١٥- أقوال الأئمة فيه
ينقسم الكلام هنا إلى قسمين:
١- ثناؤهم عليه. ٢- ما قيل فيه من المثالب.
أولًا: ثناؤهم عليه
تقدم جمهرة من ثناء الأئمة عليه في إمامته وحفظه، وسأنقل في هذا المبحث طرفا من تعديل العلماء والأئمة للدارقطني وتوثيقهم له، ووصفهم له بالإمامة، بل إقرارهم بذلك.
أ - أقوال الأئمة المعاصرين له:
١- قال الحاكم:
""حجّ شيخنا أبو عبد الله بن أبي ذُهل، فكان يصف حفظه وتفرده بالتقدم في سنة ثلاث وخمسين، حتى استنكرت وصفه، إلى أن حججت سنة سبع وستين"٢"، فجئت بغداد، وأقمت بها أَزْيَدَ من أربعة أشهر،
_________________
(١) "٢" الإمام الذهبي وهَّم الحاكم في هذا التأريخ، وقال: "إنما دخل سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة، وسِنّ أبي الحسن خمس وثلاثون سنة". "سير أعلام النبلاء": ج١٠ ق٥٢٠.
[ ٩٣ ]
وكثر اجتماعنا بالليل والنهار، فصادفته فوق ما وصفه ابن أبي ذُهل، وسألته عن العلل والشيوخ """١".
٢- و"ثبت عن السِلَفِيّ عن أبي الفضل محمد بن طاهر المقْدِسِيّ، عن الحسين العلوي، عن القاضي أبي الطيب الطبري، قال: رأيت الحاكم أبا عبد الله النيسابوري بين يدي أبي الحسن علي بن عمر الدَّارَقُطْنِيّ يسأله عن أشياء، فلما خرجنا من عنده قال: ما رأيت مثله""٢".
٣- وقال أبو عبد الرحمن السُّلَمِيّ -فيما نقله عنه الحاكم-:
""شهدتُ بالله أن شيخنا الدَّارَقُطْنِيّ لم يخلّف على أديم الأرض مثله في معرفة حديث رسول الله ﷺ، وكذلك الصحابة، والتابعين، وأتباعهم"""٣".
٤- وقال الحافظ عبد الغني الأزدي:
""أحسن الناس كلاما على حديث رسول الله ﷺ ثلاثة: علي بن المَدِيني في وقته، وموسى بن هارون في وقته، والدَّارَقُطْنِيّ في وقته"""٤".
٥- وقال أبو محمد رجاء بن محمد بن عيسى الأنضاوي المعدَّل:
""سألت أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ فقلت له: رأى الشيخ مثل نفسه؟ فقال لي: قال الله تعالى: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ﴾ "٥".
_________________
(١) "١" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق٥٢١. "٢" "طبقات الشافعية"، لابن الصلاح: ق٦٧ب. "٣" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق٥٢٣-٥٢٤. "٤" "وفيات الأعيان": ٣/٢٩٨. "٥" ٣٢: النجم: ٥٣.
[ ٩٤ ]
فقلت له: لم أُرِدْ هذا، وإنما أردت أن أَعْلَمَهُ لأقول: رأيت شيخا لم ير مثله.
فقال لي: إن كان في فنٍّ واحد فقد رأيت مَنْ هو أفضل مني، وأما من اجتمع فيه ما اجتمع فيّ فلا"""١".
ب- أقوال مَنْ جاء بعده من الأئِمة:
٦- قال الحافظ الخطيب البغدادي:
""وكان فريدَ عصره، وقريع دهره، ونسيج وحده، وإمام وقته، انتهى إليه علم الأثر والمعرفة بعلل الحديث، وأسماء الرجال، وأحوال الرواة، مع الصدق والأمانة، والفقه والعدالة، وقبول الشهادة، وصحة الاعتقاد، وسلامة المذهب، والاضطلاع بعلوم سوى علم الحديث، منها: القراءات ومنها المعرفة بمذاهب الفقهاء، ومنها أيضًا المعرفة بالأدب والشعر """٢".
٧- وقال الحافظ الذهبي:
""الإمام الحافظ المجوّد، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن"""٣".
٨- وقال ابن الجَزَري المقرئ:
"" صاحب التصانيف وأحد الأعلام الثقات """٤".
٩- وقال الحافظ ابن كثير:
""الحافظ الكبير أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع
_________________
(١) "١" "تاريخ بغداد": ١٢/٣٥. "٢" "تاريخ بغداد": ١٢/٣٤-٣٥. "٣" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق٥١٩. "٤" "غاية النهاية في طبقات القراء": ١/٥٥٨.
[ ٩٥ ]
الكثير، وجمع وصنّف وألّف، وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحُسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية والاطلاع التام في الدراية """١".
قلت: فأمر أبي الحسن في الثقة والعدالة، والحفظ، والإمامة، وأوضح من أن يحتاج إلى هذا النقل، وأظهر من إيراد الدليل، وقد ثبت ذلك بطريق الشهرة والاستفاضة.
وهو من الأئمة الذين يُسألون عن الناس، ولا يَسأل الناسُ عنهم، وقد قال غير واحد من أئمة الجرح والتعديل عندما سئلوا عن بعض الأئمة: فلان يسأل عنه؟!!.
أو فلان لا يُسأل عنه، بل هو يُسأل عن الناس.
وإنما أوردت ما أوردته من باب التأكيد، أو من باب ذكر أهل الفضل بالفضل.
_________________
(١) "١" "البداية والنهاية": ١١/٣١٧.
[ ٩٦ ]