هو الحافظ، الحجة، صلاح الدين، أبو سعيد، خليل بن كيكلدي الشافعي، عالم بيت المقدس، ولد في ربيع الأول سنة ٦٩٤ هـ وعني بطلب الحديث مبكرا، واجتهد حتى أخذ عن غالب شيوخ الشام ومصر والحجاز، وصار حافظ الزمان، علامة في الرجال والمتون والعلل، بجانب الفقه وأصوله وغيرهما، وقد سمع منه الذهبي، ووصفه بالحفظ، وصحة الذهن، وسرعة الفهم، وكان ممتعًا في كل باب يفتحه من العلم، إلا أن جانب الحديث في حياته العلمية، وفي مؤلفاته في المقدمة، حتى قال ابن السبكي: (إنه لم يكن في عصره من يدانيه فيه، وعده الذهبي من القلائل في عصره الذين يفهمون
_________________
(١) رجعت في التعريف به وبيان تأثيره في العراقي إلى: (ذيول تذكرة الحفاظ) ٤٣ - ٤٥، ٣٦٠، ٣٦١ و«الدرر الكامنة»: جـ ٢/ ١٧٩ - ١٨١ و(طبقات الشافعية) للأسنوي/ ١٩٨ (مخطوط) وما سأحيل عليه خلال الترجمة و(بهجة الناظرين) ٧٠ - ٧٥ و(طبقات الشافعية) لابن السبكي - ٦/ ١٠٤ و«زغل العلم والطلب»، للذهبي/ ١١.
[ ١ / ٣٧٤ ]
علوم السنة ويعنون بها».
وقد تولى مشيخة الحديث وتدريسه بعدة أماكن من الشام، ولكن عند رحلة العراقي إليها، كان قد استقر ببيت المقدس، واتخذ سكنا بالمدرسة الصلاحية بها، وظل يعمل فيها بالتحديث والتدريس والإفتاء والتصنيف، حتى توفي - على الراجح - في العشر الأول من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وقد أكثر من المؤلفات النافعة، المتقنة، فاشتهرت، وغالبها في علوم السنة، ومنها ما يتعلق بالفقه، وأصوله، وقد سئل تقي الدين السبكي عمن يخلف بعده فقال: (العلائي).
أما أثره في العراقي فكان عميقًا، بدليل تعدد مظاهره، وفي مقدمة ذلك: أن العلائي باعتباره الرجل الأول في الحديث بالشام، والثاني بعد السبكي في الفقه وأصوله، كما أشرنا، فإن تلمذة العراقي عليه تممت نتائج تلمذته للسبكي، حتى شهد المؤرخون كما مر، بأن العراقي زاد تضلعا في فنون السنة باجتماعه بالرجلين، في رحلته الأولى وأخذه العلم عن كليهما.
ثم إن العراقي لما ذهب بعد تلمذته للسبكي بدمشق، إلى العلائي بالقدس، لازمه، فانتفع به، وأخذ عنه علم الحديث، وكل من الملازمة وأخذ علم الحديث من أوضح مظاهر التأثير، فالملازمة هي أهم ما يُعبر به في الاصطلاح العلمي، لبيان تأثر الطالب بأستاذه، وعمق استفادته بفكره وعلمه، حيث يتاح له تلقي عموم دروسه وفوائده، بالإضافة لاطلاعه على طريقته في التحصيل، ومنهجه في البحث، والتصنيف، والتدريس، فيستفيد من ذلك خبرة جيدة في تلك المجالات، وسيأتي أن ملازمة العراقي للعلائي تكررت خلال مجاورة كل منهما بالحرمين، مما جعل الاستفادة والتأثير متضاعفين، ومن جهة أخرى تتيح الملازمة للأستاذ، تبيين نقاط الضعف والقوة في تلميذه،
[ ١ / ٣٧٥ ]
فيعالج الأولى، ويُنمّي الثانية، وقد حدث هذا بالنسبة للعراقي مع أستاذه، فبجانب استفادته منه، فإنه أبدى بين يديه - رغم قصر المدة - من ضروب البحث وبيان مسائل علوم الرواية والدراية، ما جعله ينوه بذكره، ويُعظم شأنه ويصفه بـ «الفهم والمعرفة والإتقان والحفظ» (^١). وصدور ذلك من العلائي بما عُرف به من الخبرة والذكاء، وتعدد ملازمة العراقي له، يدلنا على أمرين: أحدهما: مطابقة رأي العلائي لرأي السبكي في جدارة العراقي بالأوصاف المذكورة، مع زيادة وصفه بـ «الحفظ»، وهو كما أسلفنا لقب اصطلاحي يعتبر وصف العراقي به شهادة من العلائي ببلوغه درجة الحافظ، بالإضافة إلى أنه رَوَى له الحديث المسلسل بالحفاظ، فصار حلقة فيه، ومنه اتصل السند لمن بعده (^٢)، ويعتبر العلائي ثالث من لقب العراقي بـ «الحافظ» بعد الإسنوي وابن جماعة المصريين، لكنه أول من لقبه به من شيوخه بالشام، وبمقتضاه أصبح من حفاظ السنة المعتمدين على مستوى مصر والشام.
الأمر الثاني: الذي تدل عليه شهادة العلائي بما تقدم، هو أريحيته وانصافه لتلميذه، بتقدير ما لمسه من بحثه وفهمه، ومدى حصيلته العلمية، ومنحه اللقب العلمي الذي أدرك استحقاقه له، ولهذا - بلا شك - أثره في تشجيع الطالب على مضاعفة جهده في البحث والتحصيل والإنتاج (^٣).
أما أخذ العراقي لعلم الحديث عن العلائي، فقد تقدم أن علم الحديث عند
_________________
(١) و«لحظ الألحاظ» / ٢٢٥ وهـ «ذيل التقييد» / ٢١٩ ب.
(٢) والمناهل السلسلة في الأحاديث المسلسلة والمحمد عبد الباقي اللكنوي ١٣٢، ١٣٣ ووالجواهر والدرر» / ١٢ أ، ب.
(٣) يُنظر: «الجواهر والدرر»» / ١٢ ب.
[ ١ / ٣٧٦ ]
الإطلاق كما هو مذكور، ينصرف إلى علم أصول الحديث، أو علم الدراية، ومعنى هذا أن العراقي درس على العلائي ببيت المقدس هذا العلم بفنونه المختلفة، وقد أثبت العراقي بنفسه الوقائع الدالة على ذلك.
فصرح بتلقيه كتاب «مقدمة ابن الصلاح» الذي هو جماع فنون الدراية، عن العلائي، بسماع بعضه عليه، وإجازة منه بباقيه (^١)، ولعل ظروف الرحلة هي التي حالت دون سماع كل الكتاب، كما صرح أيضا بتلقيه عنه أحد مؤلفاته في علم الرجال، ويسمى «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ»، وهو كما قال السخاوي: أجمع مصنف في موضوعه (^٢)، ويقع في ستة أجزاء حديثية، يبلغ مجموعها مجلدا وسطا، وقد أثبت العراقي قراءة بعض الكتاب بنفسه على العلائي ببيت المقدس، وسماع بعضه عليه بقراءة غيره ونقل منه عدة مرات للاستدلال (^٣).
وأما كتاب «جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي أيضا (^٤)، فقد أكثر العراقي النقل والاستفادة منه (^٥) بل اتخذ منه منطلقا لبعض تأليفه، حيث امتلك نسخة من الكتاب، وبعد الاطلاع على فصل أسماء المدلسين منه،
_________________
(١) «التقييد والإيضاح»، للعراقي/ ١٢.
(٢) (فتح المغيث) للسخاوي جـ ٣/ ١٨٢.
(٣) انظر: (فتح المغيث) للعراقي جـ ٤/ ٦٧، ٦٩، ٧١ و(التقييد والإيضاح)» / ٣٤٨.
(٤) بعض نسخه الخطية التي اطلعت على صورتها تقع في ١١٢ ورقة عادية ثم طبع مؤخرا طبعة تحتاج إلى تحقيق وتوثيق.
(٥) انظر (فتح المغيث) للعراقي جـ ١/ ١٧٤، ٨٥، ٨٨ وجـ ٤/¬٣٠ و(التقييد والإيضاح) / ٧٤، ٩٧، ٢٩٣ و(تكملة شرح الترمذي) / ١٦٩ أ (نسخة دار الكتب المصرية).
[ ١ / ٣٧٧ ]
ذيل بهامشها عددا مما فات العلائي كما سيأتي، وألف أيضا جزءا في المراسيل سيأتي ذكره، ولا يبعد انطلاقه فيه من كتاب العلائي هذا.
وللعلائي أيضا كتاب الأحاديث المسلسلة في (٣) أجزاء حديثية، وقد استفاد منه العراقي في بعض مؤلفاته (^١).
كذلك تلقى العراقي بعض الفوائد العلمية المتفرقة من العلائي، ورواها عنه لتلاميذه، مثل رأي الحافظ الذهبي في أبرز علماء عصره، حيث قال العراقي: «سمعت الحافظ العلائي يقول: سألت الذهبي عن ابن دقيق العيد، يعني أبا الفتح، والدمياطي، يعني أبا محمد، والمزي، وابن تيمية، يعني أبا العباس، فقال الذهبي: ابن دقيق العيد، أعلمهم بعلل الحديث وأحكامه، والدمياطي أعلمهم بالأنساب ونحوها، والمزي أعلمهم بالرجال، وابن تيمية أكثرهم سردا للمتون» (^٢).
وقد بلغ اقتناع العراقي بشخصية أستاذه العلمية، أنه قلده في أحد المسائل وأثبتها في تأليفه، ثم ظهر بعد ذلك خطؤها، فقرر العراقي أنه اعتمد فيها على شيخه العلائي، ثم رجع عنها، وأصلحها في تأليفه، على ما سيأتي في موضعه (^٣)، غير أن إعجابه بعلمه وتقليده، لم يحولا دون مخالفته فيما لم يقتنع به من آرائه، كما سيأتي بيانه أيضا.
ولم يقتصر أثر العلائي في العراقي على علم الدراية كما أوضحنا، بل تعداه
_________________
(١) المناهل السلسلة ٤/ ٢٠٨، ٢٠٩.
(٢) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (نقوله عن شيخه أبي زرعة ابن العراقي).
(٣) انظر «المجمع المؤسس» ١/ ١٧٩ و«الجواهر والدرر» للسخاوي/ ٧٠ أ.
[ ١ / ٣٧٨ ]
إلى الرواية، فَصَرَّحَ العراقي بتحديث العلائي له في غير موضع من مؤلفاته (^١)، وأورد كذلك بعض مروياته بالإجازة الشفاهية منه (^٢)، وروى عنه بعض الأحاديث المسلسلة، كالمسلسل بالحفاظ، كما أشرنا من قبل وكالمسلسل بالآباء (^٣)، وبالإشارة (^٤)، وبالصوفية (^٥)، حيث كان كل منهما ممن لبس خرقة التصوف من أهله (^٦)، مع أن العراقي - كما قدمنا، وكما سيأتي - قد انتقد الصوفية في مُخالفاتهم، وَرَدَّ عليهم بقوة، فيما رآه يقتضي الكفر من عباراتهم، والعياذ بالله؛ ولكن كان العلائي قد أثر في العراقي على هذا النحو، وقدَّره حق التقدير، فإن العراقي بادَلَهُ نفس الروح، فقرَّر أنه ما رأى أحفظ منه (^٧)، وفي ترجمته له أثنى على علمه وخُلُقِه، ووصفه بحافظ المشرق والمغرب (^٨)، ولم أجده وَصَفَ بذلك أحدًا من شيوخه غير العلائي.