عاش الدَّارَقُطْنِيّ في الفترة التي تقدم الحديث عنها، وطلب العلم من صغره، وظهرت نباهته وأهليته لتحمّل أمانة العلم بشرع الله ﷿، ورشّحه الناس لهذه المكانة من قبل أن يصل إليها وهو لا يزال في أول شبابه وأول طلبه للعلم، كما ينقل ذلك الدَّارَقُطْنِيّ نفسه إذ يقول:
""كنت أنا والكَتَّاني نسمع الحديث، فكانوا يقولون: يخرج الكتاني محدّث البلد، ويخرج الدَّارَقُطْنِيّ مقرئ البلد، فخرجت أنا محدثًا والكتَّانِي مقرئا"""١".
ويقصّ الحافظ ابن كثير حادثة عجيبة حصلت للدارقطني في حداثة سنه وهو يطلب الحديث، فيقول:
"" وكان من صغره موصوفًا بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملي على الناس الأحاديث، والدَّارَقُطْنِيّ ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: "إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ"، فقال له الدَّارَقُطْنِيّ: فهمي للإملاء أحسن من فهمك وأحْضَرُ، ثم قال له ذلك الرجل: أتحفظ كم أملى حديثًا؟ فقال: إنه أملى
_________________
(١) "١" "المنتظم": ٧/١٨٤.
[ ٣٤ ]
ثمانية عشر حديثًا"١" إلى الآن، والحديث الأول منها: عن فلان عن فلان ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئًا. فتعجب الناس منه" "٢".
ويبدو أن الدَّارَقُطْنِيّ قد اشتهر بالفضل والذكاء وهو في وقت الطلب، حتى عرفه أهل الكوفة بذلك، ويقدّر له ذلك شيوخه وأساتذته، كما يدل عليه وعلى غيره القصة الآتية:
"قال الخطيب البغدادي: ""أخبرنا البَرْقانِيّ قال: سمعنا أبا الحسن الدَّارَقُطْنِيّ يقول: كتبت ببغداد من أحاديث السوداني"٣" أحاديث تفرد بها، ثم مضيت إلى الكوفة لأسمع منه، فجئت إليه وعنده أبو العباس، ثم رمى بها واستنكرها وأَبَى أن يقرأها، وقال: هؤلاء البغداديون يجيئوننا بما لا نعرفه.
قال أبو الحسن: ثم قرأ أبو العباس عليه"٤" فمضى في جملة ما قرأه حديث منها، فقل له: هذا الحديث من جملة الأحاديث"٥"، ثم مضى آخر، فقلت: وهذا أيضًا من
_________________
(١) "١" وفي بعض الروايات أن الدَّارَقُطْنِيّ سأل الرجل: كم أملى الشيخ حديثًا؟ فقال: لا أدري، فقال الدَّارَقُطْنِيّ: ثمانية عشر حديثًا إلخ!!. "٢" "البداية والنهاية": ١١/٣١٧، وانظر: "تاريخ بغداد": ١٢/٣٦، و"علوم الحديث"، لابن الصلاح: ٢٥٧-٢٥٨. "٣" في بعض المصادر: "السوذجاني" وهو خطأ، والصواب ما ذكرته، كما في "تاريخ دمشق": جـ٢٢ ق٢٤١ب، و"تاريخ بغداد": ١٢/٣٧، والسوداني هو: محمد بن القاسم السوداني المحاربي أبو عبد الله، أحد شيوخ الدَّارَقُطْنِيّ، حدّث عنه في "السنن"، وهو كذاب، توفي سنة ٣٢٦هـ. "٤" أي قرأ على الدَّارَقُطْنِيّ غير الأحاديث التي عرضها عليه. "٥" أي التي سألتُك عنها فاستنكرتَها.
[ ٣٥ ]
جملتها: ثم مضى ثالث: فقلت: فهذا أيضًا منها، وانصرفت وانقطعت عن العَود إلى المجلس لِحُمَّى نالتني. فبينما أنا في الموضع الذي كنت نزلته إذا أنا بداقّ يدق عليّ الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: ابن سعيد، فخرجت وإذا بأبي العباس، فوقعت في صدره أقبّله، وقلت: يا سيّدي لِمَ تجشمت المجيء؟ فقال: ما عرفناك إلا بعد انصرافك، وجعل يعتذر إليّ، ثم قال: ما الذي أخّرك عن الحضور؟ فذكرت له أني حُمِمْتُ، فقال: تحضر المجلس لتقرأ ما أحببت. فكنت بعدُ إذا حضر أكرمني ورفعني في المجلس. أو كما قال"""١".
فسياق هذه القصة يدلّ على أن الدَّارَقُطْنِيّ عندما حصلت له كان لا يزال تلميذًا يحضر مجالس العلماء، لكنهم يقدرونه عندما يعرفون أنه الدَّارَقُطْنِيّ بسبب نبوغه وشهرته. فملأ العيون والأسماع منذ سن مبكرة من حياته.
وقد طلب العلم وهو صغير جدا، وكتب الحديث قبل أن يتجاوز الثامنة من عمره، يقول الحافظ الذهبي في "تذكرة الحفاظ":
"قال يوسف القواس: كنّا نمرّ إلى البغويّ، والدَّارَقُطْنِيّ صبي يمشي خلفنا بيده رغيف عليه كامخ"""٢". وقال: ""وسمع وهو صبي من أبي القاسم البغوي """٣".
وفي "تاريخ دمشق" عن القواس: ""كنّا نمرّ إلى ابن منيع والدَّارَقُطْنِيّ صبي
_________________
(١) "١" "تاريخ بغداد": ١٢/٣٧. "٢" "التذكرة": ٣/٩٤، والكامخ هو: ما يؤتدم به ويؤكل به الخبز. انظر: "مختار الصحاح"، و"القاموس المحيط"، مادة: كمخ. "٣" "سير أعلام النبلاء": جـ١٠ ق٥٢٠.
[ ٣٦ ]
خلفنا بيده رغيف عليه كامخ، فدخلنا إلى ابن منيع، ومنعناه فقعد على الباب يبكي"""١".
وقال الدَّارَقُطْنِيّ للبَرْقاني عندما سأله عن شخص! "" لم يحصل لي عنه حرف، وقد مات بعد أن كتبت الحديث بخمس سنين. ثم قال: كنت في أول سنة خمس عشرة وثلاثمائة"""٢".
وبدأ الدَّارَقُطْنِيّ في أخذ العلم أولا من أهل بلده، جريًا على سنة السلف في ذلك، وأَمْعَنَ في الأخذ عن شيوخ بلده والقادمين إليه في رحلاتهم العلمية من العلماء والطلاب حتى بلغ سن الكهولة.
ثم بعد ذلك رحل إلى بعض الأقطار الإسلامية للقاء الشيوخ والعلماء.
_________________
(١) "١" "تاريخ دمشق": جـ٢٢ ق٢٤١أ. "٢" "سؤالات البَرْقانِيّ": ق٢ب.
[ ٣٧ ]