جرى منهج التعليم في عصر العراقي على أن العالم بجانب دراسته العامة يعمد إلى التخصص في علم معين، لميل شخصي أو لتوجيه موجه، فيركز نشاطه العلمي في دائرته حتى يُعرف به في الوسط العلمي، ويُعد من أهله المرجوع إليهم فيه، وإن شارك في غيره من العلوم بتدريس أو تأليف.
وقد جرى العراقي على هذا المنهج، فبجانب تحصيله ومشاركته فيما قدمنا من علوم الفقه وأصوله واللغة بفروعها، اتجه للاختصاص بعلم القراءات (^١) فأخذها عن جماعة ممن لازمهم وأخذ عنهم غيرها من العلوم المتقدمة، كبرهان الدين الرشيدي، الذي أخذ عنه الفقه والعربية، وكبقية شيوخه المتقدمين في علوم العربية، وهم: ناصر الدين بن شمعون - بالشين المعجمة، أو السين المهملة (^٢) - والشهاب أحمد السمين، والسراج عمر الدمنهوري (^٣).
ويذكر ابن فهد والسخاوي والمناوي أن العراقي بما عرف عنه من الجد
_________________
(١) (مجموع ابن خطيب الناصرية) ترجمة العراقي و(ذيل الدرر الكامنة) ص ٧٠ و(إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ كلاهما لابن حجر و«الأعلام» جـ ٤/ ١١٩ أ و(طبقات الشافعية): ١١٠ ب كلاهما لابن قاضي شهبة و(بهجة الناظرين) ص ١٢٩ و(المنهل الصافي) جـ ٢/ ٣١٢ ب و(شذرات الذهب) جـ ٧/ ٥٥.
(٢) بعض المراجع تذكره بالشين المعجمة وبعضها بالسين المهملة بل تختلف في نسخ الكتاب الواحد ولم أجد مرجحًا لأيهما (انظر المجمع المؤسس) ص ١٧٦ ومن (بهجة الناظرين) ص ١٢٩ نسخة دار الكتب (٣٤٠٣) تاريخ و(١٤٨٢) تاريخ تيمور.
(٣) و(لحظ الألحاظ)، ص ٢٢١، ٢٢٢ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و(بهجة الناظرين) نسخة دار الكتب ص ١٢٩.
[ ١ / ٢٥٣ ]
والنشاط في التحصيل، قد انهمك في علم القراءات هذا حتى توغل فيه (^١)؛ لكن لم أجد لهم ولا لغيرهم عناية بتحديد زمن اتجاه العراقي للقراءات، ولا بإعطاء تفصيلات عما درسه منها، أو عن مدى توغله، مع أن لذلك أهمية أكثر كما أشرت إليه في دراساته العامة؛ نظرًا لأن هذا هو العلم الذي تحول منه للاختصاص بالسنة كما سيأتي.
لكن إذا نظرنا لما قرره ابن فهد والسخاوي وغيرهما (^٢): أنه تحول من القراءات إلى الحديث سنة ٧٤٢ هـ، أمكننا القول: «إنه اتجه لعلم القراءات قبل هذه السنة بفترة تكفي لوصفه بالتوغل فيه، كما أن الإمام تقي الدين السبكي يذكر أن أحد شيوخ العراقي في القراءات، وهو ناصر الدين بن شمعون يعتبر من القدماء، وأشار لأخذه عنه الحديث أيضًا (^٣)، وممن قرأ عليه محمد بن أحمد بن خلف المتوفى سنة ٧٤١ هـ» (^٤).
ولما كان العراقي قد تتلمذ للسبكي قبل سنة ٧٣٩ هـ هذه كما تقدم، فإن وصف السبكي نفسه لابن سمعون بالقدم يدل على أخذ العراقي عنه قبل سنة ٧٣٩ هـ هذه على الأقل وذلك يلائم وصفه بالتوغل في سنة ٧٤٢ هـ، على أن هذا التوغل كما سيأتي لم يصل إلى درجة إتمامه القراءات السبع المعروفة.
_________________
(١) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و(مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة).
(٢) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢ و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢ و(ابن خطيب الناصرية في مجموعه) (ترجمة العراقي) وابن تغري بردي في (المنهل الصافي) له جـ ٢/ ٣١١٢ ب.
(٣) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢.
(٤) «الأعلام» لابن قاضي شهبة جـ ١/¬٩ ب.
[ ١ / ٢٥٤ ]
قبل عدوله إلى التخصص بالسنة.