تُعتبر الحالة العلمية لعصر العراقي بحسب مقتضياتها ومقياس عصرها، غاية في الازدهار والخصوبة، سواء في ذلك العلوم الإسلامية بصفة عامة، أو السنة وعلومها بصفة خاصة، ونوضح ذلك فيما يلي:
١ - أن دولة المماليك كانت ثاني دولة تقوم في منطقة مصر والشام والجزيرة.
_________________
(١) «النجوم الزاهرة» جـ ١٠/ ٨٨، ٨٩.
(٢) «مجموعة ابن طولون الحنفي» ورقة ١٨٣ ب (مخطوط).
(٣) «بهجة الناظرين» للغزي ص ٦٨.
[ ١ / ١٠٨ ]
العربية على نشر عقيدة السنة وعلومها بعد القضاء على دولة الشيعة الفاطمية، فقد عاشت هذه المنطقة، كما هو معروف قرابة مائتي سنة تحت حكم الفاطميين الذين اعتنقوا المذهب الشيعي المعوج، وربوا عليه أكثر من جيلين من شعوب المنطقة، مخالفين بذلك مذهب أهل السنة الذي عليه جماعة المسلمين، والخلافة العباسية القائمة حينئذ ببغداد، فلما كان عام ٥٦٧ هـ أسقط الأيوبيون، وهم سنيون شافعيون، دولة الفاطميين، وأقاموا دولتهم مكانها، فاهتموا منذ اللحظة الأولى بالقضاء على المذهب الشيعي، وإحلال المذهب الشني محله، تحقيقا للوحدة المذهبية مع الخلافة العباسية ومن والاها (^١).
ففي القضاء، أحلوا مذهب الإمام الشافعي ناصر السنة، محل المذهب الإسماعيلي الشيعي كما قدمنا، أما في التعليم، فإنهم أدخلوا بمصر والشام نظام المدارس الذي كان معروفًا ببلاد العراق، بينما كانت مصر والشام تعتمد حتى عصرهم، في التعليم على المساجد، التي هي مدرسة الإسلام الأولى (^٢) فأنشأ الأيوبيون بالإضافة للمساجد نوعين من المدارس، هما: المدارس الفقهية، والمدارس الحديثية، أما المدارس الفقهية فتختص بدراسة فقه المذاهب الأربعة الممثلة لمذهب أهل السنة والجماعة كما ذكرنا في القضاء، وأما المدارس الحديثية، فتختص بالدرجة الأولى بدراسة السنة وعلومها، باعتبارها منطلق جميع المذاهب، بعد القرآن الكريم، فبانتشارها تتكشف حقيقة مذاهب الشيعة والمبتدعة، وأهل السنة على السواء.
ويتفق المؤرخون على أن مؤسس الدولة الأيوبية نور الدين محمود بن زنكي
_________________
(١) (الأيوبيون والمماليك) للدكتور سعيد عاشور ص ١٥، ٢٩، ٣١، ١٥٠.
(٢) المرجع السابق ص ١٥٤، ١٥٥ و(صفحات من عصر السيوطي) لعبد الوهاب حمودة ص ٩٧.
[ ١ / ١٠٩ ]
المتوفى سنة ٥٦٩ هـ، هو أول من أنشأ مدرسة تحمل اسم «الحديث» وتختص بدراسة السنة وعلومها، ولم يُعرف حتى الآن من سبقه لذلك (^١) مع ملاحظة أنه أنشأ غيرها عددًا من المدارس الفقهية والمساجد (^٢)، مما يوحي بأنه قصد بتلك المدرسة إحياء شعار السنة، في مواجهة الشيعة والمبتدعة، وقد حظيت دمشق بأن تكون محل هذا السبق، حيث أنشأ نور الدين تلك المدرسة بها وعرفت بـ «دار الحديث النورية» نسبة إليه وتولى مشيختها حينئذ الحافظ ابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١ هـ (^٣).
وقد انتشرت مدارس الحديث بعد ذلك ببلاد العراق، كالموصل وتكريت وإربيل (^٤)، ثم أنشأ الملك الكامل محمد بن أبي بكر، من الأيوبيين أيضًا، دارا للحديث بمصر سنة ٦٢٢ هـ، وعُرفت بـ «دار الحديث الكاملية» نسبة إليه، وقد بقيت حتى درس العراقي بها كما سيأتي، وعلى ذلك فإن قول المقريزي (^٥) والسيوطي (^٦) ونور الدين علي السخاوي (^٧) ومن تبعهم من الباحثين (^٨): إن دار
_________________
(١) «تحفة الأحباب» لعلي السخاوي ورقة ٢٤ ب و«جامع كرامات الأولياء» للنبهاني جـ ٢/ ٢٤٠ و«المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد ص ١٢٨، ١٢٩.
(٢) «وفيات الأعيان» لابن خلكان جـ ٤/ ٢٧١ وما بعدها.
(٣) «خطط المقريزي» جـ ٢/ ٣٧٥ و«الدارس في تاريخ المدارس» للنعيمي جـ ١/ ٤٩٩ و«المنذري وكتابه التكملة» للدكتور بشار عواد ص ١٢٩.
(٤) «المنذري وكتابه التكملة»، ص ١٢٩، ١٣٢.
(٥) «الخطط» جـ ٢/ ٣٧٥.
(٦) «حسن المحاضرة» جـ ٢/ ١٥٩.
(٧) «تحفة الأحباب»، ورقة ٢٤ ب.
(٨) كالدكتور عبد العظيم شرف في كتابه عن ابن قيم الجوزية ص ٤٨.
[ ١ / ١١٠ ]
الحديث الكاملية، تُعدُّ ثاني دار عُمِلَتْ للحديث، ليس صحيحًا بهذا التعميم، وقد أكثر الأيوبيون عموما من المدارس ودور الحديث بالشام عن مصر، لكون الشام كانت قاعدة ملكهم، ولتركز معاقل الشيعة فيها حينئذ، حتى أحرق الإسماعيلية حلب سنة ٥٧٥ هـ.
وكانت كلما بنيت بها مدرسة لأهل السنة خربوها (^١)، وبلغ عدد دور الحديث في دمشق وحدها ثمانية عشر دارًا (^٢)، وفي حلب ستة دور (^٣)، وجلبوا لها كثيرًا من علماء السنة من الأقطار المجاورة (^٤)، وبهذا ارتفع منار السنة بالمنطقة، ونهضت علومها في عصر الأيوبيين، وخرجت المساجد ودور الحديث بالشام ومصر، جيلا رائدًا من حُفَّاظ السنة ونقادها، كالحافظ عبد الغني المقدسي، وابن الصلاح والمنذري وغيرهم.
فلما انتزع المماليك الحكم من سادتهم الأيوبيين، وأقاموا دولتهم سنة ٦٤٨ هـ (^٥)، واصلوا المسيرة العلمية، مع العناية بالسنة في مواجهة الشيعة الذين ظلت لهم مواقع ظاهرة على امتداد الدولة (^٦) رغم جهود الأيوبيين العلمية والحربية في القضاء عليهم كما أشرنا.
_________________
(١) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص ١٤٧، ١٤٨.
(٢) «خطط الشام» لمحمد كرد علي جـ ٦/ ٧١.
(٣) «الأدب في عصر صلاح الدين» للدكتور محمد زغلول ص ١٤٩.
(٤) المصدر السابق ص ٨٠، ١٥٦.
(٥) «الأيوبيون والمماليك» للدكتور سعيد عاشور ص ٣، ٤، ٢٠٥.
(٦) «المعصر المماليكي» ص ٢٠٧، ٢١٢ و«المجتمع المصري في عصر سلاطين المماليك» ص ١٥٣ وما بعدها، كلاهما للدكتور سعيد عاشور.
[ ١ / ١١١ ]
٢ - ثم جَدَّ في دولة المماليك عاملان جديدن جعلا المنطقة قاعدة لأكبر نشاط في عصره للعلوم الإسلامية، وفي مقدمتها السنة وعلومها التي هي شعار الدولة الأساسي: