرئ، أخباري، لُغَوي ".
حفظه:
أما الحفظ فقد بلغ فيه مبلغا عجيبا وانفرد به بين أهل عصره، واشتهر به لدى العلماء وطلاب العلم، والمؤرخين، حتى لا تكاد تجد أحدا يترجم له أو يذكره مثنيا عليه إلا يقول عنه: الإمام الحافظ المشهور، أو حافظ العصر، أو الحافظ ونحو ذلك:
[ ٤١ ]
١- قال ابن الجزري فيه:
"" الإمام الحافظ أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ البغدادي صاحب التصانيف، وأحد الأعلام الثقات """١".
٢- وقال ابن تَغْرِي بَرْدَى عنه:
""الحافظ المشهور"""٢".
٣- وقال الحاكم أبو عبد الله:
""صار الدَّارَقُطْنِيّ أوحد عصره في الحفظ، والفهم، والورع، وإماما في القراء والنحويين، وفي سنة ست وسبعين أقمت ببغداد أربعة أشهر، وكثر اجتماعنا بالليل والنهار فصادفته فوق ما وصف لي، وسألته عن العلل والشيوخ، وأشهد أنه لم يخلِّف على أديم الأرض مثله"""٣".
٤- وذكره ابن الجوزي في كبار الحفاظ فقال:
""وكان فريد وقته في الحفظ، والإتقان، ومعرفة النقل"""٤".
٥- وقال الحافظ ابن كثير:
"" وكان من صغره موصوفًا بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر ""٥.
_________________
(١) "١" "غاية النهاية ": ١/٥٥٨. "٢" "النجوم الزاهرة": ٤/١٧٢. "٣" "طبقات الشافعية الكبرى": ٢/٣١٠-٣١١. "٤" رسالة: "ذكر كبار الحفاظ": ق١٣٩. "٥" "البداية والنهاية": ١١/٣١٧.
[ ٤٢ ]
٦- وقال فيه تاج الدين السبكي:
""الإمام الجليل أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ البغدادي الحافظ المشهور الاسم، صاحب التصانيف، إمام زمانه، وسيد أهل عصره، وشيخ أهل الحديث"""١".
٧- وترجم له الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ" فقال:
""أ - الإمام، شيخ الإسلام، حافظ الزمان، أبو الحسن الحافظ الشهير، صاحب السنن"""٢".
ب- وقال الذهبي أيضًا تعليقًا على حكاية البَرْقانِيّ أن الدَّارَقُطْنِيّ كان يملي عليه كتاب العلل من حفظه:
""قلت: إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه"٣" الدَّارَقُطْنِيّ من حفظه -كما دلت عليه هذه الحكاية- فهذا أمر عظيم يُقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا، وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن، وقد جمع قبله كتاب العلل علي بن المديني حافظ زمانه"""٤".
جـ- وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" معلقًا على ذلك:
""قلت: وهذا شيء مدهش: كونه كان يملي العلل من حفظه، فمن أراد أن يعرف قدر ذلك فليطالع كتاب العلل للدارقطني ليعرف [كيف] "٥" كان الحفاظ"""٦".
_________________
(١) "١" "طبقات الشافعية الكبرى": ٢/٣١٠. "٢" "التذكرة": ٣/٩٩١. "٣" في الأصل: "أملى"، وهو خطأ. "٤" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق٥٢٣. "٥" زيادة من عندي ليستقيم الكلام. "٦" "تاريخ الإسلام": جـ٥ ق٥.
[ ٤٣ ]
د- وقال أيضًا: ""قال أبو الحسن العَتِيقي: حضرت أبا الحسن وجاءه أبو الحسين بغريب ليقرأ له شيئا فامتنع واعتلّ ببعض العلل، فقال: هذا غريب، وسأله أن يملي عليه أحاديث، فأملى عليه أبو الحسن من حفظه مجلسا تزيد أحاديثه على العشرين متنا، جميعًا: "نعم الشيء الهدية أمام الحاجة".
قال: فانصرف الرجل ثم جاء بعدُ وقد أَهْدَى له شيئًا، فقرّبه وأملى عليه من حفظه سبعة عشر حديثًا، متون جميعها: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه".
قال الذهبي: ""قلت: هذه حكاية صحيحة رواها الخطيب عن العَتِيقي، وهي دالة على سعة حفظ هذا الإمام، وعلى أنه لوّح بطلب شيء، وهذا مذهب لبعض العلماء، ولعل الدَّارَقُطْنِيّ كان إذ ذاك يحتاجه، وكان يَقبل جوائز دعلج السَّجَزِي وطائفة، وكذا وصله الوزير ابن حنزابة بجملة من الذهب لما خرّج له المسند"""١".
هـ- وقال الذهبي أيضًا معلقًا على قصة إملائه على الغريب:
""قلت: هنا يخضع للدارقطني ولسعة حفظه الجامع لقوة الحافظة، ولقوة الفهم والمعرفة، وإذا شئت أن تبين براعة هذا الإمام الفرد فطالع "العلل" له فإنك تندهش ويطول تعجبك"""٢".
قلت: حقا إن العجب والدهشة من حفظه لا ينتهيان، سواء بالنظر إلى كلام الأئمة فيه واعترافهم له بذلك، بل دهشتهم منه، كما هو واضح مما
_________________
(١) "١" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق٥٢٣. "٢" "تذكرة الحفاظ": ٣/٩٩٣،٩٩٤.
[ ٤٤ ]
نقلته هنا عن الإمام الحافظ الذهبي، وكما نقل ذلك القاضي أبو الطيب طاهر
ابن عبد الله الطبري بقوله:
"" وما رأيت حافظًا ورد بغداد إلا مضى إليه، وسلّم له. يعني فسلّم له التقدمة في الحفظ، وعلو المنزلة في العلم"""١".
أو بالنظر إلى مؤلفاته التي تعتمد على الفهم والحفظ، ككتاب: العلل الأفراد، والسنن، وغيرها.
وقولة الإمام الدَّارقُطنيّ: "يا أهل بغداد: لا تظُنّوا أن أحدًا يقدر أن يكذب على رسول الله ﷺ وأنا حيٌّ""٢".
فلقد عبَّر الإمام الدَّارقُطْني، نفسه، بهذه اللفظة، تعبيرًا غير مباشرٍ عن مقدار ما وصل إليه من الحفظ، ومقدار ما وصل إليه مِن الشفافية والحِسّ الإيمانيّ في الدفاع عن السّنة-رحمه الله تعالى-.
_________________
(١) "١" "تاريخ بغداد": ١٢/٣٦. "٢" "فتح المغيث"، للسخاوي: ١/٢٤١. وقد علّق على هذا القول فضيلة الشيخ: عبد الرزاق عفيفي-رحمه الله تعالى- في المناقشة، قائلًا: هذه مبالغة. قلتُ: لا يُراد مِن هذا القول الحرفية، وإنما تأكيد تجلُّدِ الإمام الدارقطني لمهمته هذه، وتأكيد أهليته لها، وذلك، في نظري، شفافية في هذا الباب تُعَدُّ مفخرةً مِن مفاخر الإسلام وعلمائه؛ فالحمد لله على ذلك وعلى سائر نِعِمِه!.
[ ٤٥ ]