قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْكِنَانِيِّ بِوَاسِطٍ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ
[ ٤٦ ]
أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا مَعْمَرُ بْنُ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ. أَكَلَ أَثْوَارًا مِنْ أَقِطٍ فَتَوَضَّأَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: لِمَ تَوَضَّأْتَ؟ قَالَ: إِنِّي أَكَلْتُ أَثْوَارًا مِنْ أَقِطٍ فَتَوَضَّأْتُ؛ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ يَتَوَضَّأُ مِنَ السُّكَّرِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ تَفَرَّدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ قَارِظٍ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ الْقَارِئُ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: تَوَضَّئُوا مِمَّا غَيَّرَتِ النَّارُ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، وَأُمِّ حَبِيبَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، وَأَبِي مُوسَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْبَابِ؛ فَبَعْضُهُمْ ذَهَبَ إِلَى الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ: ابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو طَلْحَةَ، وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَأَبُو مُوسَى، وَعَائِشَةُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأَبُو عَزَّةَ الْهُذَلِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَأَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ، وَأَبُو قِلَابَةَ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَرَأَوْهُ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -.
وَمِمَّنْ لَمْ يَرَ مِنْهُ وُضُوءًا: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَعُثْمَانُ، وَعَلِيٌّ، وَابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعَامِرُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَأَبُو أُمَامَةَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَمِنَ التَّابِعِينَ: عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ، وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَمَنْ مَعَهُمَا مِنْ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْحِجَازِ عَامَّتُهُمْ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ،
[ ٤٧ ]
وَابْنُ الْمُبَارَكِ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ.
ذِكْرُ مَا يَدُلُّ عَلَى النَّسْخِ
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ بَنِيمَانَ بْنِ يُوسُفَ الْأَدِيبُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ.
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ رَجُلَيْنِ: أَحَدُهُمَا جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنِي أَبُو الْفَضْلِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ مِنْ أَصْلِهِ الْعَتِيقِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَسَنِ الْحَرْبِيُّ، حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، عَنْ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنِ الْقَعْنَبِيِّ، وَفِيمَا رَوَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الصَّبَّاحِ الزَّعْفَرَانِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ يُقَالُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - الْوُضُوءُ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: لَا يَتَوَضَّأُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَنَا مَنْسُوخٌ، أَلَا تَرَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِنَّمَا صَحِبَهُ بَعْدَ الْفَتْحِ يُرْوَى عَنْهُ: أَنَّهُ رَآهُ يَأْكُلُ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، وَهَذَا عِنْدَنَا مِنْ أَبْيَنِ
[ ٤٨ ]
الدِّلَالَاتِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِنْهُ مَنْسُوخٌ، أَوْ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ بِالْغَسْلِ وَالتَّنْظِيفِ، وَالثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْهُ، ثُمَّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ، وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَأَبِي طَلْحَةَ، كُلُّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَوَضَّئُوا مِنْهُ.
وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ فَقَالَ: حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَدَلُّ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ مَنْسُوخٌ، وَذَلِكَ أَنَّ صُحْبَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مُتَأَخِّرَةٌ، إِنَّمَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، قَدْ قِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وَقِيلَ: ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً.
أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَلَاءِ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ الْفَضْلِ الْأَسْفَاطِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْمُبَارَكِ، حَدَّثَنَا قُرَيْشُ بْنُ حَيَّانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أَبِي خَلْدَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَكَلَ آخِرَ أَمْرِهِ لَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ اخْتُلِفَ فِيهِ، وَتَكَافَأَتِ الرِّوَايَاتُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي ذَلِكَ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ، وَتَكَلَّمَتِ الْأَئِمَّةُ فِي الْأَوَّلِ مِنْهُ وَالْآخِرِ، وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، فَأَكْثَرُهُمْ رَوَاهُ مَنْسُوخًا، كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّيْنِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمَنْسُوخَ هُوَ تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ، وَالنَّاسِخُ الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ.
وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ مِنْهَا مَا أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ رَوْحُ بْنُ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَخْبَرَنَا أَبُو مَنْصُورٍ مَحْمُودُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ الْأَزْدِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جَبِيرَةَ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ جَبِيرَةَ الْأَنْصَارِيُّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، عَنْ أَبِيهِ جَبِيرَةَ بْنِ مَحْمُودٍ،
[ ٤٩ ]
عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلَامَةَ بْنِ وَقَشٍ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -: أَنَّهُمَا دَخَلَا وَلِيمَةً عَلَى وُضُوءٍ فَأَكَلُوا، ثُمَّ خَرَجُوا، فَتَوَضَّأَ سَلَمَةُ فَقَالَ لَهُ جَبِيرَةُ: أَلَمْ تَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ؟
قَالَ: بَلَى؛ وَلَكِنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَخَرَجْنَا مِنْ دَعْوَةٍ دَعَوْنَا لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - وَهُوَ عَلَى وُضُوءٍ، فَأَكَلَ ثُمَّ تَوَضَّأَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَمْ تَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَلَى؛ وَلَكِنَّ الْأَمْرَ يَحْدُثُ، وَهَذَا مِمَّا حَدَثَ.
وَقَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ الْقَاضِي، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الْكُرْجِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْنَا الزُّهْرِيَّ عَمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ قَالَ: فَأَخْبَرَنَا فِي ذَلِكَ بِأَحَادِيثَ أُمِرَ فِيهَا بِالْوُضُوءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ هَهُنَا رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ يُقَالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ إِلَى أَهْلِ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فِيهِمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَأَكَلْنَا خُبْزًا وَلَحْمًا، ثُمَّ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَمَا مَسَّ أَحَدٌ مِنَّا وُضُوءًا، وَانْصَرَفْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فِي وِلَايَتِهِ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَابْتَغَى عَشَاءً، فَقِيلَ لَهُ: لَيْسَ هَهُنَا إِلَّا هَذِهِ الشَّاةُ وَقَدْ وَلَدَتْ، فَحَلَبَهَا وَطَبَخَ لَنَا لُبَّاءً، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا مَعَهُ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَصَلَّى بِنَا، وَمَا مَسَّ مَاءً وَلَا مَسَسْتُ.
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رُبَّمَا جَفَنَ لَنَا فِي وِلَايَتِهِ، فَأَكَلْنَا الْخُبْزَ وَاللَّحْمَ، فَيَخْرُجُ فَيُصَلِّي وَنُصَلِّي مَعَهُ، وَمَا يَمَسُّ أَحَدُنَا وُضُوءًا.
فَقَالَ الزُّهْرِيُّ: وَأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أَيْضًا - إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَهُ - حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عُمَرَ بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَكَلَ عُضْوًا فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ، فَقُلْنَا لَهُ: فَمَا بَعْدَ هَذَا؟ فَقَالَ: إِنَّهُ يَكُونُ أَمْرٌ، وَيَكُونُ بَعْدَهُ الْأَمْرُ.
دَلَّنَا مَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ كَانَ بَعْدَ الرُّخْصَةِ، فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَنْ تَابَعَهُ يَدُلُّ عَلَى
[ ٥٠ ]
الرُّخْصَةِ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى مَا بَيَّنَهُ الشَّافِعِيُّ.
ثُمَّ نَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَى الرُّخْصَةِ، وَهُوَ قَبْلَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَوَجَدْنَا حَدِيثًا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا أَخْبَرَنَاهُ أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدُوسٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ، أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - عَامَ خَيْبَرَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالصَّهْبَاءِ - وَهِيَ وَادِي خَيْبَرَ - فَنَزَلَ لِلْعَصْرِ، ثُمَّ دَعَا بِالْأَذْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ فَأَكَلَ، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
قَالَ يَحْيَى: ثُرِّيَ: بُلَّ بِالْمَاءِ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ، وَالْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ.
أَلَا تَرَى أَنَّ حَدِيثَ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ هَذَا كَانَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ، وَإِنَّمَا قَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ عَلَى مَا صَرَّحَتْ بِهِ التَّوَارِيخُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ، وَهُوَ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأَخْبَارِ فِي تَصْحِيحِهَا.
ذِكْرُ خَبَرٍ آخَرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرُّخْصَةَ كَانَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ
قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْأَزْهَرِ بِوَاسِطِ الْعِرَاقِ، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ الْقَارِئُ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِيَادِ بْنِ لَقِيطٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ سَرْحَانَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - أَكَلَ طَعَامًا وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَقَامَ، وَقَدْ كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأَتَيْتُهُ بِمَاءٍ لِيَتَوَضَّأَ، فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ لِي: وَرَاءَكَ فَسَاءَنِي ذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى، فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِ انْتِهَارُكَ إِيَّاهُ، خَشِيَ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِكَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. فَقَالَ: لَيْسَ فِي نَفْسِي عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا خَيْرٌ، لَكِنَّهُ أَتَانِي بِمَاءٍ
[ ٥١ ]
لِأَتَوَضَّأَ، وَإِنَّمَا أَكَلْتُ طَعَامًا، وَلَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِي.
هَذَا حَدِيثٌ يُرْوَى عَنْ سُوَيْدٍ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ فِيهِ: كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَانَ تَوَضَّأَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: لَمَّا رَأَيْنَا هَذِهِ الْأَحَادِيثَ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَاخْتَلَفَ مَنْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي الْأَوَّلِ وَالْآخِرِ وَلَمْ نَقِفْ عَلَى النَّاسِخِ مِنْهُمَا، فَنَظَرْنَا إِلَى مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَالْأَعْلَامُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخَذْنَا بِإِجْمَاعِهِمْ فِي الرُّخْصَةِ فِيهِ.
وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إِلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَسْلِ لِلتَّنْظِيفِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ، وَرَجَّحَ أَخْبَارَ تَرْكِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ بِمَا رُوِيَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَأَعْلَامِ
الصَّحَابَةِ عَلَى تَرْكِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، كَمَا قَالَ الدَّارِمِيُّ، غَيْرَ أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُطْلِقُونَ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْوُضُوءَ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ مَنْسُوخٌ، ثُمَّ اجْتِمَاعُ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَإِجْمَاعُ أَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ بَعْدَهُمْ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ النَّسْخِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.