تذكر المصادر أن الدَّارَقُطْنِيّ رحل من بغداد في كبر سنه إلى بعض البلدان الإسلامية لطلب العلم، لكنه في الواقع قد أفاد الطلاب والعلماء في البلدان التي رحل إليها أيّما إفادة.
فرووا عنه وسمعوا منه الكثير، وتذاكر معهم في الحديث ومسائله ورجاله حتى كان يعزّ على أهل البلد المزور فراق الإمام الحافظ الدَّارَقُطْنِيّ عند خروجه إلى بلد آخر، ﵀، ويظهر هذا الأمر واضحا في زيارته للكوفة وزيارته لمصر.
[ ٣٧ ]
البلدان التي رحل إليها:
والأماكن التي رحل إليها، قد ذُكِرت مفرقة في مواضع من ترجمته، وفيما يلي ما وقفت عليه من ذلك:
١- الكوفة. ٢- البصرة.
٣- واسط. ٤- دمشق.
٥- الشام. ٦- مصر.
٧- مكة "عندما حَجَّ". ٨-خوزستان"١".
٩- فلسطين، والرملة، وغيرها.
قال الحاكم: ""دخل الدَّارَقُطْنِيّ الشام ومصر على كبر السنّ، وحج واستفاد وأفاد """٢".
رحلته إلى دمشق:
عندما ذهب إلى مصر "قدم دمشق مجتازا إلى مصر وحدّث بها".
فروى عنه من أهلها:
تمّام بن محمد، وأبو نصر بن الجندي ، وأبو الحسن بن السِّمْسار، وأبو الحسين الميداني، ومكي بن محمد بن العمر، وأبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الطيّان"""٣".
_________________
(١) "١" ذكر رحلته إلى "خوزستان" الحافظ ابن نقطة في "الاستدراك": ق٤أ. "٢" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠/ق٥٢٣،٥٢٤. "٣" "تاريخ دمشق": جـ٢٢ ق٢٤٠أ.
[ ٣٨ ]
رحلته إلى مصر:
رحل الإمام الدَّارَقُطْنِيّ بعد الشام إلى مصر لطلب العلم والسماع من أهلها، فأقام بها زمنا.
وقد ساعد الوزير أبا الفضل جعفر بن حنزابة وزير كافور الأخشيدي على تأليف مسنده، واشترك معه في ذلك الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي.
وكافأ الوزيرُ الإمامَ الدَّارَقُطْنِيّ بمال جزيل، على أن الدافع لهذه الرحلة ليس هو مساعدة الوزير أو قصد الوزير كما تقول بعض المراجع على ما سيأتي"١".
وحرص المصريون على لقائه والسماع منه -كما تدل عليه قصة قراءته كتاب النَّسَب على مسلم بن عبيد الله"٢"- وممن سمع منه بمصر الحافظ عبد الغني بن سعيد الأزدي وخلق كثير.
وكذلك فإن الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ قد تنقل بين مدن مصر متتبعا للعلماء للسماع منهم، إذْ يذكر الإمام الذهبي في "تذكرة الحفاظ" أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ قد ارتحل إلى "تنيّس" للسماع من الحافظ أبي بكر محمد بن علي النقاش نزيل تنيّس، وكان منزويا بها فسمع منه"٣".
ولما خرج من مصر حزن عليه الناس، وتألموا لفراقه.
قال الصُّوري أبو عبد الله محمد بن علي الحافظ: ""قال لي أبو الفتح
_________________
(١) "١" انظر: ما قيل فيه من المثالب. "٢" انظرها في: "إمامته في اللغة والأدب والتاريخ" الآتي بعدُ. "٣" انظر: "التذكرة": ٣/٩٥٨.
[ ٣٩ ]
منصور بن علي الطرسوسي -وكان شيخا صالحا-: لما أراد أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ الخروج من عندنا من مصر خرجنا نودعه، فلما ودعناه بكينا، فقال لنا: تبكون؟!.
قلنا: نبكي لما فقدناه من علمك وعدمناه من فوائدك. فقال: تقولون هذا وعندكم عبد الغني، وفيه الخلف؟. أو كما قال"""١".
ملاحظة:
رحلات الدَّارَقُطْنِيّ إلى البلدان التي سبق ذكرها عرفتها من تتبع تراجمه في الكتب، ومن تتبع كتابه "السنن"، لأنه يقول أحيانًا: حدثني فلان بمكة أو بالرملة أو بواسط إلخ.
ولم أجد شيئًا عن خبر زياراته لتلك البلدان وتواريخها ومدة إقامته بكل بلد، وماذا حصل له من الأمور العلمية فيه، إلا ما صار بينه وبين عبد الغني من لقاء وإفادة بمصر.
وقد كانت الرحلة في زمنه ﵀ صعبة، لعدم وجود الأسباب المادية، ولتباعد المسافات بين تلك الأقطار، وهذا أمر عظيم يُبرز لنا مقدار ما كان يبذله العلماء الصادقون في الحفاظ على سنة المصطفى ﷺ.
وإذا أضفنا إلى هذه الرحلاتِ التي قام بها هذا الإمام إقامتَهُ ببغداد أدركنا أن الحافظ الدَّارَقُطْنِيّ كأنما قضى جلّ حياته في الترحال في طلب الحديث، ذلك أنه عاش في بغداد مركز العلم والعلماء، وقَلْب العالم الإسلامي في ذلك
_________________
(١) "١" "الاستدراك"، لابن نقطة: ق٣ب.
[ ٤٠ ]
الوقت، الذي تهفو إليه قلوب طلاب العلم الشرعي.
وإن نظرة سريعة فيما دوّنه الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد"
من تراجم العلماء كمًّا وكيفًا، يدرك الباحث كم كان يقطن بغداد من العلماء!! وكم كان يرحل إليها!! ومَنْ كان يرحل إليها!! إنهم مشاهير العلماء وكبار المحدثين.
ومنهم من يطيب لهم المقام بين الحديث وأهله في بغداد سنين طويلة.
فيظهر بهذا أن الرحلة من بغداد إلى سواها تُعدّ رحلة ليست أربح من البقاء فيها، لذلك لم يقدم الدَّارَقُطْنِيّ على الرحلة إلى غير مدينته بغداد إلا بعد أن كبرت سِنّهُ. والله أعلم.
[ ٤١ ]