هو أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، أحد الأئمة الشافعية المجتهدين في عصره، ولد ب (شبك العبيد) من أعمال المنوفية سنة ٦٨٣ هـ ورحل إلى القاهرة في صباه، فأخذ العلم بها عن كبار الشيوخ، ورحل في طلب الحديث إلى الإسكندرية ثم الشام، وعاد فأقام بالقاهرة مقبلا على التصنيف والفتيا والتدريس بعدة أماكن، فتتلمذ له العراقي وشيخه الإسنوي وغيرهما، وتخرج به فضلاء العصر وانتهت إليه رئاسة المذهب بالديار المصرية، وألف بها معظم مؤلفاته المشهورة في الفقه وغيره كـ «التفسير» و«تكملة شرح المهذب» من حيث وَقَفَ الإمام النووي وغير ذلك، إلى أن كانت سنة ٧٣٩ هـ.
فعين لقضاء الشام وانتقل إليها، فقام بالعدل وغاية الإنصاف، كما جلس هناك للتحديث وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وسمع عليه حينئذ خلائق، منهم الحافظ العراقي أيضا عند رحلته الأولى للشام كما سيأتي.
وقبل وفاته بعشرين يوما عاد إلى القاهرة فتوفي بها سنة ٧٥٦ هـ، وقد ترجمه العراقي في وفياته كما يظهر من نقل ابن حجر عنه (^١).
_________________
(١) انظر و«الرد على من أخلد إلى الأرض» للسيوطي ص ٢١٠، ٢١٥، ٢٤١ (مخطوط) =
[ ١ / ٢٢٧ ]
وأثره في العراقي يتضح في مظاهر متعددة منها: أخذه عنه الفقه والحديث كما أشرنا، وقراءته عليه بعض مؤلفاته ثم روايتها للتلاميذ عنه (^١) ونقل عنه في بعض مؤلفاته (^٢) ولما ظهرت بين يديه أمارات نبوغ العراقي وحسن فهمه شهد له بذلك علانية، فنوه بذكره في دروسه بين جموع الطلاب، وأمام الحافظ ابن كثير، وتلك بلا شك رعاية لها وزنها من مثله، إذا عرفنا أنه وجد في عصره بعض الشيوخ الذين إذا لاحظوا ظهور فلاح الطالب منعوه من الحضور عندهم (^٣).
ومن هنا كانت إشادة السبكي بنبوغ تلميذه العراقي دليلًا على صفاء نفسه كما كان لها أثرها الطيب في تنمية مواهب العراقي، وحفزه على مواصلة الجد في البحث والتحصيل.
ومن مظاهر التأثير كذلك: أن العراقي تبع شيخه السبكي في بعض أعماله العلمية وآرائه؛ حيث واصل «تكملة شرح المهذب» في الفقه من حيث انتهى شيخه السبكي كما سيأتي، كما كان السبكي يرى منع تعدد إقامة شعائر الجمعة في أكثر من مكان بمدينة واحدة، وألف في ذلك عدة مؤلفات كما سنشير لها.
بينما كان الشيخ سراج الدين البلقيني - من الشافعية أيضًا، وقرين العراقي -.
_________________
(١) = و«طبقات الشافعية» لابن السبكي جـ ٦/ ١٤٩ - ١٧٩ و(شذرات الذهب) جـ ٦/ ١٨٠. و«طبقات الأسنوي» ص ١٤٣ (مخطوط) و«الدرر الكامنة»: ج ٣/ ١٤١، ١٤٢.
(٢) «المعجم المفهرس» لابن حجر ورقة ١٧٤ ب.
(٣) و«لحظ الألحاظ»، لابن فهد ص ١٣٣ - ١٤٢ و«تكملة شرح الترمذي»، للعراقي ج ١/¬٣٥ ب، ٧٦ أ، ١٠٩ ب، ١٣٩ ب وما بعدها، ١٤١ أ.
(٤) وطبقات الأسنوي، ص ٢٤٠ (مخطوط).
[ ١ / ٢٢٨ ]
يرى جواز التعدد، وألف في الرد على السبكي رسالة بعنوان «إظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد» (^١) وأخرى بعنوان «تكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة» (^٢).
فمال العراقي إلى رأي شيخه السبكي وألف في ذلك رسالته الآتي بيانها بعنوان: (الإستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد)