[ ١ / ٦٣ ]
السنة بمفهومها المتقدم، مَرَّت كغيرها من العلوم الإسلامية، بعدة مراحل حتى صارت عِلْمًا قائما بذاته له أصوله ومصطلحاته، ومناهج بحثه ومؤلفاته المبينة لكل ذلك، والمطبقة له، والحافظة للأصل الثاني للإسلام بعد القرآن الكريم، وباتساع دوائر البحث وتجدد المسائل والقضايا في كل عصر وبيئة، صارت المباحث علومًا عديدة، كل منها يخدم جانبًا من جوانب السنة، كعلم الجرح والتعديل، وعلم غريب الحديث، وعلم المصطلح، وسُمِّي مجموعها علوم السنة أو الحديث أو الأثر على الترادف السابق، وقد يطلق عليها «علم» مفردا، على إرادة الجنس الشامل لعدة أنواع، والسياق يُحدد المقصود.
وتتبع تلك المراحل منذ عصر الرسول ﷺ حتى القرن الثامن الهجري، ومفتتح التاسع حيث عاش الحافظ العراقي، واستغرقت علوم السنة عمره، ليس من مطالب موضوعنا، ولا يفي به هذا المدخل التمهيدي، فقد أفاض فيه القدماء والمحدثون من الشرقيين (^١) والمستشرقين (^٢)، وقدمت فيه رسائل جامعية متعددة (^٣).
لهذا فإننا نكتفي هنا بالقول: إن السنة عبر تلك المراحل والقرون، قد
_________________
(١) كالذهبي في «تذكرة الحفاظ» والحسيني وابن فهد والسيوطي في ذيولهم عليها وكالأستاذ أحمد أمين في كتبه «فجر الإسلام» وضحاه وظهره على ما فيهم من أخطاء ردها عليه الباحثون من بعده، وكفؤاد سركين في «تاريخ التراث» وغيرهم.
(٢) مثل كارل بروكلمان في «تاريخ آداب اللغة العربية» ومؤلفو دائرتي المعارف البريطانية والإسلامية رغم أخطائهم كذلك.
(٣) منها: «الحديث والمحدثون» للدكتور محمد أبو زهو ﵀، و«السنة قبل التدوين» لمحمد عجاج الخطيب، و«السنة النبوية في القرن الثالث الهجري» للأخ الفاضل الدكتور/ أحمد عمر هاشم وغير ذلك.
[ ١ / ٦٥ ]
انتقلت أساسًا - رغم ما كتب منها بين يدي الرسول ﷺ وما تجمع بعده وصنف - بواسطة سلسلة متتابعة من الرواة والعلماء، تلقى كل منهم عن الآخر ما تيسر له منها، بالسماع أو الإجازة أو نحوهما، من طرق الرواية المعروفة، حتى تنتهي السلسلة إلى المصدر الأول للسنة، وهو الرسول ﷺ أو أصحابه أو تابعيهم بإحسان كما تقدَّم، وتُسمى هذه السلسلة من الرواة بالسند أو الإسناد؛ لأن السنة المروية تستند في ثبوتها عليه، كما يستند الحفاظ عليه في قبول المروي أو رده، وتُسمى بالطريق؛ لأنها توصل إلى المروي، أما المروي نفسه من أنواع السنة فيسمى بالمتن؛ لأن به قوام المعنى، والمتن في اللغة يطلق على ما به قوام الشئ.
ولمكانة السنة الأصيلة في الإسلام كما أوضحنا، فإن المسلمين قد عنوا بجانب حفظهم للقرآن وكتابته ودراسته، بحفظ السنة والتثبت في روايتها وكتابتها وجمعها والتصنيف فيها في كل عصر وموطن، والتأليف في مختلف نواحي المتن والسند، ونشأ من ذلك كله ما يعرف بعلوم السنة.