أول من قرأ العراقي عليه الحديث (^١)، هو أبو العباس، شهاب الدين، أحمد ابن فريج، المشهور بابن البابا الشافعي.
كان ﵀ عبدا أسود، مملوكًا لأمير من المماليك، لكن العلم شرف قدره، وخلد ذكره أكثر من سيده، فقد كان عالمًا فاضلا في علوم كثيرة، في مقدمتها علم السنة، وقد تلقاها عن جماعة، وأهم من سمع منهم الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتقي الدين ابن دقيق العيد، مؤلف كتاب «الإلمام»، الذي بدأ به العراقي دراسته للسنة، وقرأ معظمه على ابن البابا كما سلف، وتتلمذ أيضًا لعلم الدين العراقي، الذي يختلط على البعض بالحافظ زين الدين العراقي، كما تقدم توضيحه.
_________________
(١) اعتمدت في التعريف به وبيان أثره في العراقي على «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي ٦ أ، و«طبقات الشافعية» للأسنوي جـ ١/ ٢٩٦ بتحقيق الجبوري، و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ١٢٨.
[ ١ / ٣١٧ ]
ولم أجد بيانا لتاريخ مولد «ابن البابا» هذا، ولكنه مات شهيدًا بالطاعون في أواخر سنة ٧٤٩ هـ. وتأثيره في العراقي يرجع إلى ما قدمناه من كونه أوّل من قرأ العراقي عليه الحديث في ابتداء طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ، وتعتبر قراءته عليه معظم كتاب «الإلمام» أنموذجا لتلقيه مؤلفات المتأخرين بالسند المتصل عن مؤلفيها، مثل تلقيه مؤلفات المتقدمين، كالبخاري ومسلم، ثم وجدنا العراقي نفسه، بعد أن ذكر قراءته عليه أكثر كتاب «الإلمام» يقول: «واستفدت منه كثيرًا»، وهذا تعبير صريح عن تجاوز التلمذة له والاستفادة منه حد القراءة عليه لكتاب أو كتابين، وإلا لقال: «قرأت عليه أكثر الإلمام وغيره».
وقد كان «ابن البابا» من حفاظ الحديث الذين تَتَلَقَّى عنهم الرواية والدراية معا، ولقبه تلميذه العراقي بالإمام العلامة الحافظ، مع دقته في إطلاق الألقاب العلمية الحديثية، وذكر غيره أنه اشتغل فوق رواية الحديث بتدريسه لطلابه بعدة أماكن، منها قبة بيبرس بالقاهرة، ومقتضى ذلك أن تكون استفادة العراقي الكثيرة منه متعلقة بعلوم السنة، من المصطلح، وبيان ما يتعلق بسند الحديث ومتنه، فكان بذلك شيخ العراقي في الرواية، وأستاذه المفيد في علوم الدراية، وقد اعتنى العراقي به، فترجمه في ذيله على وفيات الأعيان، وفي ذيله على العبر للذهبي، وتلقيبه له بما ذكرنا وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، يدلان على قناعته بعلمه وتقديره المنصف لشيوخه، واعترافه بفضلهم عليه، وبأثرهم في تكوين شخصيته الحديثية، وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الطالب مع أستاذه، خاصة بعد زمن التلمذة، كما فعل العراقي.
ثم إن تلمذته هذه لابن البابا في الرواية والدراية معا، وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، لها أكثر من دلالة، فإن هذا الحافظ قد توفي - كما ذكرت.
[ ١ / ٣١٨ ]
آواخر سنة ٧٤٩ هـ، ومعنى ذلك أن العراقي قرأ عليه، ولازم دروسه في علوم السنة قبل سنة وفاته بفترة تناسب كثرة الاستفادة.
وهذا مما يدفع قول ابن حجر ومن تبعه بتراخي العراقي في طلب السنة حتى سنة ٧٥٢ هـ، ثم إن ابن البابا كان حافظًا للقرآن، وقارئًا بالسبع، ومن طبقة شيوخ العراقي في القراءات كما تقدم، فلو كان العراقي حين تتلمذ له مهتمًا بغير السنة، لأكمل عليه القراءات السبع بجانب علم الحديث، ولم يؤخر هذا كما مر نحو ٢٦ سنة بعد اتجاهه للسنة سنة ٧٤٢ هـ.
كذلك كان ابن البابا بجانب تبريزه في الحديث، ضليعًا في الفقه وأصوله، حتى أفتى وأعاد للطلبة، كما كان عارفًا بالتفسير والنحو وأصول الدين، ومع ذلك لم يذكر العراقي تلمذته له في أي من تلك العلوم بجانب السنة، ولا ذكر ذلك غيره ممن ترجمه.
فلو كان اشتغاله حينئذ بالسنة غير مركز، بل واقع في غضون اشتغاله بالعلوم الأخرى كما يقول ابن حجر ومن تبعه، لتتلمذ عليه في أي من تلك العلوم بجانب السنة.
ومن الطريف أن ابن البابا مع درايته بتلك العلوم والثناء على خلقه ودينه، كان عارفًا بالطب والموسيقى، وينظم الشعر الجيد، ولكن تركيز نشاطه في السنة جعله يستحق لقب الحافظ، ويباشر تدريس السنة بكفاءة، ورواية دواوينها بثقة، دون أن يغمزه في ذلك أحد، وعند قياس هذا بحال العراقي التي يعدها ابن حجر تشاغلا بغير طلب السنة، تجد أن دائرة اشتغال العراقي بغير الحديث كانت أضيق من دائرة انشغال شيخه بكثير، ونجد نشاطه في
[ ١ / ٣١٩ ]
السنة أوسع وأعمق، بحيث يمكن القول: إنه منذ اتجه لطلب السنة بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، كان انشغاله بغيرها يقع في غضون اشتغاله بالسنة، وليس العكس، والحكم إنما يكون للغالب.