هذا التعريف الآنف الذكر هو التعريف الإصطلاحي لعلم التخريج الذي سنتكلم عليه فيما يأتي. لكن قد يأتي لفظ "التخريج" ويُراد به غير المعنى الاصطلاحي المذكور، وللتخريج -سوى المعنى السابق- معنيان آخران:
*رواية الحديث بإسناده من مُخرّجه إلى منتهاه. فهذا التخريج جاء بمعنى الرواية. فكما يصح أن تقول: رواه البخاري، يصح أن تقول: خرّجه البخاري، وهذا يقوله العلماء، وابن رجب خاصةً في كتبه يستعمل هذه اللفظة، فيستخدم "خرّجه" كثيرًا.واصطلاح المتأخرين والمعاصرين خاصة فرّق بين التخريج والإخراج، فيطلقون التخريج على المعنى الاصطلاحي السابق، ويطلقون الإخراج ويقصدون به "رواه"، بل المعاصرين أيضًا فرّقوا بين أخرجه ورواه، فيقولون مثلًا رواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار أخرجه البخاري من هذا الطريق، فيستخدمون لفظة "رواه" لغير المصنف بل لذكر الراوي الوارد في أثناء السند لو نقل طرف الإسناد، فيقولون: رواه فلان عن فلان، فإذا أراد أن يعزو إلى الكتاب قال: أخرجه. وهذا استخدام جيّد مادام التفريق يُعين على الفهم، وملاحظة الاصطلاح، فإذا أردت أن تعزو إلى الكتاب تقول: أخرجه، وإذا أردت أن تبيّن طرف الإسناد أو جزء من الإسناد تقول: رواه، حتى يحصل التفريق.
[ ١ / ١٢ ]
*المعنى الثالث للتخريج على المعنيين السابقين: وهو أن يقوم أحد العلماء بتصنيف كتابٍ في السنّة بالرجوع إلى مصادره ومسموعاته أو مسموعات أحد العلماء الذين يعاصرونه، فينتقي من هذه المسموعات أحاديث معينه ويرتبها على أحد وجوه الترتيب التالية: كأن يرتبها على المشيخة -أي على أسماء شيوخه- فإن رتبها على حروف المعجم قيل له: معجم شيوخ فلان. فإن لم يجعل لها ترتيبًا معينًا قيل لها: فوائد، أو أمالي، أو جزء حديثي، أو ما شابه ذلك. فإن وجدت -مثلًا- كتاب (مشيخة بدر الدين بن جماعة) تخريج علم الدين البرزالي، تعرف أن البرزالي جاء إلى أصول شيخه بدر الدين بن جماعه، وقال له: أرني مسموعاتك، فأخرج له بدر الدين بن جماعة مسموعاته كاملة، واستخرج أحاديث منتقاة من أحاديث بدر الدين بن جماعة عن كل شيخ منهم، والانتقاء لابد أن يكون له سببٌ إما العلو أو الغرابة أو زيادةٌ في المتن أو الإسناد أو ما شابه ذلك. فيأتي التخريج بمعنى: أن يخرج أحاديث أحد معاصريه بأسانيدهم إلى النبي -ﷺ- على أيّ وجهٍ من وجوه الترتيب.