طبع منه بعضه في أحد عشر جزءًا، انتهى الجزء الحادي عشر بآخر ما سئل عنه من حديث أبي سعيد الخدري؟، بنهاية السؤال رقم ٢٣٣٦"١".
كتاب كبير الحجم، غزير النفع، جمع في بابه فأوعى، إلا أنه يحتاج إلى ترتيب ليسهل الرجوع إليه، والإفادة منه، لأنه رتبه البَرْقانِيّ على المسانيد من غير مراعاة الترتيب المعجمي، ولو رتب على حروف المعجم لما أمكن الإفادة منه، إلا إن رتب على أبواب الفقه، وفهرست أحاديثه على حروف المعجم، وكذلك الرجال المتكلم فيهم جرحًا وتعديلًا. ويقع الكتاب في أربع مجلدات خطية كبيرة.
وذكره العلماء كثيرا، وورد ذكره في معظم كتب المصطلح كمقدمة ابن الصلاح وغيره.
هو من أجود كتب العلل، لكنه أجمعها:
قال الإمام البلقيني:
""وأجلّ كتاب في العلل، كتاب: "الحافظ ابن المديني"، وكذلك كتاب:
_________________
(١) "١" بتحقيق د. محفوظ الرحمن بن زين الله الهندي، الرياض، دار طيبة، ط. الأولى، وقد نُشر الجزء الأول منه سنة ١٤٠٥هـ-١٩٨٥م، والجزء الحادي عشر سنة ١٤١٦هـ-١٩٩٦م.
[ ٢٠٤ ]
"ابن أبي حاتم"، وكتاب: "العلل" للخلال، وأجمعهما كتاب الحافظ الدَّارَقُطْنِيّ"""١".
وقال ابن الصلاح في كتب العلل التي ينبغي لطالب الحديث أن يعتني بها:
""ومن أجودها "كتاب العلل" عن أحمد بن حنبل، و"كتاب العلل" عن الدَّارَقُطْنِيّ"""٢".
وقال ابن الصلاح أيضًا:
""وبلغنا عن أبي عبد الله الحميدي الأندلسي "أنه قال ما تحريره: ثلاثة أشياء من علوم الحديث يجب تقديم التهمم بها:
١- العلل، وأحسنُ كتابٍ وُضع فيه: كتاب الدَّارَقُطْنِيّ إلخ"""٣".
وقال الحافظ ابن كثير:
""ومن أحسن كتاب وضع ذلك وأجلّه وأفحله "كتاب العلل" لعلي بن المديني، شيخ البخاري، وسائر المحدثين بعده، في هذا الشأن على الخصوص، وكذلك "كتاب العلل" لعبد الرحمن بن أبي حاتم، وهو مرتب على أبواب الفقه، و"كتاب العلل" للخلاّل، ويقع في مسند الحافظ أبي بكر البزّار من التعاليل ما لا يوجد في غيره من المسانيد.
وقد جمع أزمّة ما ذكرناه كله الحافظ الكبير أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، في كتابه
"١" "محاسن الاصطلاح ": ٢٠٣.
"٢" "علوم الحديث"، لابن الصلاح "المذيلة بمحاسن الاصطلاح: ص٣٧٣".
_________________
(١) "٣" "علوم الحديث"، لابن الصلاح: ٥٧٨.
[ ٢٠٥ ]
في ذلك، وهو من أجلّ كتاب، بل أجلّ ما رأيناه وضع في هذا الفن، لم يسبق إلى مثله، وقد أعجز من يريد أن يأتي بعده، فرحمه الله، وأكرم مثواه.
ولكن يُعْوِزُه شيء لابد منه، وهو أن يرتب على الأبواب، ليقرب تناوله للطلاب، أو أن تكون أسماء الصحابة الذين اشتمل عليهم مرتّبين على حروف المعجم، ليسهل الأخذ منه، فإنه مبدّد جدًّا، لا يكاد يهتدي الإنسان إلى مطلوبه منه بسهولة. والله الموفق"""١".
طريقة تأليفه:
وطريقة تأليف كتاب العلل هذا من دلائل حفظ الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀، ذلك أنه أملاه من حفظه على تلميذه الإمام الحافظ أبي بكر البَرْقانِيّ، روي عن القاضي أبي الطيب الطبري قال: ""وسألت البَرْقانِيّ: قلت له: كان أبو الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يملي عليك العلل من حفظه؟ فقال: نعم، ثم شرح لي قصة جمع العلل فقال: ""كان أبو منصور بن الكرخي"٢"، يريد أن يصنّف مسندًا معللا، فكان يدفع أصوله إلى الدَّارَقُطْنِيّ يعلّم"٣" له على الأحاديث المعللة ثم يدفعها أبو منصور إلى الورّاقين، فينقلون كل حديث منها في رقعة فإذا أردت تعليق كلام الدَّارَقُطْنِيّ على الأحاديث نظر فيها أبو الحسن، ثم أملى عليّ الكلام من حفظه، فيقول: حديث الأعمش عن وائل، عن عبد الله
_________________
(١) "١" "اختصار علوم الحديث"، لابن كثير: ص٦٤-٦٥. "٢" هو إبراهيم بن الحسين بن حَمْكان. "٣" في الأصل: "يتعلم"، وهو تصحيف.
[ ٢٠٦ ]
ابن مسعود، الحديث الفلاني، اتفق فلان وفلان على روايته، وخالفهما فلان، ويذكر جميع ما في ذلك الحديث.
فأكتب كلامه في رقعة مفردة، وكنت أقول له: لِمَ تنظر -قبل إملائك الكلام- في الأحاديث؟.
فقال: أتذكّر ما في حفظي بنظري.
ثم مات أبو منصور والعلل في الرقاع، فقلت لأبي الحسن بعد سنين من موته: إني قد عزمت على أن أنقل الرقاع إلى الأجزاء، وأرتبها على المسند؛ فأَذن لي في ذلك.
وقرأتها عليه في كتابي، ونقلها الناس من نسختي"""١".
وقد مضت أمثلة كثيرة منه في "المبحث الثاني" من هذا الفصل.
قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى:
""قلت: إن كان كتاب العلل الموجود قد أملاه الدَّارَقُطْنِيّ من حفظه كما دلت هذه الحكاية فهذا أمر عظيم يُقضى به للدارقطني أنه أحفظ أهل الدنيا، وإن كان قد أملى بعضه من حفظه فهذا ممكن.
_________________
(١) "١" "تاريخ دمشق"، لابن عساكر: جـ٢٢ ق ٢٦٢ أ، و"تاريخ بغداد": ٦/٥٩، و"المنتظم": ٧/١٨٣، بنحو ذلك. ووهم السخاوي، ﵀، حيث ذكر في "فتح المغيث ": ٢/٣٣٤، أن البَرْقانِيّ لم يجمع العلل إلا بعد وفاة الدَّارَقُطْنِيّ، كأنه اشتبه عليه موت أبي منصور بموت أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ، والصواب ما ذكرته، لثبوته بالسند إلى البَرْقانِيّ، وأنه استأذن الدَّارَقُطْنِيّ في جمعه، وقرأه عليه.
[ ٢٠٧ ]
وقد جمع قبله كتاب العلل علي بن المديني حافظ زمانه"""١".
عناية المحدثين بكتاب "العلل" للدارقطني:
ويعتبر هذا الكتاب ثروة علمية رائعة، وموردًا للعلماء والمحدثين يغترفون من بحره الزاخر، ما يُتحفون به طلاب العلم، ويكون ذكرًا حسنًا لهم.
فهذا الحافظ ابن حجر ﵀، أمير المؤمنين في الحديث، يعتني بـ"العلل" للدارقطني ويستخرج منه كتبا كثيرة في "علوم الحديث"، إذ أفرد منه بالتأليف ما كان له لَقَب خاص من علوم الحديث.
قال السخاوي:
""وقد أفرد شيخنا من هذا الكتاب ما له لقب خاص كالمقلوب، والمدرج، والموقوف، فجعل كلًا منها في تصنيف مفرد، وجعل العلل المجرّدة في تصنيف مستقل.
وأما أنا فشرعت في تلخيص الكتاب مع زيادات انتهى منه الربع، يسّر الله إكماله، هذا مع عدم وقوعه هو وغيره من كتب العلل لي بالسماع """٢".
وقال السخاوي أيضًا:
""ولمضطربَيْ المتن والسند أمثلة كثيرة، فالذي في السند -وهو الأكثر- يؤخذ من "العلل" للدارقطني، ومما التقطه شيخنا منها مع زوائد وسماه "المقترب في بيان المضطرب""""٣".
_________________
(١) "١" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق ٦٢٣. "٢" "فتح المغيث ": ٢/٣٣٥. "٣" "فتح المغيث ": ١/٢٢١.
[ ٢٠٨ ]
وقال السخاوي أيضًا:
""وأما شيخنا فإنه أفرد من علل الدَّارَقُطْنِيّ -مع زيادة كثير- ما كان من نمط المثالين اللذين قبله، وسماه: "جلاء القلوب في معرفة المقلوب"، وقال: إنه لم يجد من أفرده"١" مع مسيس الحاجة إليه، بحيث أدى الإخلال به إلى عدّ الحديث الواحد أحاديث، إذا وقع القلب في الصحابي، ويوجد ذلك في كلام الترمذي -فضلًا عمن دونه- حيث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، ويكون في الواقع أنه حديث واحد اختُلف على راوية"""٢".
فانظر كم كتابًا ألّف ابن حجر من علل الدَّارَقُطْنِيّ؟!.
* "كتاب الضعفاء والمتروكين من المحدثين":
انظر: "الضعفاء والمتروكين".
_________________
(١) "١" قلت: قد سبقه الخطيب البغدادي بتأليفٍ اسمه: "رافع الارتياب في المقلوب من الأسماء والألقاب". "٢" "فتح المغيث ": ١/٢٢٢.
[ ٢٠٩ ]