يَعُدُّ الباحثون أوصاف الشخص البدنية الظاهرة، من عناصر تكامل شخصيته وطبعه (^١) ولا شك أن لها دخلا في نشاط الإنسان وجهوده في الحياة، ولذا عني المؤرخون للأعلام، وخاصة في العصر الحديث ببيان ما تيسر لهم من أوصاف الشخص المدروس وآثارها.
على أن علماء رجال السنة كانت لهم الريادة في هذا، فقد عنوا منذ فجر الإسلام بتدوين كثير من تلك الأوصاف بدقة، حتى صفة الملبس والمأكل، لدخولها في توثيق الرواة وتجريحهم (^٢)، وبالتالي قبول مروياتهم أو ردها، أو المفاضلة بينها، لهذا كله، اهتممنا ببيان ما وصل إلينا من أوصاف العراقي.
_________________
(١) «شخصيتك في الميزان» للدكتور عبد الكريم دهينة ص ٧٤.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢ ص ٢٧٠.
[ ١ / ١٨٨ ]
الظاهرية، لدلالتها على تكامل شخصيته وتوثيقه، وقد كانت أوصافه تلك مما لفت انتباه تلاميذه، فسجلوها ضمن جوانب شخصيته، وعنهم أخذ من ترجمه بعدهم، مع العزو أو بدونه.
فقال ابن تغري بردي: أخبرني غير واحد من تلامذته أنه كان معتدل القامة، للطول أقرب، مليح الوجه، منور الشيبة، كث اللحية (^١)، وذكر نحو ذلك غير واحد ممن عاصره أو لقي بعض تلاميذه، كابن قاضي شهبه (^٢) وكعلي بن خطيب الناصرية، وفي عبارته: أن العراقي ﵀ كان منور الوجه حسن الشيبة (^٣) وذكر نحوها شهاب الدين ابن حجي شيخ الشام في عصره (^٤) وشهاب الدين الغزي من بعده (^٥).
وقال ابن حجر تلميذ العراقي الملازم له: وكان الشيخ منور الشيبة جميل الصورة (^٦).
وقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي الملازم له أيضًا: إنه كان حسن الشكل ظاهر الوضاءة كأن وجهه مصباح (^٧).
أما أحمد بن العراقي فيعطينا تقريرًا عن الصحة العامة لوالده، حيث يذكر أنه
_________________
(١) (المنهل الصافي) له جـ ٢ ورقة ٣١٣ أ (مخطوط) ومعنى كث اللحية: كثيف شعرها.
(٢) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤ ص ١٧٧.
(٣) انظر (مجموعه) (ترجمة عبد الرحيم العراقي).
(٤) (طبقات الشافعية) لابن قاضي شهبة ورقة ١١٠ ب.
(٥) (بهجة الناظرين) له ص ١٢١.
(٦) (المجمع المؤسس) له ص ١٧٧ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٥.
(٧) (الضوء اللامع) للسخاوي جـ ٤ ص ١٧٥.
[ ١ / ١٨٩ ]
سمع والده غير مرة يحكي أنه في شبابه أصابته حمى، فذهب إلى النيل وانغمس فيه وهو مستقبل جَرْيَةَ الماء، عملا بحديث «إذا أصاب أحدكم الحمى … فليستنقع في ماء جار، وليستقبل جريته» الحديث (^١).
فأقلعت عنه الحمى ولم تعد له بعد ذلك. قال أحمد: وقد توفي والدي ﵀ ولي من العمر أكثر من ثلاث وأربعين سنة، ولم أفارقه إلا مدة إقامته بالمدينة الشريفة وهي ثلاث سنين، ومدة رحلتي إلى الشام، وهي دون ثلاثة أشهر، فلم أره حُم قط، حتى ولا في مرض موته، إنما كان يشكو انحطاط قواه، وكان قد جاوز إحدى وثمانين سنة، وذلك بحسن مقصده وامتثاله أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية (^٢). ومن هذا نعلم أن العراقي تمتع في عموم حياته بالصحة والمناعة ضد الحمى وغيرها من الأوبئة التي تعدد انتشارها في مصر والشام والحجاز كما أوضحنا في حالة العصر. وكما رأينا في وفاة زوجته الأولى بين يديه بوباء الطاعون الذي اجتاح مصر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة للهجرة، ومن قبلها سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية كما أرخه العراقي بنفسه فيما سيأتي من مؤلفاته، وكان الموتى لا يحصون كثرة ولم تكن أمصال التطعيم المعروفة حاليًا موجودة حينذاك، واحتمل أيضا ما تكرر من مجاعات حتى في سنة وفاته، وخرج من كل ذلك سليما معافى بفضل ما منحه الله من بنية صحيحة قوية، تحملت الجوع وقاومت الأمراض العاتية والأوبئة المتعددة، فظل ناعما بصحته وحواسه، خاليا من العلل المزمنة.
_________________
(١) أخرجه الترمذي من حديث ثوبان وقال هذا حديث غريب. الطب - باب ٣٢، ٦/ ٢٦٠ ح ٢١٦٦ مع تحفة الأحوذي، وانظر (طرح التثريب) للعراقي وولده جـ ٨/ ١٨٨.
(٢) (طرح التثريب) جـ ٨/ ١٨٨، ١٨٩.
[ ١ / ١٩٠ ]
إلى آخر حياته بحيث لم يشك إلا عوارض الشيخوخة المعتادة من انحطاط القوى؛ لمجاورته الثمانين كما تقدم.
على أن ذلك لا يعني سلامته المطلقة من الوعكات العارضة، كما يفهم من قول تلميذه ابن فهد أنه كان شديد الاحتراز في الطهارة بحيث يناله بسببها مشقة شديدة لا يصده عن ذلك مرض ولا غيره ..
وله في ذلك أحوال عجيبة لا يخل بها في حضر ولا سفر ولا في صحة ولا مرض (^١). لكن لم يذكر هو ولا غيره إصابة العراقي بمرض عضوي معين أو علة مزمنة.
ومن مجموع ما تقدم يظهر لنا تمتعه بجمال واعتدال الهيئة، وبالطول وتناسق الأعضاء، وسلامة البنية والحواس، خاصة السمع وطلاقة اللسان، كما ستأتي في مواهبه.
فكان هذا مما مكنه من النهوض برسالته الحياتية والعلمية الشاقة على خير وجه؛ من التعلم والتعليم والرحلات المتعددة في ذلك، عبر الصحاري والبحار بوسائل عصره البدائية (^٢)، ورعايته لأسرته وقيامه بمشاق الاطلاع والتدريس والتصنيف والقضاء وغير ذلك مما سيأتي.
كما أن ما عُلِم من سلامة سمعه ونطقه يُعدُّ من صفات توثيقه في جهة تخصصه باعتباره راويًا للحديث ومؤديًا له، ويعد ضد ذلك: من ثقل السمع وعيوب النطق المؤثرة، ضمن صفات التجريح للراوي والمحدث، لما يترتب.
_________________
(١) (لحظ الألحاظ)، له ص ٢٢٨.
(٢) انظر (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٢ ص ١٥.
[ ١ / ١٩١ ]
عليهما من خطأ تحمل المرويات وأدائها (^١).
وقد حرص العراقي نفسه على إثبات ذلك لبعض من ترجمهم من شيوخه وغيرهم في مؤلفاته الآتية في محلها بمشيئة الله، ومثله فعل ابن حجر بالنسبة لغير شيخه العراقي ممن ترجمهم في مؤلفاته في علم الرجال.