وأما العدالة، فقد قال الله ﷿: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]، وقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥].
والشهادة والحكم كالإخبار، والأصل اتحاد الحكم فيهما وفي الرواية إلا ما قام الدليل على الافتراق فيه.
وقد تقدّم في الكلام على الشرط الأول ما يتعلق بهذا (^١)، فلا حاجة إلى إعادته.
هذا؛ و"العدالة" مصدر عَدُل الرجل صار عادلًا، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه، كأنه مِن عَدْل الغرارتين على البعير مثلًا، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه.
فالعدل في الحكم إذًا: أن ينظر ميل المائل عن الحقّ فيردّه إليه، وحاصله: أن يتحرَّى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا هي الاستقامة على حدود الشرع.
والفِسْقُ هو: الخروج عن هذه الصفة. قالوا: وأصله من فَسَقت الرطبةُ إذا خرجت عن قشرتها.
هذا، وقد تقرّر في أقوال أهل العلم سلفًا وخلفًا أنّ المعصية الصغيرة لا
_________________
(١) (ص ٥ ــ ٦).
[ ١٥ / ١٦ ]
تقتضي الخروج عن العدالة، وقد قال الله ﵎: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ [ص ١٣] وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ [النجم: ٣١
_________________
(١) ٣٢]. فههنا احتمالان: الأول: أن يقال: إن الفسوق يختص بالخروج الفاحش، فلا يسمَّى ارتكاب الصغيرة فسوقًا وإن كان عصيانًا، وقد يستدلُّ على هذا بقول الله ﵎ بعد آية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ ..﴾ الآية : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [الحجرات: ٧]. فكما أن الفسوق أعمُّ من الكفر؛ لأن من الفسوق ما هو دون الكفر، فكذلك يظهر أنّ العصيان أعمُّ من الفسوق، وأنّ من العصيان ما هو دون الفسوق. الاحتمال الثاني: أن يُقال: الفسوق من الأشياء التي تتفاوت كالعلم مثلًا، فكما لا يوصَف من علم مسألةً أو مسألتين بأنه عالم على الإطلاق، فكذلك لا يوصف من فَسَق بصغيرة أو صغيرتين بأنه فاسق على الإطلاق. [ص ١٤] والآية الأولى وهي قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ إنما بُنيت على من هو فاسق لا على من وقع منه فسوق.
[ ١٥ / ١٧ ]
وقال الله ﷿ في سورة الحجرات في سياق الآيتين السابقتين وهما: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ﴾ ﴿وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات: ١١].
وقال الله ﵎: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤].
لمّا ذكر الكبيرة الموجبة للحدّ ورد الشهادة قال: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. ولمّا ذكر ما قد يكون دونها
_________________
(١) أي صغيرة من السخرية بالمسلم، [ص ١٥] ولمزه، ونبزه بلقب، ومضارة الكاتب أو الشاهد، وما قد يقع في الحج من ذلك وما يشبهه سماها: فسوقًا. * * * *
[ ١٥ / ١٨ ]