قيل لهم: هذا خلاف قضاء الله السابق، ووعده الصادق، فإن معرفة حكم تلك الأحاديث من الدين الذي تكفَّل الله ﷿ بحفظه.
وإن قالوا: أما الاستحالة فلا، ولكن بلوغها متعسّر.
قيل لهم: فهلموا إلى السعي في سبيلها، والاجتهاد في تحصيلها، وقد قال الله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا ﴾ الآية [العنكبوت: ٦٩].
وأما الفرقة الثالثة؛ فيقال لهم: أرأيتم من لم يوثّق، ولم يجرَّح؟
فإن قالوا: مجهول.
قلنا: أرأيتم إن أريناكم الطريق إلى معرفة أحوال كثير من هؤلاء، أتسلكونها على ما فيها من التعب؟
أو رأيتم من قال فيه بعض الأئمة: روى عنه ثقة ولم أر في حديثه ما يدلُّ على ضعفه، أيكون هذا توثيقًا؟
فإن قالوا: لا.
قيل: فإنّ من أهل العلم مَن يقول في مثل هذا: هو «ثقة»، فمَنْ عُلِم أن هذا مذهبه، هل يُعتدّ بتوثيقه؟
فإن قالوا: لا.
قيل لهم: فلعل كثيرًا من الموثِّقين يرى هذا المذهب، فكيف تستندون إلى توثيقهم بدون أن تعرفوا مذهبهم؟
أو رأيتم ألفاظ الجرح والتعديل، هل الأئمة متفقون على معانيها؟
[ ١٥ / ١٠٢ ]
فإن قلتم: غالبًا.
قلنا: بل هناك اختلاف، لابد لكم مِن معرفة مَن مِن الأئمة يقول بهذا ومَن منهم يقول بذاك، لتُعرف قيمة الكلمة الصادرة عن كل منهم.
أو رأيتم من اختُلِف فيه، فوثقه بعض، وجرحه بعض؟
فإن قالوا: الجرح إن كان مفسّرًا مقدّم.
قيل لهم: فهل حققتم ما هو المفسر من ألفاظ الجرح والتعديل؟ فإن الظاهر من رأيكم أن نحو قولهم: «ضعيف» غير مفسَّر، أفرأيتم من كان منهم لا يطلق هذه الكلمة إلا لمعنى ترونه جرحًا، ألا تكون هذه الكلمة من المفسَّر؟
وبالجملة، فإنه ينبغي لكم أن تبحثوا عن مذاهب أئمة الجرح والتعديل، لتعرفوا مذهب كلِّ واحد في حدّ مَن يُطلِق عليه «ثقة» وفي حدّ مَن يُطلِق عليه «ضعيف» وغير ذلك.
بل وأن تبحثوا عن الطريقة التي سلكها أئمة الحديث في تعرُّف أحوال الرواة، وتسعوا في اتباعهم فيها.
فإن قالوا: هذا صعب. كان الكلام معهم كما تقدم مع الفرقة الثانية.
وبالجملة، فإن بأهل العلم أشدّ الحاجة إلى أمرين:
الأول: تحقيق الحق فيما اختلف فيه بما يقتضي القبول أو الرد، مع السعي في معرفة رأي كل إمام من أئمة الجرح والتعديل في ذلك، ومعرفة عادة كل إمام في استعماله ألفاظ الجرح والتعديل، في أيّ حال يطلق «ثقة»،
[ ١٥ / ١٠٣ ]
وفي أيّ حالٍ يطلق «ضعيف» إلى غير ذلك.
الثاني: معرفة الطريق التي سلكها الأئمة لنقد الرواة، ثم السعي في اتباعهم فيها.
[ ١٥ / ١٠٤ ]