كان الإمام الدَّارَقُطْنِيّ ﵀ ذكيّا، اشتهر بقوة الذاكرة، وبجودة الفهم، حتى عرفت عنه أمور لا تؤكد ذكاؤه فحسب، بل تثير العجب والدهشة من ذكائه.
؟من ذلك قراءته الكتاب على مسلم بن عبيد الله من غير أن يلحن، رغم حرص الأدباء على الاستدراك عليه وأن يحفظوا عليه لحنة واحدة"٣".
؟ومن ذلك قصته في مجلس إسماعيل الصفار التي رواها الخطيب البغدادي في "تاريخه" ١٢/٣٦"٤" التي فيها أنه حفظ ثمانية عشر حديثًا أملاها الصفار بأسانيدها ومتونها مرتبة، مع أنه كان في وقت الإملاء ينسخ من جزء كان معه.
ولم أجد سند هذه القصة سوى أن الخطيب رواها عن الأزهري قال:
_________________
(١) "٣" انظر: ما ذكرته في "إمامته في اللغة والنحو والأدب" في هذا الفصل. "٤" ذكرتها في "طلبه للعلم" من هذا الفصل.
[ ٢٦ ]
بلغني أن الدَّارَقُطْنِيّ إلخ.
ولكن لا يستبعد ذلك من الدَّارَقُطْنِيّ، لا سيما أن الأئمة قد تناقلوها وأقرّوها، كالخطيب، وابن كثير، والعراقي، وابن حجر، والسخاوي.
قال السخاوي: ""وقد سمعت شيخنا يحكي عن بعضهم أنه كان يقرنها بما وقع للبخاري حيث قُلبت عليه الأحاديث، ويتعجب شيخنا من ذلك، وهو ظاهر في التعجب"""١".
؟ومن ذلك ما رواه الخطيب بقوله: ""حدثني الصُّوريّ، قال: سمعت رجاء ابن محمد الأنصاري يقول: كنا عند الدَّارَقُطْنِيّ يوما والقارئ يقرأ عليه، وهو قائم يصلي نافلة، فمر حديث فيه ذكر نُسير بن ذعلوق، فقال بَشِير
ابن ذعلوق، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: سبحان الله، فقال القارئ: بُشير بن ذعلوق فقال الدَّارَقُطْنِيّ: سبحان الله، فقال القارئ: يُسُير بن ذعلوق، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ "٢"، فقال القارئ: نسير بن ذعلوق ومرّ في قراءته -أو كما قال-.
حدثني حمزة بن محمد بن طاهر قال: كنت عند أبي الحسن الدَّارَقُطْنِيّ وهو قائم يتنفل، فقرأ عليه أبو عبد الله بن الكاتب حديثًا لعمرو بن شعيب، فقال: عمرو بن سعيد، فقال أبو الحسن: سبحان الله، فأعاد الإسناد وقال: عمرو بن سعيد، ووقف، فتلا أبو الحسن: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ فقال ابن الكاتب: عمرو بن شعيب.
_________________
(١) "١" "فتح المغيث": ٢/٤٣. "٢" ١: القلم: ٦٨.
[ ٢٧ ]
حدثني الأزهري قال: رأيت محمد بن الفوارس -وقد سأل أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ- عن علة حديث أو اسم فيه، فأجابه، ثم قال له: يا أبا الفتح ليس بين الشرق والغرب من يعرف هذا غيري""١".
؟ومن ذلك إملاؤه كتاب "العلل" من حفظه.
وغير ذلك مما يراه من يطالع ترجمة الدَّارَقُطْنِيّ.
_________________
(١) "١" "تاريخ بغداد": ١٢/٣٨-٣٩.
[ ٢٨ ]