قَرَأْتُ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ الْقَاضِي، أَخْبَرَكَ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجٌ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ:
سَقَطَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ فَرَسٍ، فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ
نَعُودُهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى بِنَا قَاعِدًا، فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا، وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَإِذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا، أَجْمَعُونَ.
أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحِ؛ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ.
أَخْبَرَنَا أَبُو زُرْعَةَ طَاهِرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيُّ، أَخْبَرَنَا مَكِّيُّ بْنُ مَنْصُورٍ،
أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاكِي فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا، وَأَشَارَ إِلَيْهِمْ أَنِ اجْلِسُوا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ؛ فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا، وَإِذَا رَفَعَ
[ ١٠٨ ]
فَارْفَعُوا، وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَجَابِرٍ، وَمُعَاوِيَةَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِمَامِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا مِنْ مَرَضٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُصَلُّونَ قُعُودًا اقْتِدَاءً بِهِ، وَذَهَبُوا إِلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَرَأَوْهَا مُحْكَمَةً، وَمِمَّنْ فَعَلَ ذَلِكَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: كَذَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَالرَّابِعُ هُوَ فِي خَبَرِ قَيْسِ بْنِ فَهْدٍ أَنَّ إِمَامَهُمْ شَكَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ الْقَائِمِينَ، وَإِنْ فَعَلُوا لَمْ يُجْزِهِمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ، وَلَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ إِذَا صَلَّوْا خَلْفَهُ جُلُوسًا.
قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يُصَلُّونَ قِيَامًا، وَلَا يُتَابِعُونَ الْإِمَامَ فِي الْجُلُوسِ، وَرَأَوْا أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَنْسُوخَةٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ حَكَيْنَا نَحْوَ هَذَا عَنِ الثَّوْرِيِّ.
نَسْخُ ذَلِكَ
أَخْبَرَنِي أَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُنَيْدِ، أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّيْرَفِيُّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُونُسَ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - خَرَجَ فِي مَرَضِهِ فَأَتَى أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي، فَاسْتَأْخَرَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَشَارَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنْ كَمَا أَنْتَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا عَنِ الثِّقَةِ يَحْيَى بْنِ حَسَّانَ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْصُولًا.
[ ١٠٩ ]
قَرَأْتُ عَلَى أَبِي طَالِبٍ الْكَتَّانِيِّ بِوَاسِطِ الْعِرَاقِ، أَخْبَرَكَ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ، أَخْبَرَنَا دَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا ثَقُلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - جَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ: مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ - وَذَكَرَ الْحَدِيثَ - قَالَتْ: فَلَمَّا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، قَالَتْ: فَقَامَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ،
فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو بَكْرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ لِيَتَأَخَّرَ، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: أَنْ قُمْ كَمَا أَنْتَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَالنَّاسُ يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ.
هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَيْضًا، عَنْ مُسَدَّدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاوُدَ الْخُرَيْبِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: قَامَ أَبُو بَكْرٍ، وَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي.
وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حَفَصِ بْنِ غِيَاثٍ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيعٍ، وَأَبِي مُعَاوِيَةَ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بْنِ يُونُسَ، وَعَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ بِمَعْنَاهُ دُونَ ذِكْرِ الْيَسَارِ.
وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا: فَهَذَا الْفِعْلُ الَّذِي رُوِّينَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - صَحِيحٌ عَنْهُ، وَيَكُونُ نَاسِخًا لِلْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ، قَالَ: الْمُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ وَلَا يَؤُمَّ قَاعِدًا، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - لَمَّا مَرِضَ اسْتَخْلَفَ فِي أَكْثَرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنَّمَا صَلَّى بِنَفْسِهِ دُفْعَةً وَاحِدَةً.
قَرَأْتُ عَلَى رَوْحِ بْنِ بَدْرِ بْنِ ثَابِتٍ الرَّازِيِّ، أَخْبَرَكَ أَبُو الْفَتْحِ
[ ١١٠ ]
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ إِذْنًا، عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الصَّيْرَفِيِّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيمَا قُلْتُ شَيْءٌ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخٌ، فَذَكَرَ حَدِيثَ أَنَسٍ وَحَدِيثَ عَائِشَةَ، وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهُمَا، ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَرْوِي: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى جَالِسًا مِنْ سَقْطَةِ فَرَسٍ، وَعَائِشَةَ تَرْوِي ذَلِكَ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ يُوَافِقُ رِوَايَتَهُمَا، وَأَمَرَ مَنْ خَلْفَهُ فِي هَذِهِ الْعِلَّةِ بِالْجُلُوسِ إِذَا صَلَّى جَالِسًا، ثُمَّ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا، وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، قَالَ: وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ، بِأَبِي وَأُمِّي - ﷺ - حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ تَعَالَى، وَهَذَا لَا يَكُونُ إِلَّا نَاسِخًا، وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ، حَيْثُ أَمَّ ﵇ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ: فَأَمَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ قَاعِدٌ، وَأَمَّ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ قَائِمٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ إِمَامًا فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَقِيقَةِ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِإِمَامَيْنِ، وَإِنَّمَا النَّبِيُّ - ﷺ - كَانَ الْإِمَامُ، وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ يُبَلِّغُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ، فَسُمِّيَ لِذَلِكَ إِمَامًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فِي الرِّسَالَةِ: فَلَمَّا كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا، اسْتَدْلَلْنَا عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ لِلنَّاسِ بِالْجُلُوسِ فِي سَقْطَتِهِ عَنِ الْفَرَسِ قَبْلَ مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ،
وَكَانَتْ صَلَاتُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ قَاعِدًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا نَاسِخَةً لِأَنْ يَجْلِسَ النَّاسُ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ.
وَكَانَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ بِمَا جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ؛ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ قَائِمًا إِذَا أَطَاقَهَا الْمُصَلِّي، وَقَاعِدًا إِذَا لَمْ يُطِقْ، وَأَنْ لَيْسَ لِلْمُطِيقِ الْقِيَامُ مُنْفَرِدًا أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا.
فَكَانَتْ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْ صَلَّى فِي مَرَضِهِ قَاعِدًا، وَمَنْ خَلْفَهُ قِيَامًا، مَعَ أَنَّهَا نَاسِخَةٌ لِسُنَّتِهِ الْأُولَى قَبْلَهَا، مُوَافَقَةَ سُنَّتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ، وَإِجْمَاعُ النَّاسِ: أَنْ يُصَلِّيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَرْضَهُ، كَمَا يُصَلِّي خَلْفَ الْإِمَامِ الصَّحِيحِ قَاعِدًا وَالْإِمَامُ الْمَرِيضُ قَائِمًا.
وَهَكَذَا نَقُولُ: يُصَلِّي الْإِمَامُ جَالِسًا، وَمَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْأَصِحَّاءِ قِيَامًا؛ فَيُصَلِّي كُلُّ وَاحِدٍ فَرْضَهُ، وَلَوْ وَكَّلَ غَيْرَهُ كَانَ حَسَنًا.
وَقَدْ أُوهِمَ بَعْضُ النَّاسِ فَقَالَ:
[ ١١١ ]
لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - جَالِسًا، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ مُنْقَطِعٍ عَنْ رَجُلٍ مَرْغُوبِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، لَا يَثْبُتُ بِمِثْلِهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ فِيهِ: لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا.
وَأَخْبَرَنِي أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الزَّاهِدُ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ، أَخْبَرَنَا الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، أَخْبَرَنَا الْأَصَمُّ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ: وَقَدْ رَوَى فِي هَذَا الصِّنْفِ - يَعْنِي الصَّلَاةَ خَلْفَ مَنْ يُصَلِّي جَالِسًا - يَغْلَطُ فِيهِ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ عَبْدَ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيَّ، أَخْبَرَنَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا يُشَيِّعُونَهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَصَلَّى جَالِسًا، وَصَلَّوْا خَلْفَهُ جُلُوسًا.
قَالَ: وَأَخْبَرَنَا الثَّقَفِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَعْلَمُ الشَّيْءَ عَنْ رَسُولِ
اللَّهِ - ﷺ - لَا يَعْلَمُ خِلَافَهُ عَنْهُ، فَيَقُولُ بِمَا عَلِمَ، ثُمَّ لَا يَكُونُ فِي قَوْلِهِ بِمَا عَلِمَ وَرَوَى حُجَّةٌ عَلَى أَحَدٍ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ قَوْلًا أَوْ عَمِلَ عَمَلًا يَنْسَخُ الْعَمَلَ الَّذِي قَالَ بِهِ غَيْرُهُ وَعَمِلَهُ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا، وَأَرَادَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا فَعَلَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُمَا النَّسْخُ، قَالَ: وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْخَاصَّةِ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضٍ وَيَغْرُبُ عَنْ بَعْضٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[ ١١٢ ]