ويذكر ابن فهد والسخاوي والمناوي أنه أثناء توغله هذا في علم القراءات تدخل في حياته العلمية مؤثر جديد حول مسارها نحو التفرغ لعلوم السنة، وكان ذلك المؤثر هو قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة، وأنه لما رأى توغله في القراءات نهاه عن ذلك وقال له: إنه علم كثير التعب قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة، فاصرف نفسك أو همتك (^١) إلى الحديث.
ويذكر ابن فهد أن ابن جماعة بعد أن بين للعراقي وجهة نظره في عدم التناسب بين مواهبه وبين علم القراءات قال له: ينبغي صرف الهمة إلى غيره، وأشار عليه بالاشتغال في علم الحديث (^٢).
وهذا يفيد أن ابن جماعة لم يحدد له علم الحديث ابتداء، وإنما ترك له اختيار علم آخر بنفسه، ويظهر أن العراقي لما اقتنع بوجهة نظر شيخه استشاره فيما يراه ملائما لعقليته على ضوء رأيه فيها، فأشار عليه بعلم الحديث، وهذا أليق من جعل التحديد صادرا ابتداء من ابن جماعة، كما ذكر السخاوي والمناوي؛ لأن في الأول دليلا على إتاحة فرصة الاختيار للعراقي، وإشراكه فيه، بعكس الثاني، ولعل المناوي والسخاوي اختصرا الموقف، وإن كان ما
_________________
(١) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٢ ووالضوء اللامع (جـ ٤/ ١٣٢ و٥ مقدمتي شرحي المناوي لألفية العراقي في السيرة)
(٢) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٢.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ذكراه أفيد من اكتفاء غيرهما بالقول: إنه اشتغل أولا بعلم القراءات، ثم مال إلى الحديث، وصرف الهمة إليه، دون ذكر أي سبب لذلك الميل (^١).
أما ابن حجر فيذكر أن ابن جماعة لم يُرشّح العراقي لعلم الحديث بالذات رعاية المناسبة عقليته له فحسب، بل لما رأى أيضا من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير وجوه الطلب المتعارفة كما سنبينها، وفي ذلك يقول: «وكان أي العراقي مفرط الذكاء، فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث، لما رآه مكبا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك» (^٢) كما يذكر أنه عرف سابق حبه للحديث، فيقول: «واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخَرِّجُه على طريقة أهل الإسناد» (^٣).
وهكذا يظهر لنا أن اتجاه العراقي للتخصص في علوم السنة، لم يكن ضربة لازب، ولا تحولا مفاجئا من أجل وظيفة، أو نصيب من الأوقاف، ونحو ذلك مما عرف عن كثيرين في عصره، كما لم يكن أمرا مسوقا إليه بغير دافع أو كفاءة؛ بل كان مرجعه الاعتبار العلمي البحت، والتناسب العقلي والنفسي، والإختيار الموفق، فتوفرت له كل العوامل الأساسية، ولم يكن ينقصه غير عنصر التوجيه الذي هيأه له الله تعالى، على يد الشيخ عز الدين ابن جماعة، فاكتملت له بذلك عناصر النجاح والتفوق، فهو ثقة ظاهر التوثيق، كامل كما قدمنا، ومحب للسنة وعلومها، ومشهود له بقوة الحافظة المُمَكِّنَةِ من استيعاب المرويات، وبقوة الذكاء الممكنة من الفهم والاستنباط.
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» ج ٢/ ٣١٢ ب.
(٢) هـ «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.
(٣) والمجمع المؤسس، ص ١٧٦.
[ ١ / ٢٥٦ ]
وقد توجه إلى التفرغ لهذا المجال باختياره القائم على المشورة الواعية الأمينة التي أخذ صاحبها على عاتقه تعبيد الطريق أمام تلميذه، والإسهام الفعلي في تكوين شخصيته الحديثية، والإشادة بها كما سنفصله.
وتعتبر هذه هي الخطوة الثانية في حياة العراقي العلمية التي تدخل فيها بعض شيوخه، حيث سبقها اعتراض شيخه الرشيدي على عزمه أن يحفظ كتاب (الحاوي الصغير) في شهر، مع دراسته كما قدمنا. ويظهر أنه بجانب اقتناعه بوجهة نظر شيخه ابن جماعة قد استفاد من التجربة السابقة، فاستجاب له، بل طلب مشورته، أو النيابة عنه كلية في اختيار عِلْمٍ مُلائم له، ولما أشار عليه بعلم الحديث أقبل فورًا بكليته عليه (^١).
وقبل أن نتابع تفاصيل هذا الإقبال نرى الأمر يحتاج لعدة مواقف:
الموقف الأول: أن وصف ابن جماعة لعلم القراءات بأنه كثير التعب في التحصيل، وقليل الجدوى في المحصول، وإقرار العراقي له على ذلك، لا ينبغي أخذه على ظاهره المنافي لأهمية علم القراءات وخطورتها المستمدة من مكانة متعلقها وهو القرآن الكريم؛ لأنه لا يعقل خفاء ذلك - على كلا الرجلين أو تهاونهما فيه؛ وإنما قصد (ابن جماعة): أنه عِلْمٌ قوامه الرواية، ومجال الاجتهاد العقلي في مسائله محدود، وبالتالي فإن صاحب الذهن المتوقد كالعراقي يكون إنتاجه فيه محدودًا، بينما لو اتجه إلى علم يجمع بين الرواية والدراية والاستنباط كعلم الحديث، تكون فائدته أعم ومجهوده أظهر.
_________________
(١) «لحظ الألحاظ»، ص ٢٢٢ و«مقدمتي شرحي المناوي لألفية السيرة».
[ ١ / ٢٥٧ ]
ويؤيد هذا أن ابن جماعة أتبع ما ذكره عن علم القراءات بقوله للعراقي: «وأراك متوقد الذهن جيد القريحة».
فدل ذلك على أن قصده الأساسي تنبيهه إلى عدم التناسب بين مواهبه وبين الاشتغال بعلم القراءات، وهذا لا غبار عليه، وقد فهمه العراقي هكذا وأقره عليه.
الموقف الثاني: كيف كانت تطلب علوم السنة في عصر العراقي ورأيه في ذلك:
فنحن في حاجة لذلك لمعرفة مسلكه في الطلب، ومدى جريه على أصوله ومبلغه في التحصيل، وفي هذا نقول: «إن علوم السنة رواية ودراية رغم تدوينها في مؤلفات جامعة وعلى مناهج عديدة حتى عصر العراقي، إلا أنه ظل الاعتماد على المدونات، والاستفادة بها، يستلزمان الرجوع إلى العلماء في كل جيل إلى عصر العراقي، بل وإلى الآن»، وذلك لأمرين:
أحدهما: إثبات صحة النسخ المتداولة من مدونات السنة وعلومها، بمقابلتها بمعرفة هؤلاء العلماء وخبرتهم، على أصولها الموثقة، بكونها بخط المؤلف، أو مقروءة عليه ونحو ذلك من الموثقات المبسوطة في كتب المصطلح.
ولهذا قرر العلماء أن من لم يأخذ علوم السنة من أفواه العلماء الضابطين وتعلمه من بطون الكتب فحسب، كان من شأنه التحريف ولم يفلت من التبديل والتصحيف (^١) ويقول العراقي: «فقلما سلم من التصحيف من أخذ
_________________
(١) (مقدمة ابن الصلاح مع التقييد والإيضاح) للعراقي ص ٢٢٩ و(حاشية الطوخي على شرح زكريا الأنصاري لألفية العراقي في المصطلح) / ٢٦٢ أ (مخطوط).
[ ١ / ٢٥٨ ]
العلم من الصحف من غير تدريب المشايخ» (^١)، كما أشار أيضا إلى أهمية ذلك بتقريره أن نسخ «المعجم الأوسط» للطبراني مع تداولها فإن كثيرا منها مغلوط لعدم اتصالها بالسماع من مؤلفها لمن بعده (^٢)
والأمر الثاني:
هو تلقي محتوى تلك المدونات عمن لهم بها سند متصل إلى مؤلفها الذي يكون بدوره مثبتا سنده المتصل بما فيها إلى مصدره الأول، سواء كان الرسول ﷺ أو من دونه من الصحابة والتابعين والأئمة، ولم يكن المحدثون يلتفتون إلى نسخة الكتاب ما لم يذكر الراوي سنده المتصل بما فيها (^٣).
ويشير ابن خلدون - معاصر العراقي - إلى عمل المحدثين في عصره فيقول: وإنما تنصرف العناية لهذا العصر إلى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها، والنظر في أسانيدها إلى مؤلفيها، وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث من الشروط والأحكام، لتتصل بالأسانيد محكمة إلى منتهاها (^٤).
وبذلك نرى أن تدوين السنة وعلومها لم يغن عن التلقي الشفاهي لها عن العلماء، بل تعاون حفظ الصدور وحفظ السطور والكتابة والمشافهة على نقل عامة كتب السنة وعلومها موثقة مضبوطة عبر الأجيال، واحتفظت الأمة على الدوام بخصوصيتها الفاذة، وهي اتصال سندها بأصول دينها وثقافتها من
_________________
(١) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ٥٤.
(٢) (قرة العين بالمسرة بوفاء الدين) للعراقي ص ٤٦ (مخطوط).
(٣) و«الفتاوى الحديثية» لابن حجر الهيثمي ص ٨٧، ٨٨
(٤) «مقدمة ابن خلدون»، ص ٣٨٦، ٣٨٧
[ ١ / ٢٥٩ ]
الكتاب والسنة وعلومها إلى مصادرها الأولى من الرسول ﷺ فمن بعده.
ومن أجل ذلك اصطلح علماء السنة منذ فجرها إلى عصر العراقي فما بعده، على طرق معينة لتلقي السنة وعلومها، مدونة أو شفهية، وقد أشار إليها ابن الصلاح بقوله: «أقسام طرق نقل الحديث وتحمله ومجامعها ثمانية» (^١).
وقال العراقي: «وجوه الأخذ للحديث وتحمله عن الشيخ ثمانية» (^٢) وأشار إليها القاضي عياض بقوله: «إعلم أن طريق النقل ووجوه الأخذ وأصول الرواية على أنواع كثيرة ويجمعها ثمانية ضروب» (^٣) ثم فصلوها: وأولها: وأوثقها السماع من لفظ الشيخ (^٤).
ويقتضي ذلك أن يسجل الشيخ بنفسه أو بواسطة شخص ثقة من الحاضرين اسم الشيخ وأسماء السامعين، إما في سجل خاص، أو على أحد أوراق الكتاب المسموع، وتاريخ ذلك ومكانه، ويُوقع الشيخ بإثبات هذا السماع، ويُسمى ذلك طبقة السماع (^٥).
فإن كان في الحاضرين طفل غير مميز أثبت في الطبقة اسمه أيضًا، وأنه حضر فقط، لعدم تمييزه لما سمع.
_________________
(١) «مقدمة ابن الصلاح»، ص ١١٦.
(٢) «فتح المغيث»، له جـ ٢/¬٤٧.
(٣) «الإلماع» للقاضي عياض ص ٦٨.
(٤) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٦٦ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٤٧.
(٥) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬٤١، ٤٢ وانظر بعض نماذج السماع بأول وآخر نسخة الأربعين العشارية الإسناد للعراقي و«مقدمة المحدث الفاصل» للرامهرمزي بتحقيق د. محمد عجاج الخطيب من ص ٥١ - ١٣٦ وصورة لوحات ١، ٤، ٥، ١٠ من نسخ الكتاب الخطية.
[ ١ / ٢٦٠ ]
وإن كان مميزا كتب من السامعين وحدد الجمهور سن الخامسة للتمييز (^١) ومنذ الولادة حتى الخامسة تُسمى مرحلة الحضور أو الإحضار، لكونها بواسطة من يُحضر الطفل مجلس السماع ويتولى كتابة اسمه في الطبقة لإثبات حضوره (^٢)
أما ما بعد الخامسة، وحتى يستقل الشخص بتصريف شئونه فتُسمى مرحلة الإسماع، لكونها أيضًا بتوجيه غيره وإشرافه، وبموجب هذا التسجيل الكتابي يثبت للشخص تحمله للمرويات التي أخضرها أو أُسْمِعَها واتصال سنده بها حرصا على بقاء سلسلة الإسناد لكي يحق له الاعتماد على ذلك في رواية ما تحمله، إلى الآخرين بعد بلوغه وتأهله لهذا (^٣)، كما يحصل له بثبوت ذلك التحمل المبكر علو الإسناد، ويستدل منه على عراقة اتصاله بعلم السنة (^٤).
وفي عصر العراقي لم يكن يعتد بثبوت هذا التحمل أو غيره من وجوه التحمل الآتية بغير الإثبات الكتابي للشخص بذلك (^٥) حتى لو ادعى الشخص أنه حضر أو سمع أو أجيز ولم يُقدّم إثباتا كتابيًا لم يقبل ذلك منه، في الغالب.
ولذلك حرص العراقي نفسه، وغيره من المترجمين لحفاظ السنة على بيان توفر أو افتقاد كل من مرحلتي الإحضار والإسماع هذين بالنسبة لهم، كما ذكره عن الميدومي شيخ العراقي، وكذا حرصوا على تحديد ما حضره، أو
_________________
(١) «الكفاية» للخطيب ص ١١٥، ١١٦ و«المحدث الفاصل» للرامهرمزي ص ١٣٠ (هامش) و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٤٤، ٤٥.
(٢) «فتح المغيث» جـ ٢/¬٤٦ و«اختصار علوم الحديث» لابن كثير/ ١٠٨.
(٣) «فتح المغيث» جـ ٢/¬٤٤ و«المناهل السلسلة» لمحمد عبد الباقي اللكنوي ص ٢.
(٤) «الكفاية» للخطيب ص ١١٦.
(٥) «فتوى العراقي عن المشروع في عاشوراء» ص ٥٠ (مخطوط).
[ ١ / ٢٦١ ]
أسمعه الشخص من المرويات، وتاريخ ذلك ومكانه إن تيسر (^١).
وعند استقلال الشخص بنفسه يبدأ مرحلة ثالثة هي الطلب بنفسه، حيث يطوف على شيوخ بلده، ثم يرحل خارجه لغيرهم، ويباشر السماع والقراءة وغيرهما من وجوه التلقي الآتية، وإثبات ذلك بنفسه.
وفي تلك المرحلة يلازم الطالب من استطاع ملازمته من الشيوخ حتى يتخرج ولو بأحدهم كما أشرنا من قبل، وكلما كانت تلك المراحل مستكملة ومرور الطالب بها مبكرًا، كلما دلّ ذلك على عناية القائمين بأمره، بجانب الدلالة على نبوغه واجتهاده الشخصي، كما يتيح له ذلك فرصة النضج العلمي المبكر، واستحقاق درجات المحدثين وألقابهم الآتي بيانها بجدراة.
والطريقة الثانية لتلقي السنة وعلومها: القراءة على الشيخ ويسميها أكثر المحدثين عرضًا، باعتبار أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كعرض القرآن على المحفظ (^٢) ويثبت اتصال السند بها للقارئ والسامعين كتابيًا بمثل طريقة إثبات السماع المتقدمة.
والطريقة الثالثة: الإجازة كقول الشيخ للطالب: أجزت لك، أو للجماعة: أجزت لكم رواية كتاب كذا، من تأليفي أو روايتي بسندي فيه: أو يذكر السند، أو ما اشتمل عليه
_________________
(١) انظر «المنتقى من ذيل العراقي على العبر» سنة ٧٦٢ هـ ضمن «مجموع ابن خطيب الناصرية» و«ذيل ولي الدين ابن العراقي» وفيات سنة ٧٦٢ هـ ترجمة مغلطاي و«الدرر الكامنة» جـ ٥/¬١٢٣ و«لسان الميزان» جـ ٦/ ٧٢ وما بعدها.
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٦٨ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/¬٥٠.
[ ١ / ٢٦٢ ]
فهرست مروياتي، ويثبت ذلك كتابيًا أيضًا، وأنواع الإجازة متعددة، وهي عمومًا أقل درجة من السماع (^٢)، والذي نحتاجه فيما نحن بصدده: الإجازة للطفل منذ ولادته، سواء أخضر مجلس المجيز أو كان غائبًا، وبثبوتها الكتابي يصح تحمله ويتصل سنده بالمجاز به ليؤديه لغيره بعد تأهله كما قدمنا في الحضور والإسماع، وأجاز العلماء ذلك أيضًا حرصًا على بقاء سلسلة الإسناد المخصوصة بها الأمة (^٣)، كما أن سند الطفل المجاز يصبح عند تأهله للأداء عاليًا لقدم تاريخ إجازته حينذاك (^٤)، وربما يكون المجيز قد توفي مع انفراد المجاز منه ببعض المرويات، فيصبح هو الوسيلة الوحيدة لوصل السند بتلك المرويات بعد شيخه، ولهذا يذكر العراقي أن بعض كتب السنة انقطع سنده من بعض البلاد لعدم وجود إجازة به لأحد من سكانها (^٥)، كما يذكر ابن حجر أن أخا الحافظ الذهبي لأمه من الرضاع استجاز له سنة مولده من بعض شيوخ عصره، فانتفع الذهبي بعد ذلك بتلك الإجازة انتفاعًا شديدًا (^٦) وبذلك يظهر لنا احتياج طالب الحديث إلى عناية من ذويه بطلبه منذ ولادته، حتى ينشأ ويشب في رحابه، ويحصل ميزة المحدثين بعلو السند وكثرة الرواية بجانب الدراية.
والطريقة الرابعة: المناولة
ولها عدة صور، كأن يمسك الشيخ كتابًا من تأليفه أو تأليف غيره، ويناوله
_________________
(١) انظر «الإلماع» للقاضي عياض ص ٨٨ - ١٠٧ و«مقدمة ابن الصلاح» ١٨٠ - ١٩٠ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٥ - ٧٨.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٧٣، ٧٤ و«فتح المغيث» للسخاوي جـ ٢/¬١٥.
(٣) «الكفاية» للخطيب ص ١١٦.
(٤) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٢.
(٥) «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ٨٤.
[ ١ / ٢٦٣ ]
لتلميذه ويأذن له في روايته عنه، أو نسخه أو مقابلة نسخته عليه، ونحو ذلك (^١) ويثبت ذلك كتابيا أيضًا.
والطريقة الخامسة: المكاتبة
كأن يكتب الشيخ، أو يُكلّف ثقة غيره بكتابة شئ من مروياته أو مؤلفاته لبعض الحاضرين أو الغائبين ويُوقع له بذلك (^٢).
والطريقة السادسة: إعلام الشيخ للطالب بأن هذا الكتاب تأليفه، أو روايته بسنده، دون أن يأذن له بروايته
وهذه الطريقة مختلف في الاعتماد عليها في الرواية ولكل دليله دون مرجح (^٣)
والطريقة السابعة: الوصية بالكتاب.
كأن يوصي الشيخ قبل موته أو سفره لشخص برواية بعض مروياته، أو مؤلفاته، والخلاف فيها أكثر من السابقة لضعفها عنها (^٤).
والطريقة الثامنة: الوجادة
وهي أن يجد الشخص بخط من عاصره أو لم يعاصره مرويات أو مؤلفات له دون أن يكون له منه إجازة ونحوها.
وهذه الطريقة لا تفيد اتصال السند للواجد بالموجود، ولكن تكون روايته له منقطعة السند سواء كان ما وجده موثقًا بالتأكد أنه بخط المؤلف أو مصححا.
_________________
(١) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٩١ - ١٩٤ و(فتح المغيث) للعراقي جـ ٢/¬٣ - ٧.
(٢) «مقدمة ابن الصلاح» ص ١٩٧ - ١٩٨ و(فتح المغيث) جـ ٣/¬١٠، ١١.
(٣) «المقدمة» ص ١٩٨ و(فتح المغيث) ج ٣/¬١٢، ١٣.
(٤) «المقدمة» ص ٢٠٠، ٢١٠.
[ ١ / ٢٦٤ ]
بمقابلته أو بمقابلة ثقة آخر على أصل صحيح أو لم يكن موثقا غير أنه في حالة التوثيق يعبر في الرواية بالجزم كقوله: «وجدت بخط فلان أو في كتاب فلان».
وفي حالة عدم التوثيق يعبر بصيغة غير جازمة كقوله: «وجدت عن فلان أو بلغني عنه، أو ذكر الكاتب أنه خطه ويسوق ما يريد بروايته بالسند الوارد في الكتاب فلو عبر بصيغة لا توضح الوجادة كقوله: عن فلان، أو قال فلان كان مدلسا» (^١).
وهكذا حكم النقل من مصنفات المؤلفين في السنة وعلومها، فإن ثبت للناقل كون النسخة التي يريد النقل منها موثقة، أو كان من العلم بحيث لا يخفى عليه السقط والتحريف وخلل السياق، نقل بصيغة الجزم، مثل: قال فلان كذا وذكر كذا، وإن لم تكن موثقة أو لم يكن عالمًا، عبر بصيغة لا تقتضي الجزم بنسبة المنقول، كبلغني كذا، أو وجدت في نسخة الكتاب الفلاني كذا.
وقد أشار ابن الصلاح إلى توسع أهل العلم في زمانه في هذا بحيث ينقلون من المصنفات بصيغة الجزم عموما دون تفريق بين الموثق منها وغيره (^٢).
وأقول: إن هذا ما يجري عليه كثير من أهل العلم في عصرنا الحاضر. أما العراقي فيطالب بالدقة العلمية، حيث يقرر أنه لا يحل لمن لم يتعلم علم الحديث عن أهله، نقل حديث من الكتب ولو من الصحيحين، ما لم يعتمد
_________________
(١) «المقدمة» ص ٢٠١ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬١٤، ١٥.
(٢) «المقدمة» ص ٢٠٢ و«فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/¬١٦، ١٧.
[ ١ / ٢٦٥ ]
على من يعلم ذلك من أهل الحديث (^١)، وأنه يقبح بطالب الحديث، بل بطالب العلم عمومًا أن ينقل بصيغة الجزم ما ليست له به رواية مسندة، وينقل إجماع علماء الرواية على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: «قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا، ولو على أقل وجوه الروايات التي قدمناها وأقر ذلك (^٢) وعلى ضوء ذلك كله يظهر لنا أن علماء السنة قد وضعوا المنهج المتكامل والدقيق لتلقيها وانتقالها مع علومها المختلفة موثقة نامية مصححة الأصول والمصادر من جيل إلى جيل؛ ولذلك أخذ أئمة العلوم النقلية الأخرى في تلقي علومهم وتوثيقها بمنهج علماء السنة هذا كما أشرنا لذلك من قبل» (^٣).
كما ظهر لنا أن تدوين السنة وعلومها في مؤلفاتها المتداولة حتى الآن لا يغني عن تلقيها مع علومها من أفواه العلماء والتدرب عليها في فنونها واصطلاحاتها على يديهم.
الموقف الثالث: متى بدأ طلب العراقي للسنة؟ وتأثير والده السلبي وتعليله:
مما تقدم عن مراحل طلب السنة وعلومها وعن أصول تلقيها بالسماع والإجازة، يتبين لنا أن طالب السنة يحتاج إلى عناية من ذويه منذ ولادته، بحيث يوجد من يهتم بتحصيل إجازات العلماء ذوي السند العالي له،
_________________
(١) (تقريب الأسانيد) ص ٣ و(طرح التثريب في شرح التقريب) جـ ١/¬٢٧ و(فتح المغيث) جـ ١/¬٣٥ و(الباعث على الخلاص) ص ١٩ (مخطوط) والأربعة للعراقي.
(٢) «الباعث على الخلاص» ص ١٩.
(٣) وينظر «اللؤلؤ النظيم في روم التعلم والتعليم» للشيخ زكريا الأنصاري ص ١٨٢ (مخطوط).
[ ١ / ٢٦٦ ]
وبإحضاره مجالسهم لإسماع الحديث أو إملائه، مع إثبات اسمه في الطباق وغير ذلك مما أشرنا إليه.
حتى إذا شب هذا الوليد وبدأ يطلب بنفسه وجد له رصيدًا مشجعا من المرويات، وارتباطا متصلا بعدد من الأسانيد العالية.
فإذا جئنا بعد ذلك إلى الحافظ العراقي، ونظرنا في بداية طلبه للسنة وجدنا أقرب الناس إليه وهو ولده ولي الدين أبو زرعة يقول: «إن أقدم سماع وقفت عليه له مؤرخ في سنة ٧٣٧ هـ» (^١) وأقره على هذا غيره من تلاميذ والده وغيرهم (^٢)، ومعنى ذلك أنه قد مضى من عمر العراقي (١٢) عاما تقريبا لم يوقف على إثبات كتابي بتلقيه فيها شيئًا من الحديث.
ولما كان هذا الإثبات هو مناط الحكم، وسند الرواية فيما بعد، فإن افتقاده ضيع رصيد العراقي، من السند العالي في المرحلتين المبكرتين من مراحل الطلب، وهما الإحضار والإسماع كما بينا، فلم يوجد له إثبات حضور أصلا، ولا سماع مُبَكِّر أو حتى إجازة، ويعتبر هذا غاية في الدلالة على تأخره في الاتصال بالسنة كتابيًا، وعدم الاعتناء به في ذلك إذا ما قيس بمعاصره الحافظ الذهبي، في تحصيله إجازة بعض العلماء في سنة ولادته بعناية أخيه من الرضاع كما قدمنا وإذا قيس أيضًا بما سيأتي من إحضار العراقي نفسه لولده أبي زرعة مجالس الحديث عند ذوي الإسناد العالي في سنة ولادته أيضًا وإثبات ذلك له كتابيًا.
_________________
(١) «مجموع ابن خطيب الناصرية» (ترجمة العراقي) وهامش «المجمع المؤسس» نسخة دار الكتب المصرية السابق الإشارة لها/ ص ١٧٦.
(٢) و«لحظ الألحاظ» لابن فهد ص ٢٢١.
[ ١ / ٢٦٧ ]
ولما كان العراقي كما أسلفنا، قد تمتع بالمواهب والإستعدادات الذاتية الملائمة لطلب السنة والاشتغال بها، مع توفر علمائها ذوي الإسناد العالي في مسرح حياته كما سلف أيضًا، لما كان الأمر كذلك، فإن تلاميذه ومن بعدهم يُحَمِّلُون والده وحده مسئولية هذا الإختلال أو التقصير في الطلب خلال مدة الإثنى عشر عاما المذكورين، باعتبار أنها فترة يكون دور ولي الأمر فيها أكبر من دور الطالب نفسه بحكم صغره كما سبق توضيحه.
ومما يصور مدى مسئولية والده، أن العراقي أُتيح له في الواقع وعلى يد والده فرصتا مرحلتي الإحضار، والإسماع المبكرتين، لكن والده لم يعن بالتسجيل الكتابي لذلك، وهو وسيلة الإثبات المعتمدة حينذاك كما بينا.
فبالنسبة لمرحلة الإحضار، نجد أن والده كما قدمنا كان يعمل بخدمة الشيخ تقي الدين القنائي ويُحضر معه ولده عبد الرحيم هذا في طفولته كثيرا عند الشيخ تقي الدين، الذي كان يلاطفه ويكرمه (^١).
وما كان أسهل على والده حالتئذ - لو شاء - أن يطلب من الشيخ إجازة لولده بشئ من مروياته لأنه كان من ذوي الإسناد العالي الموثق، كما كان المحدثون يترددون عليه للسماع منه لعلو سنده.
وما كان أسهل على والد العراقي أيضًا - لو اهتم - أن يثبت اسم ولده بالحضور ضمن هؤلاء المترددين في طبقات سماعهم.
ولكن الذي حدث أن العراقي بعد ما كبر وعرف قواعد الطلب وميزة الاتصال المبكر بالسند العالي، أكثر البحث بنفسه عن إثبات كتابي بحضوره.
_________________
(١) وينظر لحظ الألحاظ/ ٢٢١.
[ ١ / ٢٦٨ ]
المتعدد ضمن من ترددوا على الشيخ لسماع الحديث فلم يجد شيئًا. وفي ذلك يقول السخاوي: «وتكرر إحضار أبيه له إلى التقي (القنائي) فكان يلاطفه ويكرمه، وعادت بركته عليه ولكنه كان يتوقع وجود حضور له على التقي المشار إليه، لكونه كان كثير الكون عنده مع أبيه، وكان أهل الحديث يترددون إليه للسماع منه لعلو سنده، فإنه سمع من أصحاب السلفي، فلم يظفر بذلك» (^١) ويوافق السخاوي في هذا ابن فهد تلميذ العراقي (^٢).
وقول السخاوي: «فلم يظفر بذلك»، وكذا قال ابن فهد: «لكنه لم يقف على شئ من ذلك»، يدلان صراحة على اهتمام العراقي بهذا وحرصه على وجود إثبات له ببعض المرويات العالية في تلك المرحلة، لكن لم يُوقِفه البحث على شي ولو حتى إجازة، كما تدل عبارة النفي المطلق على ذلك. ولم يكن تأكده الفعلي من تعدد حضوره، ومكثه الطويل في مجالس الشيخ مغنيا عن وجود الإثبات الكتابي بذلك، فضاعت عليه فرصة علو سنده في مرحلة الحضور هذه بتهاون والده كما ترى.
ويدل عدم قيامه بالإستجازه له من الشيخ، أو إثبات حضوره سماع الحديث عنده مع تيسر ذلك جدا كما أوضحنا، على أنه لم يكن يقصد بإحضاره عند الشيخ تحصيل الإسناد الحديثي له، بل التبرك بالجلوس مع الشيخ، حيث كان بجانب عُلو سنده في الحديث، يعتبر من خيرة الصالحين في زمانه. والمعروف في قواعد الطلب أن حضور مجالس الحديث حتى بالنسبة
_________________
(١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧١.
(٢) ولحظ الألحاظ، ص ٢٢٢.
[ ١ / ٢٦٩ ]
للشخص المميز، إما أن تكون لمجرد الاستفادة أو البركة، وإما أن تكون بقصد الطلب والاشتغال بالسنة.
فالأولان لا يعتد بهما في التحمل واتصال السند، ولذا يقول ابن حجر عن شيخه البلقيني: «وسمع من الأحاديث في مجالس الحديث شيئًا كثيرًا غالبه بغير اعتناء بطلبه» (^١).
وأما الثاني فهو المعتمد؛ لأن القصد هو مدار اعتبار الأعمال بالإضافة إلى التسجيل الكتابي الموثّق، كما اصطلح عليه بعد التدوين للسنة وعلومها، ليكون ذلك مستندًا بالتحمل للمرويات، عند أدائها للغير على نحو ما تقدم توضيحه.
ولهذا فإني لم أجد للعراقي رواية عن الشيخ تقي الدين القنائي هذا فيما قرأته من مؤلفاته وهو معظمها، وخصوصًا ما أورد فيها أسانيده العالية كما سيأتي، بل وجدته فقط ذكر في «تكملته لشرح الترمذي» بعض ما أخبره به والده عن أخلاق الشيخ وحسن طباعه ومعاملته، كما قدمت ذكره في هذا الباب، فلو كان له رواية عنه لناسب المقام الإشارة إليها.
وتجدر الإشارة إلى أن افتقاد العراقي فرصة علو السند في تلك المرحلة أو في تاليتها، لم يحمله على إدعاء شئ منه، كما حدث من بعض معاصريه، حيث كان ذلك مما يفتخر به حينئذ (^٢)، وهذا يدل على ثقته وأمانته العلمية، وبعده عن هذا النوع من التدليس، وعندما ندع مرحلة الحضور في الطفولة.
_________________
(١) «المجمع المؤسس» ص ١٩٨.
(٢) انظر «لسان الميزان» جـ ٦/ ٧٢ وما بعدها «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ٣٩١.
[ ١ / ٢٧٠ ]
إلى مرحلة الإسماع بعد سن التمييز ألا وهو الخامسة، نجد أيضًا لوالد العراقي تأثيره السلبي بالنسبة لإسماع ولده الحديث، وربطه بأهله، فرغم أنه بعد حفظ القرآن في الثامنة من عمره كما تقدّم، وجهه للدراسات العامة المتقدمة وطاف به فعلا على الشيوخ وأسمعه منهم، إلا أنه اتجه به إلى نوعية معينة من الشيوخ والمجالس، وهم شيوخ التصوف ومجالسهم الوعظية، لمجرد الاستفادة الشخصية، وبدون قصد الطلب كما أوضحنا.
حتى إن من كان منهم له بجانب مجالس الوعظ والتذكير، مجالس للتحديث، وتمتع بعلو السند، نجد حضور العراقي عليه حينئذ يقتصر على مجالس الوعظ فقط، دون مجالس التحديث.
ويذكر لنا العراقي بنفسه ذلك حيث يترجم للشيخ محمد بن إبراهيم الجعبري المتوفى في ٢٤ من المحرم سنة ٧٣٧ هـ فيذكر أنه سمع صحيح مسلم من الرضي ابن البرهان، وسمع أيضًا من النجيب، ثم يقول: إنه حدث ووعظ وذكر، وسمع منه ناصر الدين الفارقي، ثم يذكر صلته هو به فيقول: «وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة» (^١).
وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي ما كان أحرصه وأحراه أن يذكر حضوره مجالس تحديث الجعبري، وظَفَرَه بالسماع منه مثلما ذكر سماع الفارقي، وذلك لأن الفارقي هذا أحد شيوخ العراقي في الحديث، فيكون في مشاركة العراقي له في السماع من الجعبري ميزة مساواته لشيخه في الإسناد.
كما أن النجيب الذي أثبت العراقي سماع الجعبري منه، هو عبد اللطيف.
_________________
(١) و«المنتقى من تاريخ العراقي» (ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية).
[ ١ / ٢٧١ ]
ابن عبد المنعم المعروف بالنجيب الحراني، وكان مسند الديار المصرية في عصره، وفي زمن العراقي كان السماع من تلاميذ النجيب كالجعبري هذا يعد من مقاييس علو الإسناد كما سيأتي.
فلو أن العراقي وقف على ما يثبت سماعه الحديث منه لذكره وروى عنه لتحصيل هاتين الميزتين، ولكنه اكتفى بذكر حضوره المتعدد المجلس تذكيره ووعظه فقط، وهذا لا يثبت له سندا بتلقي الحديث عنه، كما لم نجد له رواية عنه ولذلك عقب ابن حجر على كلام العراقي السابق بقوله: قلت: «كان شيخنا ابن عشر سنين حينئذ، وكان أبوه يحضره عند المشايخ، فسمع منهم - أي بغير قصد الطلب بل للاستفادة الشخصية كما أشرت -» قال: «ولو كان أبوه من أهل الفن تحصل له الإسناد العالي القديم» (^١).
وهذا تصريح واضح الدلالة على التأثير السلبي لوالد العراقي في مرحلة الإسماع هذه أيضا، وتعبير ابن حجر بالإسناد العالي القديم، تعبير فني واع؛ لأنه سيأتي سماع العراقي من أحد أصحاب النجيب غير الجعبري، وهو الميدومي، فإذا قيل: إنه عوض بذلك ما فاته من علو الجعبري، كان في وصف علو الجعبري بالقدم رد على ذلك، لأن الجعبري، متوفى سنة ٧٣٧ هـ كما هو مذكور، بينما الميدومي متوفى سنة ٧٥٤ هـ فامتاز علو الجعبري بالقدم كما ترى، وأهل الفن يقدمون الأقدم (^٢).
أما تعليله تفويت والد العراقي تلك الفرصة على ولده بأنه لم يكن من أهل
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ٣٨٥.
(٢) انظر «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ٢٢٠.
[ ١ / ٢٧٢ ]
الفن، فيعكر عليه قول ولي الدين ابن العراقي في ترجمته لجده هذا: إنه سمع الحديث من زينب بنت شكر، وغيرها، وحَدَّث، وسمع منه والدي، وحدثني عنه (^١) وتحديده السابق لأقدم سماع لوالده بسنة ٧٣٧ هـ، يفيد أن سماعه هذا من جده كان أحدث من ذلك، لكن إثباته أنه سمع الحديث من غير واحد وحدَّث به غير واحد، ومنهم ولده عبد الرحيم، يدل على درايته - على الأقل - بقواعد التحمل والأداء التي قدمتها، وهي قوام معرفة الطلب وتحصيل الأسانيد، بل قد ذكر العراقي عن أعلا شيوخه سندا كما سيأتي وهو الميدومي: أن والده لم يحضره مجالس السماع إلا بعد سن الخامسة، فلم يوجد له حضور أصلا، مع أن والده ليس من أهل الفن فحسب، بل كان شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة (^٢) وذَكَرَ نحو هذا عن غيره (^٣).
ولهذا فإني أفضّل تعليل السخاوي ذلك بعدم عنايته فقط بشأن ولده في طلب الحديث لا بجهله للفن (^٤).
وقد سبق تعليلي لتهاونه في هذا الجانب بأنه كان يريد توجيه ابنه نفس وجهته وهي الصوفية، لا التعمق في طلب الحديث والاشتغال به وإلا لاهتم بإثبات فُرص حضوره وسماعه التي أتيحت له فعلا بالنسبة لتقي الدين القنائي والجعبري وغيرهما ممن أشار لهم ابن حجر في كلامه السابق، وعندما نقرن بين ما قرره ابن حجر من طواف والد العراقي به للسماع في العاشرة من عمره،
_________________
(١) «ذيل ولي الدين» وفيات سنة ٧٦٣ هـ ترجمة أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن العراقي.
(٢) «طرح التثريب» جـ ١/ ١٠٨.
(٣) «الدرر الكامنة» / ٢/ ٤٥٧
(٤) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.
[ ١ / ٢٧٣ ]
وبين ما قرره ولي الدين ابن العراقي وغيره من أن أقدم سماع وقف عليه له سنة ٧٣٧ هـ نجد أن هذا السماع متأخر عامين عن وقت طوافه للسماع، ولا شك أنه كان فيها مواصلا للتردد على الشيوخ، إما لسماع دروس بعضهم الوعظية والحديثية بقصد الاستفادة لا الطلب، وإما للإشتغال بمبادئ ما قدمناه من علم الفقه وغيره، وقد كان بإمكانه بحكم توافر المحدثين وتوفر الاستعداد لديه كما تقدم، تحصيل كثير من المرويات والمسموعات العالية وإثبات ذلك كتابيا، لكن هكذا كان تأثير توجيه والده حينئذ وجهة غير حديثية.
ويؤكد ابن حجر مرة ثانية افتقاد العراقي عمومًا من يعتني بوصله بتحصيل المرويات الحديثية بسندها عن الشيوخ على الوجه المطلوب رغم توفر رغبته الشخصية فيقول: «وكان قد حفظ التنبيه، واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخرجه على طريقة أهل الإسناد» (^١)، لكن سيأتي أن هذا الافتقاد ليس على إطلاقه حيث توفر للعراقي فيما بعد من خرجه في علم الحديث وإن لم يقرر ذلك ابن حجر.
أما السخاوي فيبين لنا نوعية أقدم سماع، الذي وقف عليه ولي الدين ابن العراقي حيث يقول إن والد العراقي أسمعه في سنة ٧٣٧ هـ من الأمير سنجر الجاولي (المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (^٢»، والقاضي تقي الدين محمد الإخنائي المالكي (المتوفى سنة ٧٥٠ هـ) (^٣)، وغيرهما من ذوي المجالس الشهيرة مما
_________________
(١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦.
(٢) سبق التعريف به في حالة العصر العلمية وانظر (الدرر الكامنة) جـ ٢/ ٢٦٦.
(٣) هو قاضي القضاة بمصر محمد بن أبي بكر بن عيسى وقد سمع كثيرًا من الحديث وأسمعه. انظر «الديباج المذهب» لابن فرحون ص ٣٢٧ و«الدرر الكامنة» جـ ٤/¬٢٧ و(حسن المحاضرة) جـ ١/ ٢٦٢.
[ ١ / ٢٧٤ ]
ليس في العلو بذاك …، ثم قال: ولو كان أبوه ممن له عناية لأدرك بولده السماع من مثل يحيى بن المصري، آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة (^١). ويلتقي مع السخاوي في هذا ابن فهد، حيث يقول: «وقصارى ما حضره قديما على قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي المالكي، والأمير سنجر الجاولي وغيرهما في صغره قبل طلبه بنفسه، سماعات نازلة» (^٢).
وقد ظهر لي أن وصفهما سماعات تلك الفترة، بعدم العلو إنما هو بحسب الغالب، لأن العراقي نفسه قد أورد بعض مروياته عن الأخنائي المذكور ضمن أعلا مرويات عصره بالسند المتصل بالثقات، مع تأخر وفاته كما ترى نحو خمس سنين عن الجاولي (^٣).
ويقول ابن حجر: «وأول ما أُسْمِعَ الشيخ الحديث: على سنجر الجاولي وتقي الدين الأخنائي» (^٤)؛ غير أن ما تقدم عنه أيضًا من ذكر الطواف به على الشيوخ للسماع منهم وهو في العاشرة من عمره، أي قبل إسماعه من الشيخين المذكورين بعامين، يفيد أن هذه ليست أولية مطلقة، وإنما المراد أن هذا أول إسماع له للحديث أمكن الوقوف على إثباته كتابيا كما صرح به ولي الدين ابن العراقي في قوله: «وأقدم سماع وقفت عليه له في سنة ٧٣٧ هـ» (^٥) وهذا أدق من تعبير ابن حجر بالأولية المطلقة؛ لأن عدم الوقوف على الشئ لا يعني عدمه.
_________________
(١) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧١.
(٢) (لحظ الألحاظ)، ص ٢٢١.
(٣) انظر (الأربعين العشارية)، ورقتي ٢، ٢١.
(٤) (المجمع المؤسس)، ص ١٧٦.
(٥) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي).
[ ١ / ٢٧٥ ]
التقويم العام لمرحلتي الإحضار والإسماع:
إلا أن الذي يظهر من كل ما تقدم: أن العراقي قد افتقد في مرحلتي الإحضار والإسماع هذين من يعتني بطلبه للحديث على طريقة أهل الإسناد كما أوضحنا، وأن مسئولية ذلك التقصير تقع على كاهل ولي أمره وموجهه حينذاك وهو والده ﵀، ولعل له في ذلك عذرًا لا نعلمه.
ولكني أرى أن ذلك وإن فوت عليه كثيرًا من جانب الرواية، فإنه لم يفوّت عليه جانب الدراية لما تلقاه بعد سن التمييز وحفظ القرآن كما تقدم، سواء ما تلقاه خلال مجالس التذكير والعظة التي تعتبر نوعًا من التثقيف العام المعتمد على الكتاب والسنة، أو ما تلقاه من دراسته المبادئ العلوم التي ابتدأ بها نشاطه العلمي: من فقه وأصول ولغة، والتي كان لابد له من الاشتغال بتحصيل قسط كاف منها كما أوضحنا.