أخذ الدَّارَقُطْنِيّ عن أهل بغداد -وعلماؤها كثيرون في زمنه- وعن الراحلين إليها -وهم كثير أيضًا- ثم رحل إلى تلك الأقطار المتعددة التي سبق ذكرها.
ولم يُذكر أنه صنّف معجما لشيوخه ﵀، فإذا أردتُ أن أقدّر عددهم، فأُرَى أنهم لا يقلّون عن ألف شيخ.
وكان عصره يكتظ بالأئمة الأعلام في شتى العلوم: في القرآن، والحديث واللغة، والنحو، والأدب، والشعر، وغير ذلك.
وفي عصره دُوِّنت الأمهات الست، وأُلّف فيه العديد من المؤلفات في سائر الفنون على أيدي أئمتها.
لهذا كان نصيب الدَّارَقُطْنِيّ في السماع من أولئك الأعلام نصيبًا وافرًا، ويظهر هذا من قائمة أسماء شيوخه، وكم فيها من حافظ وإمام، وقد ترجم
[ ٥٣ ]
الحافظ الذهبي لبعضهم في "تذكرة الحفاظ"، وترجم أيضًا الخطيب البغدادي لكثير منهم في "تاريخ بغداد".
وقد تتبعتُ شيوخه الذين روى عنهم في كتاب "السنن"، ورتبتهم على حروف المعجم، سأذكرهم قريبًا.
ولا بدّ من الإشارة في هذا المقام إلى أن الإمام الدَّارَقُطْنِيّ لا يتحرى في الرواية شيوخا معينين كأن لا يروي إلا عن ثقة أو نحو ذلك، بل كان يروي عن الثقات وعن غيرهم، بل يروي أحيانا عن المتروكين ويسكت، وقد حصل له هذا في كتاب "السنن" كثيرًا.
ومن الأمثلة على هذا: سكوته على "سليمان بن عبد العزيز بن أبي ثابت" في ١/٣٠٢، مع أنه عنده متروك، وسكوته على "أحمد بن الحسن المقرئ" في ١/٣٠٢، وهو عنده ليس بثقة، وسكوته على "أبي الطاهر أحمد
ابن عيسى" في ١/٣٠٥ وهو عنده كذّاب، وغير ذلك كثير، وإنما يفعل الإمام الدَّارَقُطْنِيّ هذا اعتمادًا على معرفة أهل العلم في وقته لحال الرواة، والذي أراه أن هذا المسلك لا يجوز بأي حالٍ، لما يحصل بسببه من غَرَرٍ ومفاسد، فلابد من البيان.
وأذكر فيما يلي شيوخ الدَّارقطني في سننه.
[ ٥٤ ]