معرفة آداب المحدث
علم الحديث شريف يناسب مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم، وهو من علوم الآخرة. من حرمه حرم خيرًا عظيمًا، ومن رزقه نال فضلًا جزيلًا، فعلى صاحب تصحيح النية، وتطهير قلبه من أغراض الدنيا، واختلف في السنن الذي يتصدى فيه لإسماعه، والصحيح أنه متى احتيج إلى ما عنده جلس له في أي سن كان، وينبغي أن يمسك عن التحديث إذا خشي التخليط بهرم أو خوف أو عمى، ويختلف ذلك باختلاف الناس.
فصل:
الأولى أن لا يحدث بحضرة من هو أولى منه لسنه أو علمه أو غيره، وقيل: يكره أن يحدث في بلد فيه أولى منه، وينبغي له إذا طلب منه ما
[ ٧٩ ]
يعلمه عند أرجح منه أن يرشد إليه فالدين النصيحة، وى يمتنع من تحديث أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى صحتها وليحرص على نشره مبتغيًا جزيل أجره.
فصل:
ويستحب له إذا أراد حضور مجلس التحديث أن يتطهر ويتطيب ويسرح لحيته ويجلس متمكنًا بوقار، فإن رفع أحد صوته زبره، ويقبل على الحاضرين كلهم، ويفتتح مجلسه ويختتمه بتحميد الله تعالى، والصلاة على النبي ﷺ، ودعاء يليق بالحال، بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئًا من القرآن العظيم، ولا يسرد الحديث سردًا يمنع فهم بعضه، والله أعلم.
فصل
يستحب للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث فإنه أعلى مراتب الرواية، ويتخذ مستميلًا محصلًا متيقظًا يبلغ عنه إذا كثر الجمع على عادة الحفاظ، ويستملي مرتفعًا وإلا قائمًا وعليه تبليغ لفظه على وجهه، وفائدة المستملي تفهيم السامع على بعد، وأما من لم يسمع إلا المبلغ فلا يجوز له روايته عن المملي إلا أن يبين الجال، وقد تقدم هذا في " الرابع والعشرين " ويستنصت المستملي الناس بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئًا من القرآن، ثم يبسمل ويحمد الله تعالى ويصلي على رسول الله ﷺ ويتحرى الأبلغ فيه ثم يقول للمحدث من أو ما ذكرت رحمك الله أو رضي عنك وما أشبهه وكلما ذكر النبي ﷺ. قال الخطيب: ويرفع به صوته وإذا ذكر صحابيًا رضي الله عليه، فإن كان ابن صحابي قال ﵄، ويحسن بالمحدث الثناء على شيخه حال الرواية بما هو أهله كما فعله جماعات من السلف، وليعتن بالدعاء له فهو أهم، ولا بأس بذكر من يروى
[ ٨٠ ]
عند بلقب أو وصف أو حرفة أو أم عرف بها، ويستحب أن يجمع في إملائه جماعة من شيوخه مقدمًا أرجحهم، ويروي عن كل شيخ حديثًا ويختار ما علا سنده وقصر متنه، والمستفاد منه، وينبه على صحته وما فيه من علو، وفائدة، وضبط مشكل، وليتجنب ما لا تحتمله عقولهم وما لا يفهمونه، ويختم الإملاء بحكايات ونوادر وإنشادات بأسانيدها، وأولاها ما في الزهد، والآداب، ومكارم الأخلاق، وإذا قصر المحدث أو اشتغل عن التخريج للإملاء استعان ببعض الحفاظ، وإذا فرغ الإملاء قابله وأتقنه، والله أعلم.