فصل ــ ٨
[ص ٢٣] ما تقرّر في الشرع أنه كبيرة إذا وقع من الإنسان فلتة، كمن أغضبه إنسان فترادّا الكلامَ حتى قذفَه على وجه الشّتْم، ففي الحكم بفسقه نظر؛ لأن مثل هذا قد لا يوجب سوء ظن الناس بالمشتوم، فإن سامع مثل هذا قد يفهم منه الشتم فقط، لا أن الشاتم يثبت نسبة الفاحشة إلى المشتوم.
والذي يدفعُ الإشكالَ من أصله أن يتوب ويستغفر، فعلى فرض أنها كبيرة فقد تاب منها، وقد تقرّر في الشرع أن التوبة تجبُّ ما قبلها، وأنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له. وعلى هذا يُحْمَل ما روي عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة: أنه ذَكَر أبا الزبير: محمد بن مسلم بن تَدْرُس وسماعه منه قال: "فبينا أنا جالس عنده إذ جاءه رجل فسأله عن مسألة فردَّ عليه، فافترى عليه، فقلت له: يا أبا الزبير تفتري على رجل مسلم؟! قال: إنه أغضبني، قلت: ومن يغضبك تفتري عليه؟ لا رويتُ عنك شيئًا". ذَكَر هذا في ترجمة أبي الزبير في "التهذيب" (^١). لكن قال في ترجمة محمد بن الزبير التميمي: "وأسند ابنُ عديّ من طريق أبي داود الطيالسي قلت لشعبة: مالَك لا تحدِّث عن محمد بن الزبير؟ فقال: مرّ به رجل فافترى عليه، فقلت له، فقال: إنه غاظني" (^٢).
واتفاق القصة لكلٍّ من الرجلين: محمد بن الزبير، ومحمد بن مسلم أبي الزبير ليس بممتنع، لكن تقارب الاسمين يقرب احتمال الخطأ، والله أعلم.
_________________
(١) "تهذيب التهذيب": (٩/ ٤٤٢). وانظر لتحقيق حال أبي الزبير "عمارة القبور- المبيضة" (ص ٧٧ - ٨١) و"المسوّدة" (ص ٨٢ - ٨٧) للمؤلف.
(٢) المصدر نفسه: (٩/ ١٦٧).
[ ١٥ / ٤١ ]
[ص ٢٤] وفي ترجمة أبي حُصَين عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي من "التهذيب": "وقال وكيع: كان أبو حصين يقول: أنا أقرأ من الأعمش، فقال الأعمش لرجل يقرأ عليه: اهمز الحوتَ، فهمزه، فلما كان من الغد قرأ أبو حصين (^١) في الفجر (نون) فهمز الحوتَ، فقال له الأعمش ــ لمّا فرغ ــ: أبا حصين كسرتَ ظهرَ الحوت! فقذفه أبو حصين، فحلف الأعمش ليحدَّنّه، فكلَّمَه فيه بنو أسد فأبى، فقال خمسون منهم: [والله لنشهدنَّ أن أمه كما قال.] (^٢) فغضب الأعمش وحلف أن لا يساكنهم وتحوَّل عنهم" (٧/ ١٢٧).
أقول: هذه الرواية منقطعة؛ لأنّ أبا حصين توفِّي قبل مولد وكيع أو بعده بقليل على اختلاف الروايات في ذلك (^٣).
فإن صحَّت، فهمز الحوت معناه أن يقال: "الحؤت" بهمزة بدل الواو، وهي لغة قد قرأ ابن كثير ﴿بِالسُّؤْقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ (^٤) [ص: ٣٣] قالوا: "وكان أبو حيَّة النُّميري يهمز كلَّ واوٍ ساكنة قبلها ضمة" (^٥) "روح المعاني": (٧/ ٣٥٤).
فكأنّ أبا حصين ظنَّ أنَّ مراد الأعمش بقراءة "الحؤت" مهموزًا إظهار
_________________
(١) بعده في الأصل، والتهذيب: "قرأ". خطأ.
(٢) سقط من الأصل والتهذيب، والاستدراك من "تاريخ دمشق": (٣٨/ ٤١٣)، و"السير": (٥/ ٤١٤).
(٣) في سندها أيضًا محمد بن يزيد أبو هشام الرفاعي. ضعيف.
(٤) انظر "المبسوط" (ص ٢٧٩) لابن مهران.
(٥) وانظر "المحرر الوجيز": (٤/ ٢٦٢)، و"البحر المحيط": (٧/ ٥٩)، و"الدرّ المصون": (٨/ ٦١٩)
[ ١٥ / ٤٢ ]