ويصرح ابن فهد أن العراقي في هذا التاريخ أيضًا التقى بالشيخ عز الدين ابن جماعة، الذي مثل عامل التحول الأساسي لاتجاهه، فيذكر ابن فهد أن ابن جماعة نهى العراقي عن الانهماك في علم القراءات، وأشار عليه بالاشتغال في علم الحديث، فأقبل حينئذ عليه، وطلب بنفسه، وذلك في سنة ٧٤٢ هـ (^١). وذكر السخاوي نحو هذا، لكنه عاد فأقر شيخه ابن حجر على خلافه كما سنوضحه.
ويتفق ابن خطيب الناصرية تلميذ ولي الدين ابن العراقي ومعاصره، ابن تغري بردي مع ابن فهد على أن العراقي صرف همته من القراءات إلى علم الحديث، وطلبه بنفسه قراءة وسماعًا في سنة ٧٤٢ هـ، غير أنهما لا يذكران التقاءه بابن جماعة كلية، ولا يحددان دافعا آخر لميله إلى الحديث وصرف همته لطلبه، فلعلهما تركا ذكر هذا اللقاء اختصارًا، كابن حجر حيث ذكره عند التوسع في ترجمة العراقي، وحذفه عند الإيجاز (^٢).
ويدل لذلك أيضًا أن سياقهما لخطوات طلبه منذ سنة ٧٤٢ هـ موافق لما ذكره ابن فهد والسخاوي (^٣)، وبذلك ينتهي رأي الجميع إلى ما صرح به ابن فهد آنفًا.
_________________
(١) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢.
(٢) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦ و(ذيل الدرر الكامنة) ص ٧٠ و«إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.
(٣) (مجموع ابن خطيب الناصرية) (ترجمة العراقي) و«المنهل الصافي» لابن تغري بردي جـ ٢/ ٣١٢ ب و(الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧١، ١٧٢.
[ ١ / ٢٧٩ ]
غير أن الحافظ ابن حجر لا يريد إيقاف التقصير في طلب شيخه العراقي للسنة عند حد مرحلتي الطفولة والصبا المتقدمتين، واللتين انتهيتا معه إلى رجوع غالب المسئولية فيهما على والد العراقي لقيامه بأمره فيهما.
وإنما ينتقل إلى هذه المرحلة التي يُعد العراقي مسئولًا عنها، وهي مرحلة طلبه بنفسه، فيقرر: أنه وإن كان قد بدأ الطلب بنفسه فعلا سنة ٧٤٢ هـ فسمع الحديث وقرأه على بعض الشيوخ، إلا أنه تراخى عن الجد في ذلك، ولم يتنبه لطلب الحديث على وجهه إلا بعد هذا التاريخ بنحو عشر سنوات، ثم تبعه في هذا غير واحد كما سنوضحه.
وإذا كانت الأدلة قد توفرت لدينا لإقرار وجود تقصير غير متعمد، فيما قبل بدء طلب العراقي بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، فإنه قد توفرت لدينا الأدلة هنا على العكس، وهو رد ما قرره الحافظ ابن حجر ومن تبعه، من نسبة العراقي اللغفلة عن الطلب، والتراخي فيه، خلال تلك الفترة الطويلة من طلبه للسنة بنفسه.
ولعل ابن حجر أدرك صعوبة التسليم له بهذا القرار الذي يهز فيه، بل يحاول نسف عشر سنوات تقريبًا من نشاط أستاذه في مجال تخصصه بعد اعترافه بوضع قدمه على الطريق قبلها، فلجأ إلى عزل وتوهين الحقائق التي تصادم قراره، ثم قدم دليلا واحدًا عليه، وهو عدم وجود سماع للعراقي من كثيرين من ذوي الإسناد العالي، الذين تواجدوا في تلك الفترة وكان بإمكانه سماعهم.
أما الحقائق المصادمة لهذا:
فأولها: وجود وقائع كثيرة للطلب، سجلها العراقي نفسه، فضلا عن غيره،
[ ١ / ٢٨٠ ]
خلال نفس الفترة، وذلك بالسماع والقراءة اللذين هما أقوى وأظهر وجوه الطلب كما قدمنا.
وثانيها: ثبوت تخرجه في علم الحديث خلال تلك الفترة على أحد الحفاظ الذين يعترف ابن حجر ومن تبعه، بتلمذة العراقي عليه.
وثالثها: وجود نتائج لنشاط العراقي الحديثي بإسماعه لغيره، والتأليف الضخم الجيد فيه.
ورابعها: التقاؤه بعز الدين ابن جماعة، محوله الأول للتفرغ للسنة.
فبالنسبة لوقائع طلب العراقي بالسماع والقراءة، نجد ابن حجر يعتبرها مجرد جرعات يسيرة، وإن دلت على قدم تلقيه للسنة، لكنها متفرقة في غضون اشتغاله ببقية العلوم، وبالتالي لا يعدها طلبا للحديث على وجهه المطلوب، وبالنسبة لنشاط العراقي التأليفي وتحديثه المبكر، يُعده تشاغلا عن الطلب، ثم يورد دليله المشار إليه.
وعبارته في هذا الصدد، بعد ذكره ملازمة العراقي للشيوخ في الفقه والقراءات يقول: «وسمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على شهاب الدين ابن البابا، وتشاغل بالتخريج، ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى ابن المصري، آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة، ومن الكثيرين أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب، وابن علاق» (^١).
وقد ذكر صاحب (شذرات الذهب) هذا الكلام بنصه دون عزوه.
_________________
(١) (إنباء الغمر) جـ ٢/ ٢٧٦ وذكر فيه (ابن عارف) بدل (ابن علاق)، والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٢٨١ ]
لابن حجر، وأقره (^١).
ويقول ابن حجر أيضًا، بعد ذكره إسماع العراقي من الإخنائي، والجاولي في المرحلة السابقة: «ثم أُسْمِعَ على ابن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وتقي الدين السبكي، وعلاء الدين التركماني، هذا ما وجدنا له قديما بعد طلبه .. وكان قد لهج بتخريج أحاديث الإحياء وله من العمر نحو العشرين، وذكر في شرح ألفيته: أن أبا محمود المقدسي سمع منه شيئًا في تلك السنة، سنة ٧٤٥ هـ (^٢).
وذكر أيضًا مرافقة العراقي للإمام الزيلعي في الاشتغال بالتخريج المتقدم، وتعاونهما معا، واعتبر كل هذه الأنشطة قبل تنبه العراقي لطلب الحديث على وجهه» (^٣):
وردنا عليه من وجوه:
١ - أنه إذا كان لم يجد سماعًا قديما للعراقي إلا على ابن شاهد الجيش وابن عبد الهادي والسبكي وابن التركماني، فإني قد وجدت له سماعا على من هو أقدم وفاة من هؤلاء جميعا وهو: محمد بن أحمد بن تمام الحنبلي الخياط المتوفى في ١٣ ربيع الأول سنة ٧٤١ هـ حيث قال العراقي عنه: «روى لنا
_________________
(١) «شذرات الذهب» جـ ٧/ ٥٥.
(٢) «المجمع المؤسس» ص ١٧٦ والتعبير بـ «أُسْمِعَ»، مخالف للاصطلاح لأنه يُطلق على ما سمعه الطالب بتوجيه غيره قبل الطلب بنفسه، بينما كان العراقي حينئذ في مرحلة الطلب بنفسه فيقال: «سمع» وقد عبّر عنه ابن حجر نفسه بذلك كما في نص «الإنباء» قبله، ولكن من نقل عبارة ابن حجر من «المجمع» لم يتنبه لذلك فذكر: «أسمع»، كالسخاوي والسيوطي وغيرهما فليتنبه لذلك.
(٣) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠ و«المجمع المؤسس» ص ١٧٦.
[ ١ / ٢٨٢ ]
عن خلق نحو مائة وخمسين شيخا» (^١).
أما عدم الإعتداد بالسماع والقراءة المتقدمين بحجة وقوعهما أثناء اشتغاله بالعلوم الأخرى فيرده ما ذكره السخاوي وغيره بالنسبة للعلم الذي يعترف ابن حجر نفسه بأنه آخر علم اشتغل به العراقي قبل الاتجاه للسنة وهو علم القراءات، فقد ذكر السخاوي أن العراقي رغم توغله فيه قبل التحول للسنة، فإنه لم يكمل القراءات السبع إلا على التقي الواسطي في إحدى مجاوراته بمكة (^٢)
وذلك في سنة ٧٦٨ هـ كما ذكر ابن الجزري (^٣)
فلو كان العراقي منذ سنة ٧٤٢ هـ التي يعترف ابن حجر بسماعه للحديث بنفسه وقراءته فيها، مشتغلا عن الطلب حتى بآخر علم كان متوغلا في تحصيله للتخصص به قبل التحول للسنة، لما تأخر إكماله لتلقي القراءات السبع تلك المدة التي تقرب من ٢٦ عاما، وإنما الذي يُفهم من هذا هو العكس، أي انشغاله بطلب السنة والعمل في حقلها عما عداها، خاصة وأن الواسطي الذي انتهز العراقي فرصة مجاورته معه بمكة، مصري الدار والإقامة قبل وبعد المجاورة حتى الوفاة (^٤)، بل إن ابن البابا الذي يعترف ابن حجر بقراءة
_________________
(١) «الأعلام»، لابن قاضي شهبة جـ ١/¬١٩.
(٢) هو عبد الرحمن بن أحمد بن علي البغدادي ويقال له أيضًا الواسطي الشافعي شيخ الإقراء بالديار المصرية والمتوفى بها سنة ٧٨١ هـ (غاية النهاية) لابن الجزري جـ ١/ ٣٣٤ و(ذيل ولي الدين ابن العراقي) وفيات سنة ٧٨١ هـ.
(٣) (غاية النهاية) لابن الجزري جـ ١/ ٣٣٤.
(٤) نفس المرجع السابق والصفحة
[ ١ / ٢٨٣ ]
العراقي عليه الحديث حينئذ، كان قارئًا بالسبع، فكان من السهل إكمالها عليه بجانب دراسته للحديث عليه تبعًا لعادة العصر؛ ولكنه لم يفعل.
٣ - قد تقدم ذكر تشوق العراقي أثناء اشتغاله بالقراءات لأخذ الحديث عن أبي حيان الأندلسي المتوفى أوائل سنة ٧٤٥ هـ، وكان من آخر وظائفه مشيخة الحديث مع شهرته.
كما ذكر العراقي نفسه تلقيه الحديث عن إبراهيم الرشيدي شيخه في القراءات والفقه (^١) وأورد بعض ما رواه عنه في تأليفه (^٢) وأثبت أيضًا قراءته على الإسنوي شيخه في الفقه والأصول بعض مسموعاته من كتب الحديث كما قدمناه.
فاهتمامه بالأخذ عن المشاهير لدرجة التشوق، وأخذه الفعلي المتعدد في هذه الأثناء، ينافي الوصف بالتراخي في الطلب، حين يتحول كلية للتخصص بالسنة غاية ما هناك أنه يقال: «إن تحوله للسنة وتركيز نشاطه في مجالها، كما تفيده مثل هذه الشواهد، لم يجعله ينفض يده كلية من بقية العلوم التي كان مشتغلا بها من قبل، وليس لأحد أن يطلب منه ذلك؛ لأن معظمها يخدم تخصصه، ويعينه على التقدم والإنتاج فيه كما سبق بيانه، والعبرة في التخصص بتركيز النشاط في مجاله، دون هجر بقية العلوم، خاصة ماله اتصال به، ومساعدة عليه، كما فعل العراقي».
وقد كانت عادة العصر جارية بالاشتغال بأكثر من علم بجانب التخصص،
_________________
(١) «ذيل وفيات الأعيان» للعراقي/ ٤٧ أ (مخطوط مصور).
(٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٤/ ٧٠ و«التقييد والإيضاح» له أيضا/ ٣٤٨.
[ ١ / ٢٨٤ ]
حتى كان البرهان الرشيدي شيخ العراقي في الفقه والقراءات والحديث كما أسلفنا، معروفًا بعلم الطب وممارسته، وعرف أيضًا الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، بعلم الطب والموسيقى كما سيجيء.
أما ولع العراقي واشتغاله بتخريج (إحياء علوم الدين)، ومرافقته في ذلك الإمام كالزيلعي، وسماع محدّث متقدم عنه في الطلب كالمقدسي، كل ذلك وهو في نحو العشرين من عمره، أي بعد طلبه بنفسه وتفرغه للسنة في سنة ٧٤٢ هـ بنحو ثلاث سنوات، إن دل على شيء، فإنما يدل على التقدم الكبير لصاحبه في الطلب، وجده في الاشتغال بالفن، لكن الحافظ ابن حجر يعتبره تشاغلًا عن الطلب، حتى لا يتصادم مع دعوى التراخي التي أطلقها، ولا شك أن ذلك مجافاة منه للحقيقة والواقع كما ترى.
ويواجه ابن حجر أيضًا بحقيقة تخرج شيخه العراقي في علم الحديث خلال تلك الفترة، وهذا ينافي دعوى التراخي والتشاغل عن الطلب، فما يكون منه إلا أن ينفي تَخَرَّجَ العراقي كلية، حتى لا يصادم مدعاه، فيقول كما قدمنا: «إن العراقي اشتغل بالعلوم، وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخرجه على طريقة الإسناد» (^١).
ثم يأتي إلى من تخرج على يديه وهو الحافظ علاء الدين التركماني، فيكتفي بذكر سماع العراقي منه فقط، كما مرت نصوصه، وكما ذكر في تراجمه المتعددة للتركماني (^٢).
_________________
(١) «المجمع المؤسس»، ص ١٧٦.
(٢) «الدرر الكامنة» وجـ ٣/ ١٥٦ و٥ «رفع الإصر» قسم ٢/ ٤٠١.
[ ١ / ٢٨٥ ]
ولقد كان ابن حجر أولى بإثبات حقيقة تخرج شيخه العراقي، نظرا لما سيأتي من تخرجه هو به في الفن، وفاقد الشئ لا يعطيه.
ويرد أيضا على الحافظ ابن حجر في هذا ما قرره غير واحد من معاصريه وتلامذته: أن العراقي تخرج في علم الحديث بعلاء الدين بن التركماني هذا كما سيأتي تفصيله، وهو متوفى في نهاية سنة ٧٤٩ هـ كما ذكر العراقي نفسه، أو أوائل سنة ٧٥٠ هـ كما ذكر ابن حجر (^١).
وعليه يكون العراقي قد تخرج به خلال الفترة المشار إليها، وهذا ينفي ما يدعيه الحافظ ابن حجر من افتقاد العراقي من يخرجه، وتراخيه وتشاغله عن طلب السنة على الوجه المطلوب خلال الفترة من سنة ٧٤٢ هـ إلى ٧٥٢ هـ.
وبالنسبة لالتقاء العراقي بابن جماعة وتوجيهه له نحو التفرغ للسنة، كان لابد لابن حجر أيضا أن يضعه في الزمان والإطار الذي يطابق مدعاه، نظرا لأنه معترف مع غيره، بأن ابن جماعة كان المحول الأول للعراقي نحو الاختصاص بالسنة، وأنه ركز نشاطه فعلا لملازمة طلبها ودراستها على أتم وجه بلا تراخ ولا تشاغل، منذ توجيه ابن جماعة له، فلو سلم بما اتفق عليه ابن فهد وغيره، من أن توجيهه للعراقي كان سنة ٧٤٢ هـ لبطلت دعوى التراخي والتشاغل، أو ما يمكن تسميته بعدم المنهجية في الاشتغال والتحصيل الذي قام به العراقي فعلا خلال تلك الفترة.
لهذا أسرع الحافظ ابن حجر إلى تقرير أن التقاء ابن جماعة بالعراقي وتوجيهه للسنة لم يكن في سنة ٧٤٢ هـ، كما صرح ابن فهد وكما يفهم من سياق
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ٣/ ١٥٦ و«رفع الإصر» قسم ٢/ ٤٠١.
[ ١ / ٢٨٦ ]
غيره، بل كان متأخرا عن ذلك مدة السنوات العشر التي يريد نسبة العراقي فيها للتراخي والتشاغل، ثم عمد إلى شواهد نشاطه وتحصيله فيها، فاعتبرها بعيدة عن المنهجية، حتى تَتَجَرَّدَ من قيمتها، وذلك بتقريره ضمن دواعي توجيه ابن جماعة للعراقي نحو الحديث، ما رأى من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير المنهج المطلوب، ثم أعقب ذلك بدليله الوحيد على تلك الدعوى العريضة، وعبر عن ذلك كله، بعد ذكر خطوات العراقي السابقة من الاشتغال بالعلوم والسماع للحديث، وتأليف التخريج فقال:
«وكان مفرط الذكاء» فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث؛ لما رآه مكبًا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك، فطلبه على وجهه بعد الخمسين، ولو كان طلب قبل ذلك لأدرك الإسناد العالي، فإنه كان يمكنه السماع من ابن المصري خاتمة أصحابه ابن الجميزي (^١)، وابن رواج (^٢) بالإجازة، ومن جمع من أصحاب النجيب، وابن عبد الدايم (^٣).
وقد نقل ابن قاضي شهبة (^٤) والغزي (^٥) ذلك دون عزوه لابن حجر، وأقراه، وعبر ابن حجر أيضًا عن ذلك بعد أن ذكر إفتقاد العراقي لمن يُخرجه في الحديث، ثم اشتغاله المبكر بتخريج «الإحياء» والسماع الحديث لغيره سنة
_________________
(١) بالأصل «الحميري» والصواب ما أثبته تبعا للمراجع التاريخية (انظر دول الإسلام) للذهبي جـ ٢/ ١١٨.
(٢) يرد هذا الاسم في المصادر تارة بالحاء المهملة كما ترى وتارة بالجيم المعجمة. (انظر «فتح المغيث» للعراقي جـ ٢/ ٦٨ و«مقدمة المحدث الفاصل» ص ٨٠، ٨٨، ١٠١).
(٣) «ذيل الدرر الكامنة» ص ٧٠.
(٤) «الأعلام» جـ ٤/ ٢١٩ و«طبقات الشافعية» ورقة/ ١١٠ ب كلاهما له.
(٥) «بهجة الناظرين» له ص ١٢٩.
[ ١ / ٢٨٧ ]
٧٤٥ هـ واشتغاله بالقراءات فقال: (ثم نبهه القاضي عز الدين ابن جماعة لما رأى من حرصه على الحديث، وجمعه على طريقة أهله، فحبب له ذلك ولازمه، وأكب عليه من سنة اثنتين وخمسين، أي وسبعمائة).
فأعلا من أخذ عنه بنفسه أبو الفتح الميدومي، مع أنه كان يمكنه أن يأخذ من خلق كثير من أصحاب النجيب، ممن هو أكثر سماعًا من الميدومي (^١)، وقد أخذ السخاوي هذا الخيط من شيخه ابن حجر ومده فقال في بيان طلب العراقي بعد توجيه ابن جماعة له: «فمن شيوخه بالقاهرة الميدومي، وهو من أعلا شيوخه سندا، وليس عنده من أصحاب النجيب غيره، وبذلك استدل شيخنا على تراخي جده في الطلب عن سنة اثنتين وأربعين، أي وسبعمائة، - التي كان ابتداء قراءته فيها - عشر سنين؛ لأنه لو استمر من الأوان الأول لأدرك جمعًا من أصحاب النجيب، وابن عبد الدايم وابن علاق وغيرهما» (^٢).
أما الشوكاني فذكر إكباب العراقي على الحديث منذ سنة ٧٥٢ هـ دون عزوه ذلك لابن حجر، وأقره (^٣).
وردنا على ابن حجر ومن تبعه في تقدير تأخر لقاء ابن جماعة بالعراقي وصرفه للتخصص بالسنة عشر سنين تقريبا من سنة ٧٤٢ هـ إلى سنة ٧٥٢ هـ نبدؤه من نفس بيان ابن حجر لموقف ابن جماعة من العراقي حينذاك؛ حيث يذكر كما مر، أنه عرفه الطريق لطلب الحديث، وجمعه على طريقة أهله فطلبه على وجهه، وهذا يطابق حالة بدء الطلب المعترف منه ومن غيره
_________________
(١) (المجمع المؤسس) ص ١٧٦.
(٢) (الضوء اللامع) جـ ٤/ ١٧٢.
(٣) (البدر الطالع) له جـ ١/ ٣٥٤.
[ ١ / ٢٨٨ ]
صراحة وضمنا، بأنه كان في سنة ٧٤٢ هـ، لاحالة الجد فيه بعد ممارسة أهم وجوهه من السماع والقراءة بنفسه - ولو بصفة متقطعة، كما يدعي ابن حجر - طيلة عشر سنين، ويزداد عدم التطابق بين ما ذكره ﵀ وبين حالة العراقي في سنة ٧٥٢ هـ التي يدعي هو ومن تبعه حدوث التوجيه فيها، إذا راعينا ما تقدم إثباته، من تخرج العراقي في علم الحديث قبل نهاية سنة ٧٤٩ هـ على الأقل، وشروعه في التأليف فيه، وإسماعه، منذ سنة ٧٤٥ هـ؛ إذ كيف يتخرج شخص في علم على يد أهله، قبل أن يعرف الطريق الصحيح لطلبه ودون أن يجري على منهج أهله.
وكيف يثق مُحدِّث في درجة شيوخ العراقي، في السماع منه، ويثق آخر في التعاون العلمي معه، وهو بهذه الحالة التي يصوره عليها ابن حجر حينذاك؟، وكيف يحوز تأليفه في هذه الآونة ثناء كبار شيوخه كما سيأتي، وهو صادر ممن لم يتمرس بعد بالفن، ولم يطلبه على وجهه؟ ومن أجل هذا وما سيظهر غيره في عرضنا لأنشطة العراقي تلك، يُعد ما قرره ابن حجر ومن تبعه بشأن العراقي في تلك الفترة مبالغا فيه كثيرًا، ومناقضا لواقع حاله وأعماله.
وأما دليل ابن حجر ومن تبعه على دعوى التأخر والتشاغل بعدم تحصيل العراقي للسماع الكثير من ذوي السند العالي مع إمكانه، فهو دليل منظور فيه.
فبالنسبة ليحيى ابن المصري، يرجع فوات سماعه منه لمرحلة ما قبل طلبه بنفسه، وهو غير مسئول عنها كما أوضحنا، ولذلك أرجع السخاوي مسئولية فوات السماع من ابن المصري وأمثاله إلى والد العراقي لا إليه هو (^١).
_________________
(١) و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧١.
[ ١ / ٢٨٩ ]
ولئن كان قد فاته بتقصير غيره السّماع من ابن المصري هذا، لحديث السّلفي عاليا بالإجازة كما يبين ابن حجر والسّخاوي (^١)، فإنه استطاع بجده في الطلب بنفسه، السّماع من التّاج بن موسى، آخر من كان يروي حديث السّلفي بالسّماع المتّصل، كما بين السّخاوي (^٢) والسّماع ولو نزل، خير من الإجازة العالية (^٣).
وبالنّسبة لعدم سماعه من كثيرين من أصحاب النّجيب، فإن ابن فهد قد ذكره أيضا، لكن لم يعتبره دليلا ولا بعض دليل على تأخر العراقي في طلب الحديث على وجهه، طيلة عشر سنين كما اعتبره ابن حجر ومن تبعه (^٤).
بل لقد سمع من العراقي وهو دون العشرين من عمره بعض من سمع على النّجيب هذا كما سيأتي.
ونستطيع نحن أيضا بعد ابن فهد القول: بأن فوات سماعه من كثيرين من أصحاب ابن عبد الدايم وابن علاق وغيرهم من ذوي الإسناد العالي، لا ينهض دليلا ولا بعض دليل على تأخر العراقي في الطلب بالصورة التي يراها ابن حجر كما أوضحتها، وذلك لوجود أنشطته الأخرى خلال تلك المدة، سواء في مجال الطلب والتّحصيل، أو في مجال الإنتاج كما أشرنا، وكما سيأتي تفصيله، وهي أنشطة لا يضيرها كما أوضحنا تهوين ابن حجر لبعضها وإلغاؤه للبعض الآخر، ومجموعها كاف لرد دعواه هو ومن تبعه، وكاف في
_________________
(١) نفس المصدر والصفحة.
(٢) (الجواهر والدرر) ورقة/ ٢٣ ب.
(٣) (فتح المغيث) للعراقي جـ ٣/ ١٠٦ و(تدريب الراوي) للسيوطي ص ٣١٨.
(٤) (لحظ الألحاظ) ص ٢٢٢.
[ ١ / ٢٩٠ ]
الدلالة على تركز نشاط العراقي في علوم السنة، وتقدمه في تحصيلها أكثر من دلالة كثرة الأسانيد العالية التي هي من الفروع لا من الأصول.
حتى لقد عدها الحافظ ابن كثير شيخ العراقي قليلة الجدوى بالنسبة لباقي علوم السنة (^١).
بل إن ابن حجر نفسه انتقد انشغال المتأخرين بها عن الأهم من باقي علوم السنة، وقال ابن دقيق العيد: «أن رغبتهم فيها أدت إلى خلل كثير في الصنعة، بالإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه، إلى من أُجْلِسَ صغيرا لا تمييز له، ولا ضبط ولا فهم، طلبا للعلو وتقدم السماع» (^٢).
فإذا كان قد فاته في هذه المرحلة الإكثار من الرواية العالية، فإنه لم يفته الأهم، وهو الدراية الجيدة حيث تمرس بالبحث في كتب السنة وتتلمذ لأهل الفن حتى تأهل للتخرج في علومها على يد بعضهم ورافق بعضهم في التأليف الجيد الضخم كما سيأتي.
كما لم يفته تحصيل كثير من المرويات بالسماع وغيره من طرق التلقي، ولو بالوجادة، كما يظهر من مئات المراجع وأمهات مصادر السنة التي اعتمد عليها في تخريج (الإحياء الكبير) الذي فرغ من مسودته كما سيأتي سنة ٧٥١ هـ أي قبل التاريخ الذي يدعي الحافظ ابن حجر ابتداء طلبه الجاد فيه بعام تقريبا.
على أن ما أثاره ابن حجر ومن تبعه حول تلك المرحلة من مسيرة العراقي في
_________________
(١) «اختصار علوم الحديث» له مع «الباعث الحثيث»، ص ١٦١.
(٢) «فتح المغيث» للسخاوي جـ ٣/¬١٩.
[ ١ / ٢٩١ ]
مجال السنة حتى اضطرنا لإطالة الوقوف معه للرد والتصحيح، ينبغي التنبيه إلى أنه لا ينال من تكوين الشخصية الحديثية المتكاملة للعراقي.
وذلك لأنه بالإضافة لما أشرنا له من أنشطة تنوب بكفاءة عن كثرة السند العالي، فإن ابن حجر نفسه قد أدرك - فيما يبدو - إتساع دعوى التراخي عن الطلب التي أطلقها، وما نتج عنها من تناقض مع الواقع، فضيقها بالاستدراك عليها بذكر نهوض العراقي للأخذ بكثرة عن عدد من الشيوخ يعتبرون خاتمة الرواة عن أصحاب السند العالي المتقدم إستدلاله بهم على دعواه وأمثالهم فقال: لكنه أدرك لما طلب: الميدومي خاتمة أصحاب النجيب فأكثر عنه، ثم رحل فأدرك ابن الخباز خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم وهو أيضًا خاتمة أصحاب ابن علاق (^١)، والمرداوي خاتمة أصحاب الكرماني، فأخذ عنهم وعن غيرهم (^٢). وبهذا الاستدراك خفف من حدة ما أثاره قبل، حول شيخه في تلك المرحلة، وهون من تأثيره، حتى على جانب الرواية عنده، وكأنه يقول: إنه وإن فاتته كثرة الرواية بتلك الأسانيد العالية، فلم يفته أصل العلو كلية. وسيأتي أيضًا شهادته مع غيره، بأن ذلك لم يحل دون استحقاق العراقي لقب الحافظ الكامل بجدارة.
ومما ينبغي ذكره كذلك، أن ابن حجر نفسه تعرض في بداية طلبه للعلم عمومًا وللسنة خصوصًا لإهمال وتراخ معترف بهما بلا شك منه، ومن غيره، وبصورة لا يُذكر بجانبها ما تعرض له شيخه (^٣).
_________________
(١) «الدرر الكامنة» جـ ٤/ ٢٧٤.
(٢) «ذيل الدرر» ص ٧١ ونحوه في «إنباء الغمر» جـ ٢/ ٢٧٦.
(٣) «الجواهر والدرر» للسخاوي ورقة ١٧ ب إلى ١٩ أو «المجمع المؤسس» لابن حجر ص ١٧٩.
[ ١ / ٢٩٢ ]
ومع ذلك إستطاع بهمته تعويض ما فاته، حتى صار حافظ الدنيا بعد شيخه. ولست أستبعد أن يكون لإحساسه الشخصي بما تعرض له في حياته دخل في إثارة مثله بالنسبة لشيخه، كإشارة ذكية منه إلى أن ذلك لا يضيره أمام ناقديه، كما لم يضر شيخه المتفق على إمامته في علوم السنة، ثم إن العراقي قد أدرك بجانب خاتمة أصحاب الأسانيد العالية المتقدم ذكرهم، الجيل التالي لهم، وضاعف جهده في الأخذ عن ثقاته حتى شهد له تلميذه تقي الدين الفاسي بأن مسموعاته وشيوخه ليست كثيرة فحسب، بل في غاية الكثرة (^١).
ثم أمد الله له في العمر بعد وفاة عامة شيوخه، فانفرد بكثير من مروياته، وصار كثير من أسانيده أعلا ما يوجد في عصره مطلقا على وجه الأرض، مع الثقة والاتصال كما تقدم نقله عنه غير مرة (^٢).
وشهد له به غير واحد من تلاميذه البارزين، مثل ابن حجر نفسه، الذي خرج له كثيرًا من عواليه كما سيأتي، ومثل سبط ابن العجمي الذي لازمه - كابن حجر. نحوا من عشر سنين، فقد قال عنه إنه انفرد بالمعرفة في فن الحديث مع العلو (^٣)، ومثل محمد ابن الجزري عالم القراءات والحديث المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (^٤)، والمشارك له في الأخذ عن بعض شيوخه، حيث يقول: إنه لم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد (^٥).
_________________
(١) «ذيل التقييد» للتقي الفاسي ورقة ٢١٩ ب و«الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٦.
(٢) «فتح المغيث» للعراقي جـ ٣/ ١٠٠ و«التقييد والإيضاح»، ص ٢٥٨، ٢٥٩.
(٣) «الضوء اللامع» جـ ٤/ ١٧٥
(٤) المصدر السابق جـ ٩/ ٢٥٥ وما بعدها.
(٥) «الأربعين العوالي» لابن الجزري ص ٤ (مخطوط).
[ ١ / ٢٩٣ ]